أرزّ مفلفل على طريقة الدكتور سوس

الدكتور سوس

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

قصص الطفولة

كنت بحاجة إلى أن أتقدّم في السنّ لأعرف أنّ طفولتي كانت غنيّة؛ فقد كنت أظنّ في سنّ الخامسة أنّ «سجّل أنا عربيّ» و«كان في مرّة طفل صغير»، وأغانٍ أخرى حفظتها من والدي، أغاني أطفال، وكنت أتفاجأ يوميًّا بجهل أصدقائي بالروضة لها، فأغنّيها لهم ليعرفوها مثلي، مع أنّني أعلم أنّ صوتي في الغناء له ما له، وعليه ما عليه.

أذكر أنّني لم أكتف بقصص الأميرات الّتي لم يتوفّر غيرها آنذاك، فكان من هواياتي الجلوس مع الكبار، ولا سيّما النساء، والاستماع إلى قصصهنّ. أبحث في تلك القصص عن الأمير والأميرة والساحرة الشرّيرة، إلّا أنّ الشخصيّات كانت تتبدّل حسب تبدّل الراوي، فتكون نفس المرأة أميرة في قصّة وساحرة شرّيرة في أخرى.

تذهلني باستمرار تلك النجاحات، فأسأل صاحباتها: كيف تُصنع القهوة والأرزّ المفلفل؟ فتكون الإجابة متشابهة كما يتشابه بريق النجاحات، تبدأ بنفس المقدّمة عن سهولة المهمّات، وأنّه لا تجيدها سوى حمقاء: "بتحطّي نتفة زيت، بعدين الرزّ، ولفوقهن بشويّة ميّ...".

تتبدّل الأدوار، إلّا أنّني كنت أنبهر في كلّ القصص بأنّ جميع النساء خارقات، يُجِدن صنع القهوة، والأرزّ المفلفل، والحبّ، والأمومة، دون تعب أو أخطاء، حتّى عند ركوب الدرّاجة يَطِرن جميعًا فوق الحواجز كلّها، ويستمتعن بحياة سهلة، بينما أتعرقل أنا وصديقاتي في القفز في «لعبة الحجلة».

تذهلني باستمرار تلك النجاحات، فأسأل صاحباتها: كيف تُصنع القهوة والأرزّ المفلفل؟ فتكون الإجابة متشابهة كما يتشابه بريق النجاحات، تبدأ بنفس المقدّمة عن سهولة المهمّات، وأنّه لا تجيدها سوى حمقاء: "بتحطّي نتفة زيت، بعدين الرزّ، ولفوقهن بشويّة ميّ...".

أمضيت دهرًا أحاول أن أفهم مقدار "النتفة" وكمّيّة "الشويّة" ولم أنجح؛ فلكلٍّ منهنّ "نتفتها" و"شويّتها" الّتي لا يعلمها سواها.

وبين انتظار أن أكبر وتهبط عليّ قوّة النساء الخارقة، أو الاستسلام لحقيقة أنّني من الحمقاوات، أنقذتني تلك الطفولة الّتي أخبّئها في رفّ روحي العلويّ، وأحاديث أمّي وأبي لي عن قصصهما وتجاربهما في المطبخ والبيت، وعشرة آلاف عالم آخر خارجهما، قسمت قصصهما إلى لقم صغيرة فتغذّيت وسأتغذّى عليها عمرًا كاملًا، لم تكن برّاقة، إلّا أنّها ساحرة، يكمن سحرها بلمعة عيونهما حين يتكلّمان، وفي تلك الدمعة الّتي تتلألأ في عيني حين أسمعهما.

قُبلت لتعلّم الطبّ في سنّ الثامنة عشرة، بعد أن تخطّيت حواجز لم أستطع الطيران فوقها. وصلت نقطة البداية مرهقة، قبل أن أصنع القهوة والأرزّ المفلفل، أشغلت نفسي بكثير من الإنجازات واجتياز العقبات، إلّا أنّ معرفة النتفة والشويّة، أو اكتشاف ذاك الجينوم الغامض المسؤول عنهما، كان هاجسي الأوّل.

