«البربريّ»... درس في استثمار الخيال

من قصّة «البربريّ»

خاصّ فُسْحَة - ثقافة فلسطينيّة

كيف يمكن أن تبني في مخيّلتك نصًّا وحوارًا بالنزر القليل من المعطيات؟ وكيف لنصّ بدون كلمات أن يوصل رسالته وغايته؟ وهل للمعنى أن يكون خفيًّا متواريًا في الصورة فقط؟ أسئلة تكمن إجابتها في قصّة «البربريّ – IL BABARO» (1992) البرازيليّ ريناتو موريكوني Reanto Moriconi؛ إذ تتميّز هذه القصّة بغياب السرد والوصف وحضور رسم الحركة والفعل والصورة المكوّنة للمشهد، دون الحاجة إلى الاستعانة بالحوار والكلمات؛ وهو ما يُتيح للقارئ بناء عوالم متخيّلة من خلال المعطيات المرسومة الّتي يمنحها الكاتب.

يُبرز عنوان القصّة الكثير ممّا عمد الكاتب إلى أن يشير إليه، والشخصيّات قد رُسِمَتْ بكثير من العناية لتُعَرِّف نفسها، سواء من خلال الحركة أو الفعل الّذي تقوم به، فتكشف عن أبعادها النفسيّة والفكريّة.

 

لعبة «الكاروسيل»

القصّة تتحدّث عن رجل شجاع، محارب وبربريّ كما يعبّر الكاتب، يدور حول هذه الشخصيّة معظم الأحداث، وهي الّتي تحدّد لنا مسار القصّة. ميّز الكاتب شخصيّة البربريّ في القصّة بزيّ محارب يحمل خوذة حديديّة، وبدرع وسيف، ويمتطي صهوة حصان.

يبدأ النصّ حين يبدأ البربريّ بالجري في اتّجاه حصانه ليمتطيه، ثمّ يعبر من فوق مضيق جبليّ، ثمّ تهاجمه طيور جارحة، فأفاعٍ، فرماح تتساقط عليه، ورجال بعين واحدة تهاجمه بهذه الرماح، ثمّ عقرب متوحّش، فنباتات، وكائنات طائرة متوحّشة، ثمّ تمساح، وصاعقة، ونسر، وتنّين ونسر ينفث النار.

يتبيّن لنا أنّ كلّ الأحداث السابقة كانت أحداثًا متخيَّلة، لطفل يمتطي صهوة حصان في لعبة «الكاروسيل»، ويتخيّل من خلالها أنّه محارب بربريّ شجاع يتحدّى صعابًا عديدة...

يستمرّ البربريّ بالجري بالحصان لتعلو وجهه أمارات الفخر والسعادة ذاتها، الّتي اعترته خلال كلّ أحداث القصّة، ثمّ فجأة تختفي هذه الأمارات لتعلو مكانها أخرى تعبّر عن الاندهاش فالحزن. ثمّ تمتدّ يدان عملاقتان باتّجاه البربريّ، فنراه يجهش بالبكاء، لتنتهي القصّة بمشهد طفل صغير، تأخذه يدا والده من على حصان في لعبة «الكاروسيل» (دوّامة الخيل)، وهو يجهش بالبكاء لهذا السبب، رغبةً منه في أن يستمرّ في اللعب.

هنا، يتبيّن لنا أنّ كلّ الأحداث السابقة كانت أحداثًا متخيَّلة، لطفل يمتطي صهوة حصان في لعبة «الكاروسيل»، ويتخيّل من خلالها أنّه محارب بربريّ شجاع يتحدّى صعابًا عديدة، ويهزم بعزمه وقوّته مخلوقات متوحّشة تتصدّى له في طريقه.

 

الطفل شريك

من أهمّ ما يلفت النظر في هذه القصّة، أنّها تحاكي تخيّلات الأطفال وما يدور في رؤوسهم، بمنأًى عن تفكيرنا نحن الكبار، تُروى بلسانهم، وتكشف لنا قدراتهم الهائلة على التخيّل؛ فالقصّة تصوّر لنا مخيّلة طفل وهّاجة، وقدرة على ابتكار قصص وحكايات من فضاء مخيّلته، بل تُرْغِمُنا القصّة من خلال رسوماتها على أن نقرأها بلسان طفل ومخيّلته. وهي في نفس الوقت توظّف خيال الطفل ليقرأها؛ فتُخْرِجُهُ من دائرة المتلقّي إلى دائرة المنتج المتحرّر من صفة المستهلك للنصّ فقط.

في قصّة «البربريّ»، الطفل شريك في خلق النصّ أيضًا؛ رسومات القصّة من غير نصّ مكتوب وسيلة بصريّة، تنبّه وتحفّز مخيّلته على أن تعمل بجدّ، وتجعلها على استعداد للابتكار والإبداع. في القصّة رسالة رائعة لنا نحن الكبار، الآباء والأمّهات والمربّين، وهي أن ننظر إلى الطفل بصفته مصدرًا للإبداع، أن نبحث في داخله وفي خياله بطريقة تساعده على تطوير اهتماماته، ونحفّزه على استخدام عقله للإنتاج، ولاختراع ما يثير الاهتمام.

