الخلاص كدمعة... أو سيرة بكاء السيّد ميم

James Cochran

 

"أوجد الله البكاءَ قبل العيون، ثمّ راح يـخـلق كلّ عـيـن عـلى مـقـاس دمـعتـهـا".

- هشام أبو عساكر -

 

فتح الطبيب النفسيّ عيادته بروتينيّة مملّة؛ ليجد خطابًا دُسّ أسفل الباب:

"حضرة الطبيب دال المحترم،

نرجو حضوركم طرفنا غدًا في تمام الساعة العاشرة صباحًا، وذلك بشأن إدلاء شهادتكم حول حادثة السيّد ميم.

دائرة تحقيقات المنطقة 23".

طوى المكتوب، وغدا يروح الغرفة جيئةً وذهابًا؛ فالسيّد ميم لم يحضر الجلسات منذ أسبوعين، وما ردّ على مكالماته. "ماذا يا تُرى قد وقع له؟"، فكّر الطبيب في مريضه المحبَّب الّذي كان يقضي الوقت معه، كأنّه يجالس صديقًا قديمًا في مقهى، لا مريضًا في عيادة. ووضع شريط الجلسة الأخيرة في مشغّل الفيديو، ليستذكر آخر ما دار بينهما. وهو لم يكن عادةً يسجّل اعترافات مرضاه، لكنّه أحسّ بضرورة فعل ذلك مع السيّد ميم.

* * * * *

 

"يا دكتور، افهمني ..."، تنهّد كمَنْ يمسح دمعة: "أقول لك: لكنّي لا أبكي!".

حكّ الطبيب النفسيّ ذقنه، وأخذ يخربش على الورقة، كأنّه يشخّص حالة اعتياديّة على نحو مهاريّ. لكنّ الحقيقة، أنّه لم يكن يفهم شيئًا. في بعض الأحيان، بعد انتهاء الجلسة، كان يحسّ أنّ أحد أطبّاء المشفى الحكوميّ الّذي كان يعمل فيه، هو مَنْ سلّط هذا المريض المدّعي عليه حتّى يُشْعِرَه بالعجز، ويجعله يقتنع بأنّه عاطفيّ زيادة على المعتاد، ولا يصلح لهذه المهنة؛ إذ إنّ المرضى يأتون إليه عادةً بعد أن يُعْييهم البكاء، وهذا الأحمق يقول إنّه لا يبكي! "يبدو أنّهم لم يكتفوا بطردي"، أخذ يتمتم لنفسه: "فلنرَ إذن".

"حسنًا يا سيّد ميم... تقول إنّك لا تبكي مهما حدث أمامك، كأنّك منديل سُرِق بكاؤه. لكن، كلّ الناس يبكون يا رجل: الأطفال والنساء والأطبّاء النفسيّين، حتّى أعتى الطغاة يبكون في اللحظات العصيبة، وأنت شاعر، والشعراء يجيدون البكاء أكثر من الكتابة... ألا تذكر مرّة بكيتَ فيها، ولو مليلترات ضئيلة؟".

اغتمّ ميم لهذا الشعور المدوّي فيه على الدوام، بأنّ الآخر يكذّبه، لا يسأله. وأخذ يفكّر من أين يبدأ، وإن كان ثمّة جدوًى من فعل القول أصلًا؛ فهو قبل مجيئه إلى هنا، استنفد كلّ المحاولات، آخرها أن ذهب إلى طبيب العيون، الّذي لم يجد فيه خللًا بيولوجيًّا. لكن، في طريقه إلى المنزل ذاك اليوم، مرّ على صيدليّة وجلب قطرات العيون، الّتي ظنّ أنّها ستجدي نفعًا، لكنّه عندما قطّر في عينيه واقفًا قبالة المرآة، يتملّكه السرور، ضحك لأنّه يبكي، فأفسدت الضحكة متعة البكاء المُخْتَلَق، وإثر الضحك، تملّكه شعور بالبكاء، لكنّه لا يفعل، فيغدو حزينًا، وتعلق الدموع في عينيه، مثل اللقمة في الحلق.

