بين القانون والأدب

جانب من تغطية الصحافة لمحاكمة أوسكار وايلد

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

تبادليّة

تُروى قصّة القانون بالأدب، فالأدب عمود الإنسانيّات ولغة الجماعة الّتي لازمت تطوّرها، والقانون الجيّد قادر على فهم عجلة المجتمع وإطار دورانه. وقد نشأت بين القطبين، شأنهما شأن جميع الإنسانيّات، علاقة تبادليّة قد تبدو بديهيّة للقارئ للوهلة الأولى؛ ففي هذه العلاقة التبادليّة قد تتحوّل وقائع محاكمة فعليّة إلى قصص وروايات أو إلى أعمال سينمائيّة، كمحاكمة ليزي بوردن أو كمحاكمة أوسكار وايد[1]؛ إذ يتكثّف الحدث القانونيّ ويُتَرْجَم إلى حدث دراميّ بإحداثيّات المكان والزمان والملابسات، وتظهر فيه هيئة المحلّفين مادّةً للهواجس، وأطراف القضيّة شخصيّاتٍ مشحونةً عاطفيًّا بالشكّ والحيرة والندم.

وقد يحدث العكس، حين تَعْرِض القصّة بحكم طبيعتها للعقد النفسيّة والاختلالات العقليّة، وما تجرّه من أثر في الأهليّة القانونيّة للتصرّف والتعاقد، كرواية «بارتبلي النسّاخ - Bartleby, the Scrivener»ا(1853) لهرمان ميلفل، الّتي تغوص في عقد الشخصيّات وتردّدها، حيال البيئة المحيطة وضعف استجابتها - أو اندفاعها - لمؤثّراتها ونوازعها.

وقد حدث في فورة التقنين والترويج الكاسح لسيادة القانون وحكم المؤسّسات، أن تناول أدباء كشكسبير وجنسون وسبنسر الأسس الاجتماعيّة والفلسفيّة للشركات والعقود والعلاقات القانونيّة. وفي المقابل برز محامون وقضاة يتمتّعون بلغة أدبيّة رفيعة...

وبما أنّ الأدب يدور في مجمله حول تعريف الذات وتعريف الآخر والمسافة المفترضة بينهما، فكان من الطبيعيّ أن يعرض الأدب للهويّة والعرق على دكّة المحاكم ومنصّات الشهود، كرواية «لا تقتل عصفورًا ساخرًا - To Kill a Mockingbird»ا(1960) لهابر لي، أو للتمييز الثقافيّ والعنصريّة المصاحبة للحروب والنزاعات وانعكاساتها على العمليّة القانونيّة برمّتها، كرواية «الثلج ينزل على سيدار - Snow Falling on Cedars»ا(1994) لديفيد جاترسون[2].

وقد حدث في فورة التقنين والترويج الكاسح لسيادة القانون وحكم المؤسّسات، أن تناول أدباء كشكسبير وجنسون وسبنسر الأسس الاجتماعيّة والفلسفيّة للشركات والعقود والعلاقات القانونيّة. وفي المقابل برز محامون وقضاة يتمتّعون بلغة أدبيّة رفيعة. وكان أن عبرت القرارات القضائيّة المكتوبة بلغة أدبيّة التاريخ. يقول لورد دنينج، وهو محامٍ وقاضٍ بريطانيّ: "عندما استُدعيت لحلف اليمين القانونيّة، كان عليّ أن أتقن الكلمات، وقد استعنت بالأدب الإنجليزيّ، وبقيت أمارسه بعدها كما يتدرّب عازف على البيانو ليتقن لحنه، على المحامي أن يتدرّب على استعمال الكلام بالكتابة والخطاب"[3].

