"أوكسجين"... سرديّة استفزاز لارتفاع الجدران

الفنّان باريس مارتِن

 

إن كان للكلمات تاريخ كما للناس - على حدّ تعبير الناقد والمفكّر السعوديّ سعد البازعي - فإنّ للقضايا الكبرى ظلالًا كما للإنسان؛ وقضيّة كبرى كما هي قضيّة اللجوء، الّتي تجرّع مرارتها العربيّ كما الفلسطينيّ من قبل، شكّلت القاسم المشترك، الّذي حاول الكاتب والروائيّ ذو الخلفيّة السياسيّة مروان عبد العال، تشييد عمله السرديّ «أوكسجين» (دار الفارابي، 2019) عليها، لا ليذكّر العربيّ بأنّ ما يتجرّعه من آلام اللجوء في العقد الأخير، هو ما تجرّعه شقيقه الفلسطينيّ منذ أكثر من سبعين عامًا ولا يزال، وإنّما ليتّخذ من هذه المأساة الإنسانيّة قاعدة، يمكنه من خلالها أن يعيد التذكير بأنّ الهمّ عادة ما يبدأ فرديًّا، لكنّه بالضرورة يصبح بشكل أو بآخر همًّا جمعيًّا، كما هو همّ الفلسطينيّ الّذي بات همًّا عربيًّا.

 

الغباء

من هنا نلاحظ أنّ الكاتب لم يعالج فقط قضيّته السياسيّة في بُعدها الاجتماعيّ الفلسطينيّ، لكنّه ذهب أيضًا يعاين عديد القضايا العربيّة المشتركة، كما هي الأسئلة الوجوديّة وما تفرضه من مصير مشترك؛ الجائحة في الرواية كما استشرف حدوثها فكانت، وكذا تجلّيات الصراع الأيديولوجيّ، وتوظيفه للتطوّر التكنولوجيّ، تحديدًا في وسائل الاتّصال، وما أفرزته من شرط الغباء.

 

غلاف رواية مروان عبد العال

 

والغباء ليس شرطًا قدريًّا على الإنسان، لكنّه قد يكون نتيجة لسبب «نقص الأوكسجين»، على حدّ تفسير عبد العال لمقولة قرأها ذات يوم لمارك توين يقول فيها: "إنّ أكثر شيء انتشارًا في العالم هو الأوكسجين والغباء"، ما دفع عبد العال إلى سؤال نفسه: ما علاقة الأوكسجين بالغباء؟ أعندما ينخفض الأوكسجين يرتفع الغباء، أم أنّه عندما يرتفع الأوكسجين ينخفض الغباء؟ بالنسبة إليّ - والكلام لمروان – "كما أنّه لا توجد مقاومة بلا معرفة، لا توجد حياة بلا أوكسجين".

المقاومة بهذا المعنى في حاجة ماسّة وضروريّة إلى المعرفة، ومعاينة اللجوء ومآسيه تُعَدّ بالنسبة إلى الكاتب إحدى تجلّيات المقاومة المبنيّة على معرفة، يمكنها أن تخلق سياقًا مجابهًا لارتفاع منسوب الغباء الّذي استفحل في المنطقة، فجلب العدوّ ليصبح صديقًا، وأحال الأخ والصديق ليتبوّأ مكانة الحليف للعدوّ، الّذي لن يوفّر الانقضاض عليه في أقرب وقت ممكن.

إذا ما أخضعنا رواية «أوكسجين» لهذه الرؤية، فسنتنبّه مباشرة إلى المحمول الأيديولوجيّ الحاضر في خلفيّة النصّ، بوصفه بطلًا أساسيًّا وثانويًّا في آن؛ فهو أساسيّ من حيث هو نسق كلّيّ للأفكار الّتي تطرحها السرديّة، وهو ثانويّ إذ يمثّل الوعي المضمر بأنماط سلوك شخصيّات الرواية، وما ترمي إليه من مضامين معبّرة عن أشكال البنية الفكريّة للمجتمع العربيّ وطبقاته.