"همم... اسمع، منذ فترة، وأنا أفكّر في قصّتي، يبدو أنّ هذا الفرويد صادق؛ فكلّ شيء يبدأ في الطفولة، ويزهر في ما بعد... من فضلك، هل لي أن أُشْعِل سيجارة؟"، هزّ الطبيب رأسه موافقًا، في انتظار أن يسمع ما يحلّ له عقدة الحيرة هذه. ثمّ استطرد السيّد ميم: "قبل موتها، وبعد يُبْسِ عينيّ، أخبرتني أمّي، كمَنْ يطلب الغفران، بأنّني حين وُلِدْت كان بكائي يشبه الغناء، كأنّه آتٍ من بعيد، من آلة موسيقيّة ما، لا من طفل، وبأنّها دُهِشَت للأمر وخافت في آن. كانت تتوجّس من عيون الجارات، فتُبْقيني حبيس العلّيّة، وخاصّة في زمن الحرب، حين الرجال يُقْتادون من جبهة إلى أخرى، والقرية افتقدت ما هو رجوليّ – اللهمّ، إلّا صوت الديك فجرًا – وحتّى حينما كانوا يعودون وقت الهدنة، لم يَقْوَوْا على فعل شيء لهول ما رَأَوْا، وبدلًا من الأسرّة، صارت الشبابيك هي ما يهتزّ، والأطفال غدوا مجرّد فكرة، مثل السلْم... المهمّ، أخواتي كُنّ يعبثن بي مثل مذياع حتّى أغنّي... أقصد أبكي، فيُغْمِضْنَ أعينهنّ ويبدأن بالتمايل. وفي مرّة من المرّات، غافلتهنّ أمّي واكتشفت الأمر، فوبّختهنّ، وصارت عندما تذهب إلى العمل، تقفل عليّ الباب، وتمنع أخواتي من رؤيتي. وبعدها، لم يَعُد بكائي يُسْمَع، حتّى ظنّت أمّي، أنّ البكم أصابني، وحين كبرتُ قليلًا بدأتُ بالمناغاة، وكم صلّتْ للربّ وحَمَدَتْه حينذاك. إلّا أنّ أخواتي رفضن وجودي، رغم فكّ الحصار، ورموني كما جيتار معطوب في موسيقى الغياب.

وبعد أن خَشِنَ صوتي، صرت أمضي الوقت عند باب المنزل، وبينما أنفض الغبار الّذي خدش عينيّ، رآني أبي العائد من الحرب فوبّخني: "الرجال لا يبكون يا فتى"، ولم أعرف عمّ يتحدّث، لكن في ما بعد، بِتُّ أسمعه ينهج كلّ ليلة بدل أن يشخر، وعلمت أنّ الرجال يبكون أيضًا، وأبي لم يكذب عليّ، إنّما كان يخاف على عينيّ. وأمضيت حياتي هكذا، أُحَوِّش البكاء داخلي، فحينما أرى شيئًا جميلًا، أحسّ برغبة عارمة في البكاء؛ عندما يخبرني أحدهم بأنّني أفضل صديق في حياته، أو يبادلني الحبّ. حتّى عند ممارسة الجنس، كنت ريثما ننتهي، أجفل كدمية ولا أعرف كيف أخبرها، لكنّني فعلت مرّة وقلت: "أريد أن نبكي معًا يا حبيبتي، هل تفهمينني؟ أن ننساب معًا، مثل غيمتين، ويكون بَلَلُنا شهيًّا، لا يوقظ الوسادة... على الأحبّاء أن يبكوا معًا". وهي صدّقتْ بلاهتي، وأخذتْ تهزّني وتبكي – وكم كان الأمر سهلًا عليها! فالبكاء لدى النساء، يشبه التدخين لدى الرجال – تبكي وتهزّني، فبدأت أرتجف، وكنت عنينًا، حاولت، لكنّي خيّبتها ولم أبكِ، فهجرتني: "على الأقلّ لو كانت تحبّني حقًّا، لفعلتها من أجلي".

