ماذا يحصل يوم «الثلاثاء»؟

من قصّة «الثلاثاء»

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

«الثلاثاء - Tuesday»، كتاب قصصيّ للمؤلّف والرسّام ديفيد ويزنر David Wiesner، يندرج ضمن الأدب الصامت، الّذي يعتمد على الرسومات الفنّيّة لوصف أحداث وشخصيّات وفضاء القصّة، أكثر من اعتماده على الكلمات والنصّ. رغم ذلك، لم يخلُ الكتاب بشكل تامّ من بعض الكلمات والجمل في بعض الصفحات.

 

أحداث غريبة

ألوان الكتاب قاتمة، توحي بافتقار القصّة إلى الأحداث السارّة والنهايات السعيدة، وهذا يتماشى بشكل كبير مع شخصيّات والأحداث الغريبة، الّتي تدور حول يوم الثلاثاء، بالتحديد مساءً، حيث تتمكّن الضفادع من الطيران على سطح أوراق زنابق الماء، لتقتحم البيوت، وتفزع منها الحيوانات، وتترك وراءها أوراق الزنابق متناثرة، ما يثير رغبة البشر في التحقيق في الأمر، وتحليل سلسلة الأحداث الغريبة الّتي تحدث في المنطقة. وتستمرّ ليالي الثلاثاء على هذه الوتيرة من الغرابة أسبوعًا بعد أسبوع.

 

 

لعلّ فوز الكتاب بميداليّة «كالديكوت - Caldecott» عام 1992 لأفضل كتاب قصصيّ مصوّر، منح قصّته مساحة أكبر للتحليل وللقراءات المتعدّدة؛ فهي من القصص الّتي يقرؤها البالغون بشكل سريع، وأحيانًا يصفونها بأنّها قصّة غريبة، صعبة الفهم وتحتاج إلى تحليل عميق، أحداثها تمشي بوتيرة بطيئة؛ ولذلك ليس «الثلاثاء» من الكتب الّتي قد نسارع في شرائه واقتنائه، وفي ذات الوقت قد نظنّ أنّ أطفالنا أيضًا لن يحبّوه، وبهذا نغفل عن أنّ الأطفال قد يحبّونه لأسباب كثيرة قد لا تكون واضحة بالضرورة لنا.

 

هل العلم قادر على تفسير كلّ شيء؟

قصّة الكتاب تستعين بالخرافات، والأساطير، وتؤكّد لنا أنّ العلم مهما كان لا يستطيع تفسير جميع، ولربّما وراء كلّ ما يحدث في العالم ضفادع متحوّلة، تعبث في عالمنا مساءً وفي الصباح تعود لعالمها، تاركة إيّانا في فوضى عارمة، كأنّ شيئًا لم يحدث. وبهذا تُثير القصّة العديد من الأسئلة؛ ففي فحواها العميق سخرية من عالم البشر، ومن جدوى الوقوف على مسبّبات حدوث بعض الأشياء الغريبة، كوجود "الوريقات الخضراء الّتي تقف عليها الضفادع في المستنقعات في وسط المدينة"، الّتي تركّز القصّة على أنّ ليس فيها أذيّة ولا نفع؛ فلماذا نحن البالغين نقف عندها طويلًا، باحثين ومحقّقين عن سبب حدوثها؟

قصّة الكتاب تستعين بالخرافات، والأساطير، وتؤكّد لنا أنّ العلم مهما كان لا يستطيع تفسير جميع، ولربّما وراء كلّ ما يحدث في العالم ضفادع متحوّلة، تعبث في عالمنا مساءً وفي الصباح تعود لعالمها، تاركة إيّانا في فوضى عارمة

وبهذا تكون القصّة غير محبّبة للكثير من البالغين، الّذين يستندون على العلم والحقائق العلميّة في تفسير كلّ شيء، والّذين يرغبون أيضًا في أن يُقَدِّر أبناؤهم الجهود العلميّة المبذولة في تفسير حقائق الأمور.

على صعيد آخر، اختيار القصّة للضفادع تحديدًا، وفي نهاية القصّة للخنازير، لم يأتِ مصادفة؛ فهي من أكثر الحيوانات قباحة في نظر الكثير من الناس، ولا تُعَدّ من الحيوانات المحبّبة، ومع ذلك تعمّد الكاتب أن تكون هي الشخصيّات الأساسيّة. لعلّه أراد أن يقول إنّ هذه الحيوانات تستطيع أن تقلب عالم البشر رأسًا على عقب لو أرادت. وفي نظر الأطفال أيضًا تصبح الشخصيّات الرئيسيّة دائمًا من الأبطال، وبهذا جاءت القصّة لتبني مفهومًا مغايرًا عن المفهوم التقليديّ المتوارث عن الضفادع والخنازير.