 

اللقاء الأوّل بالدكتور سوس

في الأسبوع الأوّل لتعلّم الطبّ، حين كان مكتظًّا بكثير من البدايات الجديدة، قابلتني ضمن مساق  إثراء «أن تكون طبيبًا»، طبيبة في الخامسة والخمسين من عمرها، مختصّة في أمراض الباطنيّة وجهاز الهضم، باحثة ومحاضرة في كلّيّة الطبّ، أمّ لأربعة أولاد، اختارت أن يكون لقاء المجموعة في بيتها، فبعد أن عرّفت نفسها، وعرّف كلٌّ من زملائي الطلّاب في المجموعة نفسه، جميعهم يكبرونني بستّ سنوات في المعدَّل، يتحدّثون عن رحلاتهم إلى الهند والمكسيك للبحث عن ذواتهم  كما أتحدّث عن قريتي.

أهدت الطبيبة كلًّا منّا قصّة للدكتور سوس «The Places You Will Go!»، انفعل جميع زملائي من القصّة والكاتب، أمّا أنا فاعترفت بأنّني لا أعرف الكاتب ولا القصّة، ولم أشعر بحاجة إلى أن أتظاهر بغير ذلك. عدت إلى غرفتي في سكن الطلّاب، بحثت في محرّك البحث، فوجدت أنّ الكاتب أميركيّ معروف جدًّا بكتابته لأدب الأطفال...

أمّا أنا، فكنت أبحث عن ترجمة أفكاري إلى لغة احتلّت كلّ يومي، وبدأت ترافقني في أنفاسي فقط في الأسبوع الأخير، لم تزعجني تأتأتي، ولم أخجل من لحظات صمتي وبحثي عن بعض الكلمات، فتهمة التفكير العميق الّتي تلاحقني دومًا وجدت بسببها ذاتي؛ لذا لم يقلقني يومًا البحث عن كلمات.

بعد جولة التعارف، أهدت الطبيبة كلًّا منّا قصّة للدكتور سوس «The Places You Will Go!»، انفعل جميع زملائي من القصّة والكاتب، أمّا أنا فاعترفت بأنّني لا أعرف الكاتب ولا القصّة، ولم أشعر بحاجة إلى أن أتظاهر بغير ذلك. عدت إلى غرفتي في سكن الطلّاب، بحثت في محرّك البحث، فوجدت أنّ الكاتب أميركيّ معروف جدًّا بكتابته لأدب الأطفال، وكانت تلك القصّة الأخيرة الّتي تُنشر له قبل مماته؛ إذ نُشرت في آخر كانون الثاني (يناير) 1990، بعد أقلّ من شهر على يوم ميلادي.

أوقفتني تفاصيل التوقيت كثيرًا، وكيف أنّني أقف أمام كتاب وُلِدَ معي، ولا يزال ينبض بالحياة بعد 18 عامًا من نشره وإن مات كاتبه. لم يساعدني محرّك البحث على أن أفهم ما الّذي دفع الطبيبة المرشدة إلى أن تهدينا بهذا الوقت تحديدًا قصّة للأطفال.

بدأت بقراءة القصّة، قرأتها مرّات عدّة، تأثّرت كثيرًا، ووضعتها في الرفّ العلويّ في قلبي وفي المكتبة.

لم أجد ترجمةً للقصّة باللغة العربيّة، وسأحاول اقتباس بعض الجمل وترجمتها، على أمل أن تُتَرْجَم هذه القصّة وغيرها للكاتب في المستقبل.

 

 معنى النجاح

"عندما ننطلق، سنصل إلى أماكن رائعة، ستحلّق عاليًا فوق المناظر الخلّابة، لن تكون الأخير في القافلة، ستسبق الجميع، ستطير أحسن من الجميع، ستصل سريعًا، ستصل أوّلًا إلّا إذا لم تستطع، أحيانًا لن تكون الأوّل، أعتذر لإخبارك، الحقيقة واضحة، ستتعثّر، ستفشل، أحيانًا أنت أيضًا ستتعرقل بين العقبات والحواجز، سيتقدّم الجميع وتبقى وحيدًا".

لم تبهرني بعد ذلك اليوم قصص طلّاب الطبّ، وما أكثرهم الّذين يتحدّثون عن علامتهم الكاملة خلال دراسة ساعة ونصف، أو أولئك الّذين يتحدّثون عن تحضير المهمّات والتقارير بلا مساعدة، بحثت عمّن لا يُخْفون سطر العقبات ليكونوا هم رفقاء الدرب...