 

التدرّج على جبهة اللغة

وتبدأ سرديّة عبد العال بشكل مركّب على جبهة اللغة؛ إذ يمكننا وصف لغتها في الفصل الأوّل باللغة الشاعريّة، الّتي وظّفها لوصف الفضاء المكانيّ لمدينة اللجوء المتخيَّلة، أو مخيّم اللجوء المتعدّد الجنسيّات، المُقام في السرديّة داخل مدينة زغوان شمال شرق تونس العاصمة، إلّا أنّ هذه اللغة ما فتئت تأخذ أشكالًا مختلفة ومتدرّجة مع التدفّق السرديّ، وصلت مع نهاية القصّة إلى اللغة السياسيّة الّتي تعتريها المباشرة إلى حدّ بعيد، وهو ما يمكننا ملاحظته في نموذجين أساسيّين: الأوّل وهو يقول بصوت السارد في وصف المكان: "تحمله نظراته على حزمة من خيوط الأفق الممتدّ نحو طيف الأشجار، المتّكئة على سفوح الروح" (ص 9)، لنسمعه في الثاني يقول على لسان أحد أبطاله في منتصف السرد: "تجد محاربًا يؤدّي دور الدليل في الطريق إلى الوطن، كما تجد المشتبه به يؤدّي دور الدليل، ولكن في الطريق المعاكس للوطن" (ص 99).

التدرّج على جبهة اللغة، قد يبدو للوهلة الأولى تعبيرًا عن صراع داخليّ، تعيشه شخصيّة الكاتب بوصفه مثقّفًا ينزع إلى الأحلام، مع شخصيّته السياسيّة، باعتباره مسؤولًا عن تنفيذ أحلام تؤكّد تحوّلات الواقع أنّها ذاهبة في اتّجاه المستحيل...

هذا التدرّج على جبهة اللغة، قد يبدو للوهلة الأولى تعبيرًا عن صراع داخليّ، تعيشه شخصيّة الكاتب بوصفه مثقّفًا ينزع إلى الأحلام، مع شخصيّته السياسيّة، باعتباره مسؤولًا عن تنفيذ أحلام تؤكّد تحوّلات الواقع أنّها ذاهبة في اتّجاه المستحيل. وقد يعبّر هذا التدرّج اللغويّ عن حيلة فنّيّة، لجأ إليها الكاتب كي ينقل إلى القارئ حالة التوتّر الّتي من الطبيعيّ أن تتلبّس اللاجئ في تغريبته القسريّة، ومحاولات تعبيره عن التمسّك بحلم العودة.

واستنتاج الحيلة الفنّيّة هنا، لعلّه يكون الأقرب، إذا ما انتبهنا إلى تعمّد الكاتب لتسمية شخوصه والمكان، بأسماء ونعوت ذات دلالات سياسيّة واضحة؛ فالمخيّم المتخيّل يطلق عليه «جنّة الحياة»، والبطل الأساسيّ هو «الخليليّ»، أمّا البطلة فهي «أيّار»، والحبيبة الأولى «حياة»، وهذا «لورانس العرب» الّذي هو «مهدي»، وتلك هي السيّدة «بشيرة».

 

استفزاز

ولأنّ الأوكسجين حينما يبدأ بالانخفاض، تبدأ الجدران بالارتفاع، لا بدّ من تقييم الحال على ما هو دونما إنكار، "الاستعمار كالعنكبوت يستوطن الزوايا المعتمة، والعقول الفارغة، والأجساد المنهَكة، ويتفشّى كالأمراض الفتّاكة" (ص 101)؛ وهذا يؤكّد ما ذهب لمعالجته الكاتب بالقول المباشر: "الكارثة تبدأ بغياب الوعي" (ص 101).