لاحظ الطبيب أنّ دوره في التدخّل قد حان، لأنّ ميم يتصبّب عرقًا، وأخذ يقشّر الجلد عن أظفاره؛ وهذا يعني أنّه في أوج توتّره. ناوله كأس ماء، ثمّ تنحنح مداريًا تأثّره: "أفهمك يا صديقي... أنت تذكّرني بمريض زارني قبل فترة، كانت مشكلته أنّه لا يضحك، والأمر ارتبط بباله بذكرى المعتقل، فعندما كان يتعرّض للتعذيب، كان الجلّاد يقهقه ريثما يقوم بذلك، ومن يومها وشفتاه مطبقتان، لكنّه أخيرًا تجاوز الأمر، بعد أن اقتنع بأنّ الضحك ليس ضروريًّا، فبإمكانه اغتنام السعادة بهدوء، أو كأنّه اقتبس قول سورين كيركاغرد: ‏"ماذا لو كان كلّ شيء في العالم مُساء فَهْمُه؟ ماذا لو كان الضحك، في الحقيقة، بكاء؟"... "توقّف"، ثمّ كمَنْ تذكّر ردّ التحيّة بعد أن جلس: "وأنت كذلك، يمكنك الحزن دون بكاء... يعني، ما حاجتك إليه؟ ما المشكلة إن لم تبكِ؟".

"أقول إنّني لا أبكي يا دكتور، وتسألني ما المشكلة! أشعر بأنّني بلا عينين، فالعين تكون عينًا بقدر ما تبكي، الرؤية مسألة هامشيّة، تتحقّق حتّى عند الإغماض؛ العين بئر، تغدو مجرّد تجويف إن جفّ ماؤها... دون بكاء، لا تكون لي عينان، ولا أكون إنسانًا ولا حيوانًا ولا جمادًا، ولا يصدّقني أحد، ولا حتّى أنا... يموت الآباء، الأصدقاء ينتحرون، والدم يتسوّل في الشوارع، دون أن أبكي، لكنّ الأشجار تفعل والورق دموعها، وكذا النوافذ في الشتاء، والحجارة مع الفجر.

المطر ما عاد يروي عطش المآقي، رغم أنّه معلّم البكاء الأوّل، وربّما لهذا كانت حيلة الغيمات... أَسَرَق أحدهم بكائي، حين وضعتني أمّي في العلّيّة، ولم أجد منديلها، أم أنّها بكت بالنيابة عنّي قبل مجيئي؟ ودون بكاء أنت قويّ، يا للسخافة! هكذا يراك العالم. يقول هنري كاليه: "لا تهزّني... فأنا مليء بالدموع"، وأقول: "أرجوك افعل، علّني أسّاقط لأجدني؛ فجسدي صار حصّالة للبكاء، وعلى القليل منه أن يرشح. والاغتراب يعزلني مثل غريغور سامسا، ويهشّني كحشرة؛ لأنّني الوحيد الّذي لا يبكي في العالم... لهذا أنا خائف على الدوام ووحيد. وهكذا أقرأ كافكا كلّ يوم، ليكون لي أصدقاء حقيقيّون ووحيدون مثلي...". وبصوت يشبه الحشرجة، أكمَل: "على كلٍّ، أنا لست وحيدًا، ما دام جيش الماء لا يكفّ عن الركض، الركض داخل عينيّ... لكن أين تذهب كلّ الدمعات، الّتي لم أبكها؟".

وفجأةً – بلا مقدّمات – بدأ الطبيب النفسيّ البكاء مثل طفل؛ إذ لم يجد طريقة أخرى لمواساة مريض عطشان، وتكرار الجلسات بالسيناريو نفسه قد أرّقه. لكنّ ميم، احتقن فيه الشعور بالضيم، مُعْتَبِرًا سلوك الطبيب سخرية، كمن يطقطق أصابعه أمام مبتور اليدين. وخرج كأنّه أخذ الباب معه.