كنت في حاجة في ذلك الوقت إلى أن فكرة أنّ النجاح والقمّة والمراكز الأولى بعيدة جدًّا من العقبات والحواجز، وأحيانًا لا، لا يُبْعِدُها عن بعضها بعضًا سوى سطر واحد، ولم يُنْقِصُها ذلك من بريقها شيئًا. جميعنا نتنافس ونتسابق في كلّ شيء وعلى أيّ شيء، وإن أنكرنا ذلك، وليست الراحة في ترك مضمار السباق والاستسلام والزهد في كلّ شيء والمنافسة مع الملائكة، ولن يكون الأمان في تحويل كلّ شيء إلى ساحة حرب ومعارك يوميّة بين نصر وهزيمة، النجاة في الصدق وقول الحقيقة كاملة أو أقرب صورة منها، والاقتراب ممّن يجرؤ على البوح بها؛ فالحياة والسماء تتّسع الجميع ويتسابق المتسابقون فيها، وعليك أن تختار إمّا أن تتسابق مع بالونات الهيليوم الّتي تملؤها "نتفة" نفاق اجتماعيّ و"شويّة" أفكار مسبقة، تدور حول نفسها في فقاعة خانقة، وإمّا أن تتسابق مع الطائرات الورقيّة تلك الّتي لا تخيفها الرياح، تكسرها حينًا وترفعها حينًا آخر، لا تسمح للهواء الفارغ أن يملأها، قريبة من الأرض كقربها من السماء.

لم تبهرني بعد ذلك اليوم قصص طلّاب الطبّ، وما أكثرهم الّذين يتحدّثون عن علامتهم الكاملة خلال دراسة ساعة ونصف، أو أولئك الّذين يتحدّثون عن تحضير المهمّات والتقارير بلا مساعدة، بحثت عمّن لا يُخْفون سطر العقبات ليكونوا هم رفقاء الدرب، اجتهدت في تلك المنافسة الصعبة في أن أكون صادقةً ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. 

 

 انتظارات كبيرة... لقم صغيرة

"وأحيانًا ستصل إلى مكان معتم: حافّة الانتظار، حيث يجلس الجميع ينتظرون فقط، ينتظرون القطار، ينتظرون المطر، ينتظرون البرد، جالسين أو واقفين في الطابور، جميعهم ينتظر، ينتظرون رسالة، ينتظرون بشرى، ينتظرون أن تنبت شعرة جديدة على رأس أصلع، ينتظرون الـ ‘نعم‘، ينتظرون الـ ‘لا‘، كلٌّ ينتظر حاجته: مقابلة جديدة أو ليلة عيد، صيد سمكة أو ريح لتطير طائرة ورقيّة لمّا تُصْنَع بعد، لقدوم العمّ، لرنّة الهاتف، ينتظرون وينتظرون...

 لا! هذا المكان ليس لك، لا تنتظر هناك، اهرب سريعًا إلى مكان آخر تملؤه الحياة".

مع كلّ كمّيّات الحبّ الّتي تلقّيتها حين قُبلت لتعلّم الطبّ في البلاد، تسلّمت لازمة ثقيلة مليئة بقلق النساء عليّ من انتظار ستّ سنوات في تعلّم الطبّ "ولاي ستّ سنين، كثير ستّ سنين لبنت!"، إلّا أنّني لم أتعامل مع الطبّ كفقاعة سأُسْجَن فيها ستّ سنوات، جميعنا سننتظر، غير أنّني فهمت في يومي الأوّل أن أنتظر في أماكن تملؤها الحياة، حيث تستطيع أن تحوّل الانتظارات الكبيرة إلى لقم صغيرة، بحجم "النتفة" و"الشويّ"، تلتهمها وتصنع غيرها فلا تكون حملًا ينقض الظهر أو غشاوة سوداء حول القلب والعين.

ما زلت أحتفظ بالقصّة نفسها، أقرؤها وأتحدّث عنها لأصدقائي، لزملائي، ويكون بعض جملها مقدّمة لمحاضرات طبّيّة أُلقيها على الطلّاب، أقرؤها وأبحث بشغف عن لمعة عيون مَنْ يستمعون، حين يكتشفون أنّنا أحيانًا لا نكون، وكيف أنّ جميعنا يحتاج إلى قول الحقيقة...