 

أنسنة القانون بالأدب

برزت حركة القانون والأدب في سبعينات القرن الماضي، لتعيد لمهنة المحاماة بعدها الإنسانيّ والمجتمعيّ، ولتخلق نوعًا من التناغم بين القاعدة القانونيّة واللغة المشحونة عاطفيًّا ووجدانيًّا، وقد جاء هذا التغيّر النوعيّ بعد قرون من الانتقال الراديكاليّ من القوانين العموميّة الطبيعيّة الأقرب إلى الرومانسيّة والفهم المجتمعيّ ببعده الإنسانيّ في القانون الإنجليزيّ، الّذي امتدّ على طول القرن السادس عشر، باتّجاه التقنين الحرفيّ والصارم، مع هيكلة المحاكم وتأطير الإجراءات القانونيّة المدنيّة والجزائيّة، واتّباع تقاليد صارمة في كلّيّات الحقوق ونقابات المحامين، حيث فقدت المهنة بُعْدَها الإنسانيّ، وتحوّلت إلى عالم من القواعد الجامدة والحدود الجافّة الّتي أبعدت المحامين عن التقاليد الإنسانيّة. وقد ترجمت هذه الحركة مبادئها في مسارات عدّة، أحدثها وأهمّها مساقات الأدب والقانون، حيث تُدَرَّس هذه المساقات لا في كلّيّات الحقوق فحسب، بل في كلّيّات الآداب، فـ «جامعة هارفرد» تطرح هذا المساق دوريًّا، وكذلك «كينجز كوليج» في لندن، وجامعات أخرى. حتّى أنّ «كينجز كوليج» تطرح مساقًا متخصّصًا تحت مُسمَّى «شكسبير والقانون»[4].

لجأ القانونيّون إلى الأدب لتعريف النماذج القانونيّة وقواعد السلوك، ولتفسير الأخطاء والثغرات القانونيّة، بينما لجأ المنظّرون والأكاديميّون منهم إلى الأدب، أداةً لترجمة اللغة القانونيّة الجافّة والمتخصّصة إلى لغة العوامّ. تُوَظَّف القصّة لتبسيط النظام القانونيّ وملء فراغاته وشرح مناطقه الرماديّة والضبابيّة، تلك الّتي لا تصوغها الأحكام والموادّ القانونيّة الّتي تتّصف في أغلبها بالجفاف والاختصار والمباشرة؛ فالقصّة الّتي تتمخّض عن نضالات المجتمع وصراعاته الداخليّة، حتّى في أكثر المناطق حميميّة، كوصف العلاقة الزوجيّة وما يرافقها من هواجس ومبرّرات وإشارات حسّيّة أو عاطفيّة، بما يعطي القارئ انطباعًا جليًّا عن تكييف العلاقة كاغتصاب أو علاقة بالتراضي[5]، ووصف العلاقات المتشابكة في المصانع ومزارع العبيد تأطيرًا وتأصيلًا لمعارك قانونيّة أفرزت في ما بعد أحكامًا قاطعة، أو تخفّت في ظلال وقائع حسّاسة تتداولها المحكمة بخصوصيّة وتكتّم.  

لجأ القانونيّون إلى الأدب لتعريف النماذج القانونيّة وقواعد السلوك، ولتفسير الأخطاء والثغرات القانونيّة، بينما لجأ المنظّرون والأكاديميّون منهم إلى الأدب، أداةً لترجمة اللغة القانونيّة الجافّة والمتخصّصة إلى لغة العوامّ...

وفي العلاقة الجدليّة بين تطوّر كلا القطبين، يرى نايجل سميث أنّ عناصر اللغة الفعّالة كالجدل، وإثبات الموقف، ودحض الاحتمالات، والتأثير النفسيّ للكلمات وطريقة طرحها، تنقل القانون من قوّة إخضاع وردع محكومة لسلطة مركزيّة مسيطرة، إلى نسيج عامّ ذي ملكيّة مفتوحة في المؤسّسة القانونيّة (الدولة)، الّتي تشمل بطبيعة الحال شخصيّات سلبيّة (غير فاعلة) من العوامّ، إضافة إلى صنّاع القرار من الشخصيّات الإيجابيّة (الفاعلة)، وهي مرحلة متقدّمة من التفاعل اللغويّ القانونيّ، في إطار دولة المؤسّسات الحديثة[6].

دخل القانون المكتوب حضارة الإنسان متأخّرًا نسبيًّا، ومن العدل القول إنّ القصّة قد سبقته بقرون عديدة، غير أنّ فكرة القانون الطبيعيّ لازمت ظهور القصّة منذ فجر تاريخ الإنسان.