* * * * *

 

"ارتابت الخادمة – الّتي تجيء كلّ صباح لتوقظ السيّد ميم، وترتّب البيت – لأنّها لم تجده في غرفة النوم؛ وهو الأمر الّذي لم يحدث، ولا سيّما أنّ حاجيّاته في مكانها: هاتفه، علبة السجائر، ساعة اليد... وهذا يعني أنّه لم يخرج بعاديّة أيضًا. وحين اقتربتْ نحو السرير، وجدتْ ملابسه ملقاة على الأرض، وعلى السرير لم ترَ سوى بقعة ماء، حدودها تشبه هيئة السيّد ميم. ولأنّ السيّد ميم مقطوع من شجرة كما تعلم؛ فلم يكن أمامها إلّا أن تتّصل بنا... لا أخفي عليك، أوّل الأمر شككنا فيها؛ لأنّها الوحيدة الّتي تدخل منزله وتملك نسخة من المفتاح، لكن بعد التحرّيات الّتي أجريناها، وسؤال الجيران، لم يَثْبُت شيء عليها، والحقّ أقول: "كم هي مسكينة! فقد بكت على اختفائه، حتّى صارت عيناها أشبه بكُرَتَيْن من البلاستيك!"، وتابع: "وبعد أن خلصنا منها، ولم نجد له أيّ أثر، ولا أحد غيرك يمكنه الإفادة في الأمر، أسألك لأنّك الوحيد الّذي يعرف كلّ شيء عنه: مَنِ الّذي قتل السيّد ميم؟".

"لا... لا تصدّقوا ذلك، ليست جريمة قتل، أو ربّما يمكنكم قول ذلك، إن اعتبرتموه قاتلًا... لا أدري كيف أشرح لكم...". تبادل المحقّق نظرة تعجّب مع كاتب المحضر، ثمّ قاطع الطبيب: "دون مقدّمات من فضلك، دعنا نرى شغلنا". تنفّس الطبيب الصعداء: "المشكلة أنّ أحدًا لن يصدّقني أيضًا".

فقد المحقّق أعصابه: "حبًّا للربّ أن تقول: مَنِ الّذي قتله؟".

كمَنْ يفشي سرًّا، قال الطبيب بتلكّؤ: "البكاء".

"البكاء! ومَنْ يكون هذا؟ هاتِ اسمه كاملًا، صف لي شكله، عنوان سكنه... بسرعة من فضلك".

"هه... البكاء، يعني فعل إخراج الدموع، ألا تعرفه؟". توجّم وجه المحقّق، فعقّب الطبيب: "هممم... يبدو أنّك لا تفهمني، ألم تقرأ رواية التحوّل لفرانتز كافكا؟".

"أترانا نلهو أم نجلس في مقهى؟ ... ما شأننا بكافكا الآن؟".

"سيّدي المحقّق، أقول لك، إنّ البكاء هو كلّ ما كان يريده، ويبدو أنّه قد فعلها أخيرًا... ما وجدتموه على السرير، كان هو السيّد ميم، أو إن شئتَ القول، دمعته الهائلة".

 

 

* قصّة فائزة بـ "جائزة نجاتي صدقي للقصّة القصيرة للكتّاب الشباب"، دورة عام 2020، الّتي تنظّمها وزارة الثقافة الفلسطينيّة. وقد تكوّنت لجنة تحكيم الجائزة هذا العام من: صافي صافي، زياد خدّاش، أماني الجنيدي.

تنفرد فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة بنشر القصّة بإذنٍ من كاتبها.

 

 

مجد أبو عامر

 

 

شاعر وقاصّ وباحث من غزّة. حاصل على بكالوريوس الحقوق من جامعة فلسطين، وماجستير العلاقات الدوليّة والعلوم السياسيّة من معهد الدوحة للدراسات العليا. صدرت له المجموعة الشعريّة "مقبرة لم تكتمل"، ويعمل محرّرًا في "مجلّة 28".

 

 

تعليقات Facebook