أحيانًا تتوازن الحياة ببعض المعادلات البسيطة، بالخطط المسبقة والمسارات المرسومة، وفي أحيان أخرى أحتاج كي أزنها إلى أن أفكّر وأغوص في أعماقي حتّى التعب، أو أن أغرق في فنجان قهوة وكعكة شوكولاتة ساخنة، أو ربّما في الحيرة بين اختيار لون طلاء أحمر أو شفّاف، في صلاة الفجر وآيات ما قبل النوم، في بعض الفوضى، مع “نتفة” حكمة و”شويّة” جنون، وكثير من الصدق.

 

أن تصنع قصصك اليوميّة

تساءلت كثيرًا كيف ستكون طفولتي وما بعدها إن ملأَتها قصص كهذه، هل ستكون حياتي أسهل وأكثر حكمة وتوازنًا؟

لا أعلم الإجابة، إلّا أنّ هذه القصّة كانت كتاب طبخ متجدّد، علّمني وصفات يوميّة أستعملها لأعرف مقدار “النتفة” و”الشويّة” في الأرزّ والقهوة، في الطبّ وفي الحبّ.

ما زلت أحتفظ بالقصّة نفسها، أقرؤها وأتحدّث عنها لأصدقائي، لزملائي، ويكون بعض جملها مقدّمة لمحاضرات طبّيّة أُلقيها على الطلّاب، أقرؤها وأبحث بشغف عن لمعة عيون مَنْ يستمعون، حين يكتشفون أنّنا أحيانًا لا نكون، وكيف أنّ جميعنا يحتاج إلى قول الحقيقة كما سماعها.

فربّما أكثر ما نحتاج إليه، نحن قبل أطفالنا، الانكشاف والغوص في أدب الأطفال. بدأت أقرأ عن أدب الأطفال، وشاركت في ورشات عدّة حوله لأعوّض ما قد فاتني؛ فأدب الأطفال تمارين للخيال وإحياء للطفولة، هو جلد التمساح أو القوقعة، الّذي يمكّننا أن نعتزل ما يؤذينا وإن عشنا داخله، يسمح بمرور الأضواء الّتي تُدفئ، ويمتصّ البهرجات الحارقة، فتكون بردًا وسلامًا، تمرّ جانبنا، ولا تطأ روحنا مهما كبرنا.

وكانت تلك القصّة وما لحقها سببًا في خربطة أوراق تعريفي للطفولة والأمومة؛ فالأمومة تبدأ بالطفولة وبالمحافظة عليها، لا على حوافّ الانتظار، في تحقيق أحلامنا وصناعة تجاربنا، فلا نُحمِّل أطفالنا وزرها، فهم ليسوا فرصة ثانية لتحقيق ما قد فاتنا...

وكانت تلك القصّة وما لحقها سببًا في خربطة أوراق تعريفي للطفولة والأمومة؛ فالأمومة تبدأ بالطفولة وبالمحافظة عليها، لا على حوافّ الانتظار، في تحقيق أحلامنا وصناعة تجاربنا، فلا نُحمِّل أطفالنا وزرها، فهم ليسوا فرصة ثانية لتحقيق ما قد فاتنا.

هي قدرة نتدرّب عليها يوميًّا، نحتاج لبنائها إلى أن نصنع الأرزّ ألف مرّة مع الأخطاء نفسها، ونفحات روح مختلفة، والكثير من القصص من الأدبين الجيّد والركيك، والأفلام والمسلسلات، وقصص الحجرات المغلقة، وقصص النشرات الإخباريّة، وصفحة الحوادث، وقصص بريق الإنستجرام.

هي أن تصنع قصصك اليوميّة لتكون لهم زادًا في القلب، ولؤلؤًا في العين، لا يبهت ولا ينطفئ.

 

 

* تُنْشَر هذه المقالة ضمن ملفّ «طفولة تقرأ: مقالات في أدب الأطفال والفتيان»، وهو نتاج دورتين من إعداد وتقديم الباحث لؤي وتد، بالتعاون مع فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة.

 

 

حلوة حمّاد

 


 

طبيبة وباحثة تتخصّص بالأمراض الجلديّة والتناسليّة في «مشفى العفولة»، خرّيجة كلّيّة الطبّ في «معهد التخنيون»، حيفا.  

 

 

 

تعليقات Facebook