ثلاثون إنشًا | قصّة

تصميم يوسف أيمن، المنصّة

 

أمام محلّ صرافة شهير في السوق، تفترش الأرض يوميًّا متسوّلتان عن يمين باب المحلّ وشماله. الأولى شابّة، بوجه نحيل رماديّ - لا أدري كيف اكتسب لونًا كهذا، لكنّه رماديّ بالفعل - وحاجبَين كثّين، تجحظ من تحتهما عينان حقودتان مسلّطتان دائمًا وأبدًا على المتسوّلة المقابلة، الّتي هي عجوزٌ هابطة، تَشْخَصُ عيناها في السماء بكآبة مُغْرِقَة، وتحوّل نظرها عن الأعالي بين الحين والآخر في اتّجاه المتسوّلة الشابّة بلفتات اتّهام.

بشكل مربك، يتحتّم على المارّة في حركتهم من محلّ الصرافة وإليه قطع حبل المنافسة الأثيريّ الممتدّ بين المتسوّلتين الرابضتين، فيشعرون نتيجة لهذا بتوتّر لا مفهوم في سيقانهم. وفي غالبيّة المساءات، عندما يخرج الجدّ المؤسّس لمحلّ الصرافة، الملقّب بالحوت، من مكتبه المختفي خلف غرفة استقبال المحلّ، ويتقدّم ليقف في منتصف المسافة بين المتسوّلتين، يحسّ بتنميل في أصابع قدميه، وحرارة خفيّة المصدر في ظاهر فخذيه بمحاذاة جيبيه، فلا يفهم السبب، ولا يتساءل عنه. يلقي التحيّة على المرأتين ويدعو لذرّيّته بدوام الرزق ثمّ يدعو لهما، فتؤمّنان خلفه، وأعينهما على حركة يده إلى جيبه ثمّ إلى كفّيهما.

غالبيّة المغادرين من المحلّ ينحازون بصدقاتهم إلى كفّ المتسوّلة العجوز، ففكرتهم المتوارَثة تربط ما بين التقدّم في السنّ والعجز وطلب الحاجة، وهذه الفكرة الّتي يَخْبُرُها المتسوّلون جيّدًا، يمقتها الشباب منهم مقتًا شديدًا. لذا؛ فليس بنادرٍ أن تبصق المتسوّلة الشابّة، الّتي يُشْعِرُها هذا الانحياز بغياب العدالة، وتتمتم غيظًا لدى سقوط قرش في كفّ منافِسَتِها، ثمّ يتراءى لها في تفكّرات ما بعد الظهيرة أن تعلّق تلك العجوز على عود المشنقة.

أمّا عندما يحدث ويسقط القرش في كفّ الشابّة، خاصّةً إن هوى من كفّ رجل، فإنّ المتسوّلة العجوز تهزّ رأسها بهزيمة كناية عن هضم المعنى المؤسف لما حصل... وما إن يتابع المتصدّق سبيله حتّى ترمي بنظراتها المشمئزّة إلى غريمتها، وتترك لاشمئزازها الصامت أن ينبئ بما تلمّح إليه من استغلال منافستها لريعان أنوثتها لاستعطاف الرجال. وفي اعتبارها، لا يمكن بحال مساواة ما تراه سقوطًا أخلاقيًّا لغريمتها بتعاطف الناس معها هي لكبر سنّها، فالأوّل خرق لا يُغْتَفَر لقواعد المنافسة الشريفة.

وإن صدف أن حالفها الحظّ بقرشين في مرّتين متتاليتين من أكفّ الرجال، فإنّه يغدو بمقدور المتسوّلة الشابّة قراءة كلمة «عاهرة» بوضوح على شفتَي العجوز، من غير إيماءاتٍ وسيطة. ووقتئذ، لا يعود يشفع لشرفها عند تلك انكفاؤها طوال النهار على نفسها كقنفذ مسطول، ولا تلفّعها بالأسود الثقيل من رأسها حتّى قدميها لتكون أقرب إلى مومياء منها إلى نَفْسٍ حيّة.