وضرورة تنمية الوعي الجمعيّ والفرديّ، هي ما دفعت الكاتب إلى التوقّف طويلًا أمام دور الأحزاب الوطنيّة ومهامّها، ونقدها بلغة واضحة لا لبس فيها، "بدل أن تبني الأحزاب وتنمّي الهويّة الوطنيّة، همّشتها لمصلحة الفئويّة الحزبيّة، لم تقم بدورها في توعية الناس، ولم تمثّل قدوة وقوّة نموذج" (ص 101).

هذا النقد نفسه، هو ما استدعى محاكاة عوامل القوّة ولو بالاستفزاز، "أولئك الّذين لا يستطيعون تذكّر الماضي، محكوم عليهم بتكراره" (ص 70)، وهو استفزاز لا يتناول فقط أمر الذاكرة، لكنّه أيضًا يؤكّد فكرة أنّ المصير المشترك على الجبهة السياسيّة لا يقلّ أهمّيّة عن حضوره على الجبهة الصحّيّة، "الحلّ الفرديّ ليس نجاة، أسيلقى في الخارج حبل نجاة وحياة أم موتًا آخر؟" (ص 104). ولكي يثبت صحّة وجهة نظره، أقام عبد العال مقاربة بين موت وموت، فنجده يقول: "الموت في موقعة حربيّة، أفضل من الموت نتيجة الاختناق" (ص 104).

على الرغم من الهنات السرديّة، الّتي يمكننا التوقّف أمامها في رواية مروان عبد العال، إلّا أنّنا لا ننكر عليه نجاحه، في الترجمة الأدبيّة لفكرة تأكيد أن تكون المقاومة فعل حياة لا فعل موت...

وفكرة المصير المشترك الّتي كثيرًا ما تناولها الكاتب البرتغاليّ جوزيه ساراماغو، سواء في روايته «العمى»، أو في «انقطاعات الموت»، خلقت لربّما أرضيّة مناسبة لمروان عبد العال، كي يقارب الفكرة المتخيّلة بسوداويّة عالية لدى ساراماغو، بفكرة أكثر واقعيّة وبأمل حالم، لدى العربيّ بعامّة والفلسطينيّ بخاصّة، "كأنّما المدن مثل القرى، ترحل أيضًا، وعندما ترحل المدينة تصبح مخيّمًا" (ص 109). وعلى الرغم من أنّه رحيل ومخيّم، إلّا أنّ اسمه كان «جنّة الحياة»؛ وهذا ما يعني أنّ الكاتب لم يُسْقِط خيار الأمل، وكأنّه يحاول الانتصار في المقاربة لصالح الصمود الفلسطينيّ، الّذي أثبت جدارته طيلة كلّ هذه العقود من زمن المعاناة.

أخيرًا، وعلى الرغم من الهنات السرديّة، الّتي يمكننا التوقّف أمامها في رواية مروان عبد العال، إلّا أنّنا لا ننكر عليه نجاحه، في الترجمة الأدبيّة لفكرة تأكيد أن تكون المقاومة فعل حياة لا فعل موت، ويجب أن تتشكّل في العقل قبل اليد، وفي الروح قبل الرصاصة - على حدّ تعبير الراحلة رضوى عاشور - وهو ما يجعل من هذه السرديّة، سرديّة أمل يتمسّك بنبض الحياة، لتكرّر ما قاله الكاتب في إحدى تجلّياته: "نحن لا نحيا كي نصل، بل كي نسير" (ص 197).

 

 

أحمد زكارنة

 

 

شاعر وإعلاميّ يقيم في رام الله. يعمل في إذاعة "صوت فلسطين"، ويرأس تحرير موقع "اليوم الثامن"، كما عمل سابقًا مستشار تحرير في "صحيفة الحدث". له مجموعة شعريّة بعنوان "ما لم أكنه" (2017).

 

 

 

تعليقات Facebook