يتحلّق إنسان «النياندرتال»، حسب فورستر في كتابه الشهير «أوجه الرواية - Aspects of the Novel»ا[7]، حول نار خافتة، فاغرين أفواههم منهَكين من قتال ماموث أو فرس نهر، يستمعون للحكايات. العالم حولهم يتخلّق لتوّه، كلّ شيء يحدث كأنّما يحدث للمرّة الأولى. تتّسع مساحات الدهشة حيث الكلمات لم تُحِطْ تمامًا بأشيائها، وبينما تتدحرج أيّامهم باطّراد يكوّنون فهمًا بدائيًّا لقوانين الطبيعة: لا تتزوّج امرأة جارك، ولا تفتح بابك ليلًا، ولا يتبعك ذو ناب حيث تنام، واعمل كي لا تجوع. قوانين هي أقرب إلى الفهم البدائيّ لطبيعة الحال وما يجب أن تكون عليه الأمور.

ولتوضيح التزامن بين القصّة والقانون الطبيعيّ، ينبغي لنا أن نتطرّق إلى ماهيّة القانون وصيرورته، وغاية القصّة وصيرورتها بالمثل.

 

ماهيّة القانون وصيرورته

إذا ما عدنا إلى التعريف الأكاديميّ الّذي تُدَرِّسه كلّيّات الحقوق للقاعدة القانونيّة، فسنجد أنّ أغلب التعريفات يتّجه نحو صفة الإلزام، الّتي تكتسبها القاعدة من حقيقة استخدامها كأداة قهر بيد الدولة؛ إذ تفرضها وتنفّذها بالقوّة. والحقيقة أنّ هذا التعريف الأحاديّ القطب، الّذي يرى في القانون أنماط سلوك تفرضها سلطة مركزيّة بسطوة العقاب، تعرّض لانتقادات عديدة؛ ذلك أنّه يرى الدولة والقانون مترادفين أو متزامنين أو متلازمين، بينما يقترح التاريخ الإنسانيّ أنّ القانون سبق الدولة بقرون طويلة، فَوُجِدَ في القبائل والطوطميّات والجماعات البدائيّة، في حين وُجِدَت الدولة كصورة منظّمة للتجمّع البشريّ في وقت متأخّر نسبيًّا من التاريخ. أضف إلى ذلك وجود قوانين ترسم وتحكم بعيدًا عن يد الدولة، بل رغم أنفها، كالقوانين العرفيّة وقوانين العشائر حتّى يومنا هذا[8].

إنّ النظام القانونيّ الصارم بقواعده المحدّدة المُلْزِمَة يعني الانتقال من فوضى الطبيعة إلى النظام الاجتماعيّ، تمهيدًا لنشوء الدولة بمعناها المعاصر مؤسّسةً قهريّة، وهو ليس بحال صرخة ميلاد القانون...

التعريفات الأخرى للقانون، كتلك الّتي أحالت إلى الإرادة العامّة، وفكرة حماية حرّيّات أعضاء الجماعة، وتحقيق العدالة في محيط اجتماعيّ محدّد، إنّما هي تعريفات أقرب في تكوينها وغاياتها إلى فكرة الحقّ الطبيعيّ، وهي فكرة تبلورت في العصور الإغريقيّة القديمة وتلقّفتها المسيحيّة، تعبيرًا عن الإرادة الإلهيّة لتحقيق العدل والإنصاف[9].

جاءت فكرة الانتقال من التنظيم الطبيعيّ العشوائيّ، سواء أَخَيِّرًا كان أم ظلاميًّا، إلى التنظيم الاجتماعيّ الّذي يؤطّر العلاقات الفرديّة والجماعيّة ويحدّدها، لتعبّر عن فكرة «العقد الاجتماعيّ» بدرجاته المختلفة، من أشدّها بدائيّة، كعلاقة الجار بجاره، إلى أعلى درجاتها تعقيدًا، كعلاقة الحاكم بالمحكوم وعلاقة كليهما بالجماعة. وسواء يعني العقد انتقال التنظيم الطبيعيّ القائم على ذاتيّة الأفراد ونفوسهم، كمادّة للشرّ والفوضى، إلى الحاكم القائل بلا قيد ولا شرط، كما قال هوبز، منظّر النظام الملكيّ، أو يعني انتقال حالة الخير والبساطة الأقرب إلى سلامة الفطرة، إلى حالة من التنظيم الكاشف لا المُنْشِئ لحقوق مطلقة، كالحياة والحرّيّة والتملّك، كما قال لوك، منظّر النظام البرلمانيّ، أو الانتقال من حالة الخمود بلا قِيَم خَيِّرَة ولا شرّيرة إلى حالة الحرّيّة المدنيّة، الّتي تعطي السيادة للمجتمع بأسره، كما قال روسو، منظّر نظام الديمقراطيّة الانتخابيّة، فإنّ النظام القانونيّ الصارم بقواعده المحدّدة المُلْزِمَة يعني الانتقال من فوضى الطبيعة إلى النظام الاجتماعيّ، تمهيدًا لنشوء الدولة بمعناها المعاصر مؤسّسةً قهريّة، وهو ليس بحال صرخة ميلاد القانون.