 

تغيير صورة نمطيّة أم تعالٍ مبطّن؟

كلمة "بربريّ" مشتقّة من كلمة "بارباروس"، وتعني في أصلها الإغريقيّ ثمّ اللاتينيّ "الأجنبيّ" أو "الغريب"، وهو المعنى الأصليّ المحايد، ولكن نشأ معنًى ثانٍ تابع له يفيد الجهل والهمجيّة والتوحّش، وهو عادة ما يدلّ عليه لفظ "الباربار" في جميع اللغات. يُطلق اسم "البربر" على الأمازيغ، وهم من أوائل الشعوب الّذين توطّنوا شمال أفريقيا، وكلمة "أمازيغ" تعني "الرجل الحرّ" في اللغة الأمازيغيّة القديمة، ويرفض بعض الأمازيغ تسميتهم بالبربر، ويرون فيها انتقاصًا لهم وتعاليًا عليهم.

قد يكون استعمال كلمة "البربريّ" في القصّة للإشارة إلى شعوب شمال أفريقيا وسكّان المغرب الأوّلين، أو محاولة لكسر الصورة النمطيّة السلبيّة عن البربريّ، بإظهاره مقاتلًا شجاعًا في مخيّلة الطفل الّذي يتمنّى أن يكون هو بنفسه هذا البربريّ.

قد يكون استعمال كلمة "البربريّ" في القصّة للإشارة إلى شعوب شمال أفريقيا وسكّان المغرب الأوّلين، أو محاولة لكسر الصورة النمطيّة السلبيّة عن البربريّ، بإظهاره مقاتلًا شجاعًا في مخيّلة الطفل الّذي يتمنّى أن يكون هو بنفسه هذا البربريّ. وقد يكون في استعمال كلمة "البربريّ" تعالٍ مبطَّن وسياسة تستلهم غرض الهيمنة والاستغلال، وتنطلق من تقسيم العالم إلى شعوب غربيّة وشعوب غير غربيّة، مشيرة بذلك إلى أنّ البربريّ - وإن كان شجاعًا - يبقى بربريًّا؛ بمعنى أنّه جاهل وهمجيّ، وقد نرى في الأيدي الّتي امتدّت إلى الطفل في نهاية القصّة لتوقف تخيّلاته حول شجاعة الرجل البربريّ، إشارة إلى أنّ هذا الشجاع يبقى بربريًّا وإن كان شجاعًا، وأنت لا يمكنك أن تكون بربريًّا.

وأيًّا كان المبرّر لاستعمال كلمة "البربريّ" في القصّة، أعتقد أنّ هنا واقعًا حاضرًا وقائمًا بعيدًا عن الخيال والمتخيَّل، ولا بدّ لنا نحن الكبار من تعريف الطفل بأصل تسمية "البربريّ"، معناها الحياديّ وغير حياديّ، ثمّ نقاش اسم القصّة مع الطفل، وتركه يربط بين أحداث القصّة، اعتمادًا على فهمه هو لها، والأحداث الّتي تحدث في الحياة. هذه فرصة لتعزيز مهارة النقاش الجادّ والجيّد مع الكبار، وجعل الطفل قادرًا على الدفاع عن آرائه، وهي كذلك فرصة لتعزيز قدرة الطفل على التفكير النقديّ، والتحليل، والتقييم للمعلومات المعطاة ولأحداث القصّة؛ إذ من المهمّ أن يكون الطفل متجاوبًا مع المعلومات وليس فقط متقبّلًا لها. وإن كان من عادة الأطفال طرح الكثير من الأسئلة، فهذه أيضًا فرصة لنا لنقلب الطاولة، ونكون نحن من يطرح الأسئلة عليهم.

 

الخيال والتفكير النقديّ

هذه القصّة نموذج للقصص الّتي من الممكن استعمالها لتطوير خيال الطفل، وتعريفه بأهمّيّة التفكير النقديّ، والقدرة على الفصل بين العقل والعاطفة في الحكم الصحيح على الأمور...

أعتقد أنّ قصّة «البربريّ» ممتازة لنا ولأطفالنا في تعلّمنا وتعلّمهم كيفيّة استثمار المخيّلة، وأنّ مصدر المتعة والابتكار موجود في داخلنا، ولنثق نحن الكبار بأنّ الصغار يتمتّعون بكلّ ما يحتاجون إليه لخلق تجربتهم الخاصّة.

هذه القصّة نموذج للقصص الّتي من الممكن استعمالها لتطوير خيال الطفل، وتعريفه بأهمّيّة التفكير النقديّ، والقدرة على الفصل بين العقل والعاطفة في الحكم الصحيح على الأمور؛ ليسهل عليهم مواجهة مشكلاتهم بأنفسهم، ولنصنع منهم أطفالًا قادرين على التعامل مع المجتمع.

واترك للأطفال حرّيّة الخيار في الحكم على "البربريّ" اسمًا للقصّة، وليبقَ وليزدد خيالهم خصوبة واسعة.

 

* تُنْشَر هذه المقالة ضمن ملفّ «طفولة تقرأ: مقالات في أدب الأطفال والفتيان»، وهو نتاج دورتين من إعداد وتقديم الباحث لؤي وتد، بالتعاون مع فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة.

 

 

سجى عمر

 

 

طالبة ماجستير في «جامعة تل أبيب» ضمن برنامج الإدارة والقيادة التربويّة للإداريّين. حاصلة على بكالوريوس في علم النفس وعلم الاجتماع، وماجستير في علم النفس الاجتماعيّ.

 

 

تعليقات Facebook