زيارة إلى تشرين السابق

Francis Bacon | Me, Myself & I

 

كنتُ لا أزال أتقلّب في الفراش كالمجانين لدى وصولي عتبة المنزل. طرقتُ الباب بقوّة كي أنهض وأفتح الباب لي. "هيّا، افتح بسرعة!" قلتُ لي وكأنّني أقول لشخص آخر. المطر الهاطل استعجلَني كي أستعجل نفسي.

كان بإمكاني أن أجلب معي شمسيّة، لكنّ جفاف السنة القادمة أنساني غزارة أمطار هذه السنة.

عندما فتحتُ الباب أخيرًا، لاحظتُ المفاجأة في عينيّ وتقاسيم وجهي، أدركتُ أنّني اقترفتُ، أو على وشك اقتراف شيء ما خلال السنة القادمة.

 "ماذا تفعل هنا؟"، قلتُ لي، "ماذا حدث في المستقبل؟".

"ألا تلاحظ أنّني مبتلّ أيّها الجحش؟ أدخلني كي أخبرك"، صرختُ في وجهي قبل أن دخلتُ من دون إذني، وجلستُ وشاهدتُ نفسي أجلب إليّ منشفة.

أخرجتُ علبة السجائر، فوَجَدْتُني أقاطع نفسي:

"لا تدخين في هذا البيت! لقد أوقفتُ التدخين منذ ثلاثة أيّام، لماذا لم تلتزم بوقف التدخين؟ ماذا حدث في المستقبل؟".

ضحكتُ وأنا أُخْرِج السيجارة من العلبة: "أتذكّر جيّدًا عندما أجبرتَني... وأجبرتُكَ على ترك التدخين"، ثمّ أشعلتُ السيجارة.

"المشكلة معها، أليس كذلك؟ ماذا حصل معها؟ قل لي!".

"لقد عدتُ من السنة القادمة إلى هذه الليلة تحديدًا، لأنّها هي الليلة الّتي وقعتُ فيها في حبّ ثريّة".

"لقد أفسدتَ العلاقة، أليس كذلك؟ ما كنتَ لتعود في الوقت إذا لم تكن قد أفسدتَ العلاقة"، تساءلتُ.

"بل أنتَ الّذي خرّبت كلّ شيء، وضيّعتَ وقتًا ثمينًا من عمري عندما قرّرتَ هذه الليلة أن تقع في حبّها".

"الوقوع في الحبّ ليس قرارًا، ومن ثَمّ ليس المهمّ مَن الملوم أنا أو أنت، المهمّ أن تقول لي كيف أحذر من أن أفسد هذه العلاقة، دعني أعمل لي ولك كأسًا من الشاي مع الحليب، كي نتحدّث بعمق عن مستقبلنا مع ثريّة".

"أنت لمّا تفهم بعد لماذا أنا هنا، جئتُ لكي أخبرك بأن تحمي نفسك منها وتُبْعِد نفسك عنها، هي لا تصلح لك".

"دائمًا ما كنتَ استسلاميًّا وانهزاميًّا! لقد رأيتُ أمورًا رائعة في هذه العلاقة، لن أتخلّى عن الموضوع بسهولة. لقد تخيّلتُنا معًا في المستقبل مئات المرّات!".

"وهنا يكمن غباؤك! لقد تعرّفتَ عليها قبل أسبوع فقط، والآن تخطّط لمستقبلك معها! لماذا تظنّ أنّني عدتُ في الوقت إلى هذه الليلة، السادس من تشرين الثاني، بدلًا من يوم التاسع والعشرين من تشرين الأوّل، قبل سويعات من أن تلتقي بها في ‘مقهى زمن؟‘، كان بإمكاني أن أكذب عليك وأن أخبرك بأنّها متزوّجة أو بأنّها لا تحبّ الرجال، لكنّني آثرتُ أن أعود إليك هنا، كي أقول لك أن تتوقّف عن حبّ الناس بعد أسبوع من ملاقاتك بهم".

فجأة، شهدتُ على أوّل دمعة تنزل على خدّي.

"يا مسكين! هل ستبدأ بالبكاء الآن؟"، قلتُ بتهكّم، "لا عجب في أنّها جعلتْكَ غنمة لها سنة كاملة"، ضحكتُ على نفسي، "هل تعلم؟ يجب كتابة قصص حبّك على ورق، وإنتاجها كمسلسلات مكسيكيّة أو كوريّة!".

"اسمع، أنا أعرف أنّ ثمّة كمًّا هائلًا من الكراهية والاحتقار واليأس في قلبك، لكنّني أؤمن بهذه العلاقة، وأؤمن بأنّه بإمكاننا أن نعمل معًا، أنا وأنت من أجل إنجاح هذه العلاقة مع ثريّة. أنت الآن غاضب منها، انتظر حتّى تهدأ، ومن ثَمّ عد إليّ كي نخطّط معًا خطوة خطوة، وأنا سوف أدفع لك كلّ تكاليف السفر عبر الوقت".

"أنا أنت أيّها الجحش! ما ستدفعه من أثمان الآن سأتحمّله أنا في المستقبل!".

"سأعثر على عمل إضافيّ!".

"هل تريد أن أعود إلى السنة القادمة، كي أجدَني وصلتُ إلى حافّة الإجهاد والجنون؟".