 

الحيوان الحكّاء/ الحيوان الاجتماعيّ

وفي المقابل، إذا ما عدنا إلى القصّة، يرى جوناثان غوتشل، في كتاب «الحيوان الحكّاء - The Storytelling Animal»ا(2013)، أنّ القصّة مهمّة لتعريف وجود الإنسان؛ ولهذا فإنّ الإنسان روى الحكايات منذ بداياته المبكّرة. ثمّ يتساءل: لماذا يروي البشر الحكايات؟ وهو سؤال يحيل في تكوينه العضويّ إلى نفعيّة الأدب، ويرى أنّ طلب البهجة المتأتّية من القصص تفسير يحتاج إلى تفسير؛ لأنّ بهجة القصّ ليست طبيعيّة تمامًا كبهجة الأكل أو الجنس، خاصّة إذا أخذنا بعين الاعتبار التطوّر النفعيّ للبشر، وهو ما يثير التساؤل عن نجاة رفاهيّة، كرفاهيّة القصص، من انتقائيّة الإنسان الصارمة[10].

يكمن التصادم الأكبر بين طبيعة الأدب والقانون في تمويه اللغة ومراوغتها، وعبورها إلى مساحات ضبابيّة، حيث الشكّ والتناقض والتقلّب بين الأوجه المحتملة، وهو ما يتصادم بشكل فظّ مع الحقيقة الساطعة المُعَبَّدَة بِبُعد واحد...

يحيل غوتشل هذه الأحجيّة إلى أحجيّة أكبر، هي أحجيّة الفنّ، ويرى أنّ التفسيرات المقدّمة لبزوغ الفنّ مع بدايات الإنسان، ولنجاته في ما بعد من التقليم القاسي لتاريخ البشر، تقدّم إجابات فرديّة وجزئيّة؛ فبين الداروينيّين الّذين يرون في الاختيار الجنسيّ لا الطبيعيّ مصدرًا تطوّريًّا للقصص، وبين مَنْ يرى فيها شكلًا من أشكال اللعب الذهنيّ أو المعرفيّ، وبين مَنْ يراها مصدرًا قليل التكلفة للتجارب الإنسانيّة وعلم النفس، وبين مَنْ يراها مسوّغة لذاتها بلا تفسيرات جماليّة أو نفعيّة أو تطوّريّة، وإنّما بهدف دفع الرتابة والضجر وشراسة الواقع، بين كلّ هؤلاء يظهر مَنْ يحيل القصص إلى أشكال الصمغ الاجتماعيّ، الّذي يجمع الناس حول قيم مشتركة، ومنهم جون غاردنر الّذي قال: "يخلق الفنّ الحقيقيّ أساطير، يمكن أن يعيش بها المجتمع عوضًا عن أن يموت بها"[11]. ويتبدّى من هذا التفسير الأخير لظهور القصص واستمرارها منذ خلق الإنسان، يتبدّى رابط فعّال وحقيقيّ مع القانون الّذي يحكمه ويرى في تنظيم حقوقه وواجباته قيمة مشتركة مع الجماعة، قيمة لا تحفظ للجماعة أمنها وازدهارها فحسب، بل تخلق الجماعة أيضًا بالمعنى المنظّم القابل للبقاء.

