«رحلة» بلا كلمات

من قصّة «الرحلة - JOURNEY» لآرون بيكر Aaron Becker

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

هل حقًّا نقرأ؟

قرأت منذ فترة قصيرة كتاب «الرحلة - JOURNEY» لآرون بيكر Aaron Becker، وقولي "قرأت" فيه بعض المجاز؛ لأنّها قصّة لا تحوي أيّ كلمات، بل تحكيها الصور المرسومة، وهذا النوع من الكتب يُسمّى الكتاب الصامت أو كتاب الصورة، وهو يناسب كلّ سنّ، والقارئ يفهم منه على قدر تعمّقه في الرسم والأفكار.

القصّة تحكي عن فتاة وحيدة، ترسم بابًا سحريًّا على حائط غرفة نومها، وتهرب من خلاله إلى عالمها الخياليّ، حيث العجائب والمغامرات والمخاطر، وبقلمها الأحمر تصنع قاربًا ومنطادًا وسجّادة طائرة تحملها في رحلة إلى مكان مجهول، حيث يمسكها جنود إمبراطور شرّير، لكنّ تصرّفها الطيّب الشجاع ينقذها من الأسر.

كيف ستعود إلى منزلها؟ وهل ستبقى وحيدة؟

 

يأخذنا الرسّام والمؤلّف آرون بيكر Aaron Becker في هذه الرحلة الاستثنائيّة، وقد حاز كتابه على ميدالية «كالديكوت - Caldecott » عام 2014، وهي جائزة تُقَدَّم سنويًّا لأفضل كتاب أميركيّ مُصَوَّر للأطفال، وتلا هذا الكتاب كتاب ثانٍ بعنوان «البحث» (2014)؛ إذ تقوم البطلة فيه بمغامرة مع والدها، ثمّ الكتاب الثالث «العودة» (2016)، حين تقوم البطلة ذاتها بمغامرة مع صديق لها من الجزء الأوّل. وقد طُبِعَت الثلاثيّة مُجمَّعة عام 2017، لدار "كاندلويك بريس" الأمريكيّة.

 

فانتازيا

يُصَنَّف كتاب «الرحلة» من فئة الفانتازيا؛ حبكته تتأرجح بين الخيال والواقع، وهذه النوعيّة من القصص تحتاج إلى عنصرين برع الفنّان في إبرازهما: العنصر الأوّل العتبة، وهي الفاصل الّذي يضمن العبور من عالم إلى عالم، وهو ما حدث مع بطلة القصّة؛ إذ عبرت بسلاسة من عالمها إلى عالم خياليّ كانت هي المحرّك الأساسيّ فيه للأحداث.

أمّا العنصر الثاني الّذي برع فيه الرسّام أيضًا، فهو خلق شخصيّة البطلة العابرة للعتبة، بحيث تكون مصدّقة تمامًا ما تفعله، فجعلت من الخيال واقعًا حقيقيًّا تعيشه ويعيشه معها القارئ، ثمّ إنّها لم تكن فقط عابرة لعالم الخيال، بل كانت مسيطرة عليه بقلمها الأحمر.

العنصر الثاني الّذي برع فيه الرسّام أيضًا، فهو خلق شخصيّة البطلة العابرة للعتبة، بحيث تكون مصدّقة تمامًا ما تفعله، فجعلت من الخيال واقعًا حقيقيًّا تعيشه ويعيشه معها القارئ...

أمّا بالنسبة إلى الأحداث، فقد كانت البداية قصيرة توضّح مشاعر فتاة صغيرة، حياتها باهتة تفتقد الإثارة، ولا تشعر باهتمام من عائلتها المنشغلة عنها، ويظهر هذا بوضوح في الألوان المستخدمة، ما عدا اللون الأحمر الّذي جاء يعبّر عن الإثارة والمغامرة في حياتها، ثمّ حدث الانتقال إلى الخيال بألوانه البرّاقة واتّساع في كادر الرسم في الصفحة، مع إسهاب فيه، يعكس متعتها في مغامرة تقوم بها في عالم من ابتكارها، تعيشه ويصارعها فتغلبه في كلّ مرّة بحلّ مبتكر من مخيّلتها، ثمّ ينتهي الكتاب بعودتها إلى الواقع مرّة أخرى، في خاتمة قصيرة تحمل مفاجأة للقارئ.

 

فوائد للطفل

ولا يمكنني ألّا أتطرّق - وأنا أتحدّث عن هذا الكتاب - إلى فوائد تشجيع مخيّلة الطفل وتحفيزها، وسأضرب أمثلة كيف أنّ قراءة كتب مثل «الرحلة» تساعد على تحقيق هذه الفوائد.