"أرجوك، قل لي، كيف أصلح الأمر؟".

"سأقول لك الحقيقة، لقد عدتُ في الوقت ثلاث مرّات كي أحذّرك من هذا القرار وذاك، وهذه الخطوة وتلك، لكن لم يصلح أيّ شيء معها، افهم أيّها الجحش، هي ليست لك، ولن تجعلك سعيدًا"، قلتُ قبل أن نهضتُ عن الكنبة وتوجّهتُ إلى الباب.

فتحتُ الباب ووجدتُ المطر لم يزل يهطل بغزارة، فتذكّرت شيئًا مهمًّا، وقلتُ لي:

"ماسورة تصريف الشرفة العلويّة مسدودة بالأوساخ والتراب، بعد بضعة أيّام ستعود إلى البيت وستجده غارقًا، اشترِ سلكًا وحلَّ المشكلة في الصباح".

***

 

في ذات الليلة، عدتُ إلى الليلة الأصليّة العام القادم، دخلتُ الشقّة مبلولًا، وتوجّهتُ إلى هاتفي النقّال على الطاولة بجانب الكنبة، كنتُ متلهّفًا لمعرفة ما حدث خلال السنة السابقة. أردتُ - سرًّا في قرارة نفسي - أن أجبر ذاتي على الابتعاد عن ثريّة، فربّما كان هو الأسلوب الأمثل للتعامل معها، على نحو يجعلها تحبّني بالفعل. أمسكتُ الهاتف وأدخلتُ كلمة السرّ، فدقّ أحدهم الباب.

وضعتُ الهاتف جانبًا وفتحتُ الباب، فوجدتُ رجلًا في العقد الخامس من عمره، ذا مظهر مهيب، وملبس أنيق، يلبس معطفًا ثقيلًا، ويمسك بشمسيّة في يمينه.

 "كنتُ قد نسيتُ أنّ تشرين الثاني من هذا العام جاء جافًّا من دون أمطار"، قال الرجل.

"أأنتَ أنا من المستقبل؟"، سألته.

"هل تأذن لي أن أدخل؟ أرجوك"، قال لي.

دخل وخلع معطفه، وجلس على الكنبة، وحدّق قليلًا في الهاتف.

"ارمِه" قال لي، "ارمِ هاتفك الذكيّ من أجل المحافظة على ذكائك. أتذكّر جيّدًا هذه الليلة عندما أردتُ أن أعرف ماذا حصل، لم يحصل شيء، ليس هنالك أيّ رسائل من ثريّة، ليس هنالك أيّ رسائل من أيّ إنسان، الوحيد الّذي فكّر فيك هذه الليلة هو أنا".

"كيف سيكون المستقبل؟"، سألتُ.

"سيتبارز الناس على الانفتاح والتسامح والتعدّديّة سنوات عدّة، ومن ثَمّ سيُصابون بحُمّى التديّن والمحافظة المُؤَقَّتَين سنوات أخرى عدّة، قبل أن يملّ الناس ويثوروا ويعودوا إلى الانفتاح مرّة ثانية وهكذا؛ لهذا أنصحك بحقّ أن ترمي هاتفك الذكيّ، وأن تُشْغِلَ نفسك بما هو مفيد".

أخرجتُ علبة السجائر مرّة أخرى، وعرضتُها على الرجل الكهل.

"لا أدخّن"، قال.

"من مَنَعَتْكَ هذه المرّة؟"، قلتُ بتهكّم.

"لقد قرّرتُ أن أقطع التدخين من أجل صحّتي، حتّى قبل أن التقيتُ بزوجتي".

"زوجة! حقًّا! هل بإمكاني أن أرى صورتها؟".

"طبعًا لا! هذه هي مشكلتك، دائمًا ما تستبق الأمور، توقّف عن البحث خارجك، وابحث في ذاتك، وستتعرّف على زوجتي في الوقت والمكان المناسبين".

"حسنًا... لماذا عدتَ إذن؟".

"عدتُ كي أقول لك إنّني أسامحك، على الرغم من أنّك لم تحبّني، وكي أطلب منك السماح لأنّني لم أحبّك. وأردتُ كذلك أن أعتذر إليك لأنّني دائمًا كنتُ ألقّبك بالجحش، في النهاية أنت إنسان يخطئ مثل الجميع"، قال قبل أن نهض، وحمل معطفه، وتوجّه إلى الباب.

"إلى أين أنت ذاهب؟ ألا تريد على الأقلّ أن تشرب الشاي بالحليب؟".

"سوف أعود في الوقت إلى والديّ كي أسامحهما".

قال قبل أن التقط الشمسيّة، ولبس المعطف، وأضاف: "أعتقد أنّ الجوّ سيكون ماطرًا في تلك السنة"!

 

 

فخري الصرداوي

 

 

كاتب وقاصّ من رام الله. يعمل في مجال القانون الدوليّ والعلوم السياسيّة، حاصل على الماجستير في العمل الدوليّ الإنسانيّ من "جامعة ديوستو" في إقليم الباسك. يهتمّ بالكتابة الساخرة من المجتمع التقليديّ، ومن ثقافة الصوابيّة السياسيّة على حدّ سواء.

 

 

تعليقات Facebook