 

القانون والأخلاق

لطالما كان الأدب تعبيرًا ملازمًا عن الذات الإنسانيّة، ومقياسًا حقيقيًّا لصراعاتها ومؤثّرات بيئتها؛ ولهذا يبدو من الطبيعيّ ألّا يكون في ذاته ثائرًا دائمًا، وقد يقع على النقيض من ذلك بصفته أداة صناعة للعنف وتدوير للعنصريّة، أو كشكل من أشكال الحفاظ على النظام المستبدّ القائم، سواء بقول ما يظنّه الكاتب حقيقة أو باختلاق ما ينبغي أن يكون الحقيقة؛ ولهذا ينظر كثير من المؤرّخين والمختصّين الّذين يُعْرَفون «باللاتخيُّليّين» بعين الريبة إلى النصوص الأدبيّة، لخضوعها لأهواء النفس أو الحزب أو المصلحة، مُدَّعين أنّ القاعدة القانونيّة تستهدف خلاف ذلك بما يتطلّبه تقصّي الحقائق، لكن هل هذا حقًّا دور القانون؟

يكمن التصادم الأكبر بين طبيعة الأدب والقانون في تمويه اللغة ومراوغتها، وعبورها إلى مساحات ضبابيّة، حيث الشكّ والتناقض والتقلّب بين الأوجه المحتملة، وهو ما يتصادم بشكل فظّ مع الحقيقة الساطعة المُعَبَّدَة بِبُعد واحد، الّتي يحاول القانون تحرّيها. يبدو هذا مثاليًّا جدًّا، حسنًا، فلنفكّر الآن في سؤال أرخميدس لبيريكلس قبل ألفي عام: "عندما يستولي طاغٍ على العرش، ويفرض على المواطنين ما يجب عليهم أن يفعلوا؛ فهل هذا قانون؟"[12]. من هنا بدأ انفصال المذهب الوضعيّ للقانون عن مذهب القانون الطبيعيّ؛ فالمذهب الوضعيّ يعني الانفصال بين ما يفرضه القانون وما تتطلّبه العدالة، أي بين القانون كما هو كائن وكما يجب أن يكون. وهنا يرى مؤلّف كتاب «فلسفة القانون - Begriff und Geltung des Rechts»ا(1992)، روبرت ألكسي، أنّ مفهوم القانون يتبلور حسب الموقف من علاقته بالأخلاق، فهل هما مترادفان؟

تطرّق رواية «البحّار بيلي باد - Billy Budd, Sailor»ا(1924) للكاتب الأميركيّ هيرمان ميلفل أهمّ أسئلة فلسفة القانون، "متى يتجاوز رجل القانون القاعدة النصّيّة ليتحرّى نتيجة عادلة؟". وفي المقابل، هل يُعْذَر رجل القانون بالتضحية بالحقيقة والمبدأ، لضمان احترام نصّ القانون ومنع البلبلة المتولّدة لزومًا عن تعريف الحقيقة بصورة شخصيّة ونسبيّة؟

تطرّق رواية «البحّار بيلي باد - Billy Budd, Sailor»ا(1924) للكاتب الأميركيّ هيرمان ميلفل أهمّ أسئلة فلسفة القانون، "متى يتجاوز رجل القانون القاعدة النصّيّة ليتحرّى نتيجة عادلة؟". وفي المقابل، هل يُعْذَر رجل القانون بالتضحية بالحقيقة والمبدأ...

يعتمد مخالفة منطوق النصّ، من ناحية إجرائيّة، على تراتبيّة مصادر التشريع في الدستور والقوانين المفسّرة في نظام قانونيّ ما. لكنّ المقصود هنا العلاقة العضويّة بين الحقيقة والقاعدة القانونيّة، بين العدالة والقانون. يقول القاضي جون ستش، قاضي الدائرة العاشرة في «محكمة النقض» الأميركيّة، في أعقاب نظره إلى قضيّة بدا فيها نصّ القانون والعدالة قطبين متقابلين: "من الممكن أن تسأل إذا كان قرار طرد السائق هنا لطيفًا، أخلاقيًّا، أو حكيمًا، لكن هذا ليس عمل المحكمة، نحن هنا لنسأل: هل كان القرار موافقًا للقانون؟ نعم، لقد كان"[13].