لولا أنّ قلوبهم الثلاثة متنافرة، لأمكن القول إنّ المتسوّلتين تشكّلان مع المتسوّل المتفاني شحاذةً على الرصيف المقابل، مثلّث عمليّات. لكنّ ثلاثتهم يتبادلون كراهية سُمّيّة تمنع أن ينبت بينهم أيّ تنسيق من هذا النوع. وإن بدت كراهيتهم محفوظة في قالب نبيل مترفّع عن الاشتباك، فما هذا النّبل المُفْتَعَل إلّا لخشيتهم الانتقاص من مظهرهم مُعْدَمين دراويش. فعندما كان غريرًا في يوم ما، حاول المتسوّل أخذ حيّز له في هذه البقعة الوفيرة الخير من المدينة، أي أمام محلّ الصرافة الرفيع المقام، لكنّ المتسوّلتين صدّتاه بهدوء السفّاحين المتسلسلين؛ إذ كان كافيًا لهما زجره بنظرات وعيد، وقذفه بهمهمات تعاويذ كهنوتيّة في أوّل يوم عمل له بقربهما، كي يتغيّب بعدها عن السوق شهرًا، ثمّ يعود بحوض كسرته لعنة منقضّة، وبنَفْسٍ هبطتْ مطامحها عن مساحة التسوّل المُتْرَفَة أمام محلّ الصرافة إلى الرصيف الشعبيّ المقابل.

وشكّلت هذه الحادثة آنذاك ما يشبه إعلانًا تحذيريًّا لدى شبكة متسوّلي المدينة، مفاده أنّ هاتين المتسوّلتين تحظران اقتراب سواهما من محلّ الصرافة. ولم يتجاهل التحذير من المتسوّلين سوى بضعة، منهم مسنّ تالف الذاكرة، وأرملة أملت تعاطفًا مع توأميها البكّاءين، ومتسوّلة قدمت من محطّة بعيدة، وادّعت أنّ مخالفات شبكة التسوّل الخاصّة بهذه المنطقة لا تشملها. هؤلاء وغيرهم انتهى بهم المطاف إلى أن يعودوا إلى مواقع تسوّلهم الأولى مُكْرَهين، يفورون نقمةً على متسوّلتَيْنا؛ ذئبتَي عتبة محلّ الصرافة.

لكنّ ما لا يخطر ببال أيّ من المتسوّلين المطرودين أنّ المتسوّلتين لم تتشاورا في أيّ مرّة لتتّفقا على الحظر الآنف ذكره، بل كان قرارهما بديهيًّا ومفهومًا ضمنًا بالنسبة إلى كلتيهما. أمّا كيف سمحت إحداهما للأخرى بالجلوس قبالتها، فهذا الّذي من الصعب معرفته، إذ هما لا تتذكّران أيّهما وصلت قبلًا إلى هذه البقعة من المدينة. وعلى الأرجح أنّهما وصلتا معًا، ثمّ دخلتا من فورهما في علاقة تنافسيّة متعادلة الأصفار، ليستقرّ المآل بهما على مسافة ثابتة من بعضهما بعضًا.

ممّا قد يفيد ذكره أنّ الوحيد الّذي يلحظ ما يجري على أرضيّة السوق هو عامل النظافة، حيث يقضي الربع الأوّل من نهاره هناك، يؤدّي عمله مبتسمًا بتشوّق. والحال أنّ الابتسامة تفقس في وجهه من تلقاء نفسها أثناء كنسه المخلّفات المسحوقة تحت أقدام المارّة، وتفكيره بحجم الإثارة في أن يكون شاهدًا على ما في الأسفل - تحديدًا في مستوى الثلاثين إنشًا الدّنيا لعصا مكنسته - من معارك لا يعلم الآخرون عنها شيئًا.

 

 

ميس داغر

 

 

كاتبة قصّة قصيرة تقيم في بير زيت. لها مجموعتان قصّصيّتان، "الأسياد يحبّون العسل" (مركز أوغاريت للنشر، 2013) و"معطف السيّدة" (الأهليّة للنشر والتوزيع، 2017)، ورواية لليافعين "إجازة اضطّراريّة" (الأهليّة للنشر والتوزيع، 2016). حاصلة على جائزة الكاتب الشابّ من مؤسّسة عبد المحسن القطّان لعام 2015.

 

 

تعليقات Facebook