أوّلًا: تنمية مهارات الطفل الاجتماعيّة؛ فحينما يتخيّل الطفل نفسه في مواقف لم تحدث له بالفعل، ويفكّر كيف سيتصرّف فيها، فهذا يساعده على تنمية مهاراته الاجتماعيّة. في كتاب «الرحلة» تتعرّض البطلة لمشاعر الضيق من إهمال عائلتها وشعورها بالوحدة، لكنّها تتعامل مع ذلك بطريقة تناسبها، وفي النهاية تجد صديقًا يشاركها شغفها بالخيال.

وفي القصّة أيضًا تعرّضت الفتاة إلى موقف، اختارت فيه أن تحرّر طائرًا من أسر جنود الإمبراطور، فترتّب على هذا الفعل أسرها هي، ثمّ ساعدها هذا الطائر لاحقًا في موقف يتعلّم فيه الطفل درسًا في الحياة، وهو أنّ التزام موقف أخلاقيّ قد يترتّب عليه مشكلة لصاحب الموقف؛ لذلك هو يحتاج إلى شجاعة ليثبت على موقفه، إلى غير ذلك من الدروس الّتي يتعلّمها الطفل من تحفيز الخيال.

 

ثانيًا: بناء الثقة بالقدرات الذاتيّة؛ ففي العادة يشعر الطفل بضعف تحكّمه في ظروف حياته، لكن في عالم الخيال هو المتحكّم صاحب القدرة المطلقة، وفي الكتاب، على سبيل المثال، تستطيع الفتاة أن تصنع بقلمها قاربًا يوصلها إلى مدينة عظيمة، ثمّ تنجو من السقوط في منحدر برسمها منطادًا بقلمها، وفي النهاية تطير عائدة على بساط سحريّ من رسمها أيضًا؛ ففي عالم الخيال يكون الطفل قادرًا على كلّ شيء، بداية من اختيار ماذا سيأكل اليوم، انتهاءً إلى الفوز على أقوى السلاطين.

في الخيال يتمكّن الطفل من مواجهة مخاوفه وما يقلقه، وهذا يساعده بعد ذلك على مواجهته في الحقيقة. وعلى سبيل المثال، فإنّ في كتاب «الرحلة» سيتعرّف القارئ الصغير مخاوف الطفلة المتعدّدة من الوحدة والضياع والأسر، وكيف تعاملت معها وانتصرت عليها...

ثالثًا: تنمية مهارة التفكير؛ فاستخدام المخيّلة يُعَدّ حجر الأساس لتعلّم التفكير في المجرّدات، وهو ما سيحتاج إليه كلّ طفل لاحقًا في دراسته. الطفل الّذي يرى في رسمة على الرمال أو حجارة فوق بعضها بعضًا قصرًا عظيمًا، ويرى في كومة رمال وجبة شهيّة، سيتمكّن بعد ذلك من التفكير برمزيّة في الأشياء.

رابعًا: التعامل مع المخاوف؛ ففي الخيال يتمكّن الطفل من مواجهة مخاوفه وما يقلقه، وهذا يساعده بعد ذلك على مواجهته في الحقيقة. وعلى سبيل المثال، فإنّ في كتاب «الرحلة» سيتعرّف القارئ الصغير مخاوف الطفلة المتعدّدة من الوحدة والضياع والأسر، وكيف تعاملت معها وانتصرت عليها؛ وهذا ما سيشجّعه على ابتكار حلول تجعله يتغلّب على مخاوفه هو أيضًا.

تشجيع الأطفال على الخيال له أهمّيّة كبيرة، ويمكن تحفيز مخيّلاتهم بطرائق متعدّدة، ومن أهمّها قراءة الكتب؛ فالقراءة تعطي الأطفال فرصة لأن يدخلوا عوالم عجيبة، ومن ثَمّ يتمكّنون من خلق عوالم عجيبة أيضًا بدورهم.

 

 

* تُنْشَر هذه المقالة ضمن ملفّ «طفولة تقرأ: مقالات في أدب الأطفال والفتيان»، وهو نتاج دورتين من إعداد وتقديم الباحث لؤي وتد، بالتعاون مع فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة.

 

 

نرمين بدر

 

 

 

حاصلة على بكالوريوس في العلوم الصيدليّة. أنشأت سابقًا مكتبة ومركزًا ثقافيًّا للأطفال، وأدارت مسابقة للقراءة والإبداع. متفرّغة حاليًّا لكتابة قصص ومسرحيّات للأطفال.

 

 

 

تعليقات Facebook