في بحثه عن الأسس الإنسانيّة للقانون والأخلاق، يزعم فريد إدواردز أنّ الناس تعوّدوا على إرجاع كلّ قاعدة إلى صانع ومرغِم، إلى الحدّ الّذي دفعهم إلى تصنيف الأفعال النابعة عن الذات دون مرجعيّة عليا، كضرب من العشوائيّة والفوضى المهدّدة لأمن المجتمع، نتيجة خروجها عن الإطار الجامع المحدّد الّذي يعتبر الحكم لدى الاختلاف. إلّا أنّ إدواردز يرى أنّ ثمّة انفصالًا تامًّا بين القاعدة القانونيّة والأخلاق؛ فالقانون يزدهر تحت الشمس وفي الساحات العامّة، حيث يسهل على السلطة أن تراقب وتعاقب، أمّا الأخلاق فلا تنبت إلّا في الظلام وخلف الأبواب المؤصدة، تلك الّتي يحول القانون دون فتحها بلا إذن[14]. هكذا يتبدّى الخطّ الفاصل بين القانون - الوضعيّ على الأقلّ - والأخلاق؛ فالقانون، كأداة تخدم السلطة الحاكمة، ينفصل عن المنظومة الأخلاقيّة النسبيّة أصلًا، والمعتمدة على معتقدات الأفراد ونواياهم، تلك الّتي يصعب قياسها ويسهل الخلط في تأويل الخيارات المترتّبة عليها. وعلى الرغم من ذلك يبقى هذا الجدل قائمًا حتّى يومنا هذا، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، مُحيلًا إلى مدينة أفلاطون الفاضلة، تلك الّتي – ولسخرية الأقدار - طُرِد منها الشعراء.

وفي النهاية، حكى الإنسان القديم ليوثّق تجارب الصيد والحبّ والنجاة، ثمّ حكى ليخلّد أعمال الآلهة وليمجّد الأبطال، ثمّ حكى ليمتّع ويؤنس ويستقدم النساء لفراشه، ثمّ حكى ليتّخذ عند ذوي العروش سبيلًا. وتعدّدت الحِيَل بتوالد الأزمنة، وتلوّنت الكلمات بتلوّن الغايات. أمّا القانون فقسّم الموارد، ونظّم الحقوق، وخلق الدول بالمعنى التنظيميّ، وأكسبها قوّة القهر، وحافظ على الاستبداد، كما مهّد للديمقراطيّة، فهل كانت «أَسْتْرِيا»، إلهة القانون عند الإغريق، منصفة حقًّا عندما أبطنت ازدراءً عظيمًا للشعراء؟

..........

إحالات:

[1] Denis Forster, “Using Literature to make better Lawyers,” Uva Lawyer, University of Virginia School of Law, seen 25/09/2020, on: https://at.virginia.edu/32D6mMK

[2] المرجع نفسه.

[3] Manisha M, “Literature in Law,” 01/04/2019, India Folk, seen 20/09/2020, on: https://bit.ly/36tmthg

[4] Andrew Kau, “Does Law Disdain Literature?”, 19/11/2018, Marginalia: Los Angeles Review of Books, seen 23/09/2020, on: https://bit.ly/2K3o3Pp

[5] Denis Forster, on: https://at.virginia.edu/3poKmPy

[6] Andrew Kau, on: https://at.virginia.edu/3poKmPy

[7] E. M. Forster, Aspects of the Novel, (United States: Mariner Books, 1956).

[8] «محاضرة القانون والمجتمع»، جامعة القادسيّة، شوهد في 20/09/2020، في: https://bit.ly/3ppaj1F

[9] المرجع نفسه.

[10] جوناثان غوتشل، الحيوان الحكّاء: كيف تجعل منّا الحكايات بشرًا؟، ترجمة بثينة الإبراهيم، ط1 (لبنان: الدار العربيّة للعلوم ناشرون، 2018)، ص 44.

[11] المرجع نفسه.

[12] روبرت ألكسي، فلسفة القانون: مفهوم القانون وسريانه، ترجمة كامل السالك، ط2 (لبنان: منشورات الحلبي الحقوقيّة، 2013)، ص 21.

[13] Rodger Citron, “Herman Melville’s Billy Budd: Why this Classic Law and Literature Novel Endures and is Still Relevant Today,” June 19, 2019, Verdict Justia, seen 25/09/2020, on: https://bit.ly/35pjfvL

[14] Fred Edwords, “The Human Basis of Laws and Ethics,” American Humanist Association, seen 22/09/2020, on: https://bit.ly/35mP20k

 

 

هبة بعيرات

 

 

 

كاتبة وحقوقيّة من فلسطين، تقيم في الولايات المتّحدة.

 

 

 

 

تعليقات Facebook