 

أطفال يضحكون من رسومات قاتمة!

قصّة «الثلاثاء» يحبّها الأطفال أكثر ممّا نظنّ نحن البالغين، والرسائل الّتي تمرّرها لنا ليس بالضرورة أن يراها الأطفال بنفس الصورة، وهذا يُعيدنا نحن البالغين لنفكّر أكثر في أنّ هذه القصص قد كُتِبَتْ لغيرنا، وأنّ الأطفال يرون ما لا نراه، وفي ذات الوقت تذكّرنا بأنّ قصص الأطفال يجب أن يكون فيها الطفل شريكًا، لا مستمعًا لِما يختاره البالغون فقط. على الرغم من أهمّيّة رقابة الأهل، إلّا أنّ اختيار الطفل للكتاب بناء على الغلاف والرسومات، أمر مهمّ أيضًا ويجب تعزيزه.

قد يفاجئنا أيضًا بأنّ بعض الرسومات في الكتاب تثير ضحكات الأطفال، في حين أنّنا قد لا نجدها مثيرة للضحك بتاتًا؛ فحين يتمكّن الضفادع من الطيران، يبدؤون بعمل حركات بهلوانيّة في السماء، ولا يكتفون بذلك، فيثيرون أيضًا خوف كلب حراسة منزل، ويجرون خلفه في مشهد قد يبدو لنا عاديًّا، لكنّه في ذات الوقت مضحك جدًّا للأطفال، ويحمل أيضًا في طيّاته عنصر تشويق، فنراهم يقلبون الصفحات، مطالبين بالمزيد من ذات الرسومات.

 

تناصّات رمزيّة

الرسومات يمكن وصفها بالدقيقة، وما يعطيها هذا الوصف أنّها نجحت في التعبير عن الكثير من الأفكار عبر سردها قصّة واحدة؛ فالقصّة لم تأتِ بقالب واحد، بل اعتمدت على تقديم الكثير من الإشارات، الّتي بمجرّد رؤيتها، تعيد لأذهان الأطفال قصصًا أخرى، وأفلامًا، ومسلسلات كرتون عالميّة، ما يزيد من إمتاعها وامتلائها بالاحتمالات.

نهاية القصّة جاءت مفتوحة، فسلسلة الأحداث الغريبة مستمرّة وقد تستمرّ، وعدم وجود خاتمة مقفلة يفتح أمام القارئ عالمًا فسيحًا، يمكّنه من تخيّل بقيّة الأحداث أو إنهائها، كلّ قارئ على طريقته الخاصّة...

تمتصّ القصّة قصصًا عدّة، عبر التناصّ، كأن تعيد الضفادعُ جزءًا من الأطفال للمسلسل الكرتونيّ «أبطال النينجا». ظهور القمر مكتملًا في القصّة وارتباطه بتحوّل الضفادع، ذكّر بعضهم بأسطورة المستذئبين. ظهور الساعة أيضًا يعيدنا إلى فيلم ديزني المشهور «سندريلّا» القائم على السحر، وإبطاله بساعة معيّنة، وبدئِه بساعة معيّنة، ولا نستطيع أن نغفل عن بساط الضفادع السحريّ، "الورقة الخضراء"، الّذي يذكّرنا على الفور ببساط علاء الدين السحريّ.

نهاية القصّة جاءت مفتوحة، فسلسلة الأحداث الغريبة مستمرّة وقد تستمرّ، وعدم وجود خاتمة مقفلة يفتح أمام القارئ عالمًا فسيحًا، يمكّنه من تخيّل بقيّة الأحداث أو إنهائها، كلّ قارئ على طريقته الخاصّة؛ فنحن تارة قد نفكّر في أنّ الضفادع قد تحوّلت إلى خنازير، وتارة قد نفكّر في أنّ كلّ يوم ثلاثاء، ومع اكتمال القمر، هو يوم سحريّ خاصّ بنوع معيّن من الكائنات!

 

 

* تُنْشَر هذه المقالة ضمن ملفّ «طفولة تقرأ: مقالات في أدب الأطفال والفتيان»، وهو نتاج دورتين من إعداد وتقديم الباحث لؤي وتد، بالتعاون مع فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة.

 

 

لندا صندوقة

 

 

من مواليد القدس. معالجة اتّصال لغة ونطق، تعمل مع فئة الأطفال وتهتمّ بعالمهم الثقافيّ والعلاجيّ. صدرتْ لها رواية «السِّيق» عن مؤسّسة تامر للتعليم المجتمعيّ عام 2018.

 

 

 

تعليقات Facebook