«تلاع الريح»... تفكيك التقوقع العربيّ في ديماس الأسطورة

naturelyrics

 

ثلاثة أزمنة

حين يرتبط أو يمتزج ما هو أسطوريّ بما هو تاريخيّ، يتشكّل نسيج حكائيّ للبنى الأساسيّة المشيّدة للموروث الإنسانيّ، وهو ما ذهب إليه عدد من الروائيّين العرب لصياغة نصّ سرديّ محكم البنى، يؤكّد قدرة كاتبه على قراءة التاريخ بشكل يؤهّله لفهم أحداث الحاضر، بما شكّلته تفاعلات الماضي.

يقول صالح الكاظم في مقدّمة ترجمته لكتاب «الرواية التاريخيّة» لجورج لوكاش: "مع ازدياد الوعي بالحاضر، يزداد الاهتمام بالتاريخ، بوصفه خلفيّة الحاضر أو تاريخ الحاضر"[1]، وهو ما اجتهد في صياغته الكاتب والباحث الفلسطينيّ جمال أبو غيدا في روايته الأخيرة «تلاع الريح – الديماس»[2]، في محاولة ذكيّة لتفكيك التقوقع العربيّ في ديماس الأساطير من جهة، وفهم الثنائيّة الضدّيّة ما بين الشرق والغرب من جهة أخرى.

 "مع ازدياد الوعي بالحاضر، يزداد الاهتمام بالتاريخ، بوصفه خلفيّة الحاضر أو تاريخ الحاضر"[1]، وهو ما اجتهد في صياغته الكاتب والباحث الفلسطينيّ جمال أبو غيدا في روايته الأخيرة «تلاع الريح – الديماس»...

شيّد أبو غيدا عالمه السرديّ في فضاء مكانيّ متخيّل، هو «تلاع الريح»، في أزمنة ثلاثة، يمكننا أن نطلق على الأوّل منها «زمن القصّ»، الّذي تؤدّي فيه شخصيّة الكاتبة والباحثة يُمْنى فيصل النذيرات دور البطولة في نهج القراءة والتفكيك، والثاني «زمن الاستعمار» الّذي يدّعي فيه السير ألكساندر جيبسون أنّه أحد صنّاع تاريخ الشرق، في ما يذهب الراوي على نحو جدّيّ ليستعرض لنا زمنًا ثالثًا، يحيل إلى أزمنة التقوقع العربيّ في دياميس الأسطورة المتخيّلة، الّتي تتراءى فيها ملامح الشخصيّة العربيّة المأزومة منذ بداية القرن العشرين، كما الشيخان هزاع وثويني، من سلالة الإخوة الأعداء، عطاف وفرهود.

 

المستقبل العدوّ

أمّا «زمن القصّ»، فهو زمن البحث في العلاقة الجدليّة ما بين المستعمِر والمستعمَر، وظلال هذه العلاقة على متن وقائع الحاضر، المبنيّة على هامش أحداث الماضي أو كامتداد طبيعيّ له، وما تثيره من أسئلة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالاعتلالات الّتي لا تزال تحاصر الشعوب المستعمَرة على المستويين الفرديّ والجماعيّ، وهو ما عبّر عنه الراوي على المستوى الفرديّ، عبر تصوير العلاقة بين شخصيّة يُمْنى - القارئة والساردة – وخالها سالم الّذي بدأ حياته ثائرًا، وانتهى به المآل مذعورًا من بضعة كتب، قد تعيده إلى «سجن المزّة» في دمشق، الّذي دخله في زمن مضى على خلفيّة نضاله إلى جانب الشهيد عزّ الدين القلق، ذلك لأنّ "الحكومة والأجهزة الأمنيّة في بلادنا قد تغفر، ولكنّها لا تنسى"[3].

ولأنّ هذه الحكومات، هي «حكومات الضرورة»، كما يصفها السير ألكساندر نايجل، المقيم السياسيّ البريطانيّ في «تلاع الريح»، وأحد شخوص الرواية الأساسيّين، نجد الكثير من الإشارات المشحونة بالدلالات السياسيّة، الّتي يعبّر من خلالها الراوي عن كيفيّة ترك الاستعمار بصماته الواضحة على صفحات التاريخ العربيّ في القرن العشرين، وقت الحرب ووقت السلام، كما هو عنوان مذكّرات السير نايجل، الّتي ترجمتها الساردة الدكتورة يمنى، لا لتتخلّص من أوزار التاريخ، أو لتعيد تدويره، وإنّما لتوظّف ما تسمّيه بـ «لعنة المعرفة»، من أجل تحرير وطنها المتخيّل وشعبه، من براثن السيطرة الناعمة للمستعمر البريطانيّ، والتشظّي الفكريّ الّذي هيمن عليه حدّ البؤس والخوف من المستقبل، "سواء أفي زمن الحرب والاضطرابات كان ذلك أم في زمن السلم والهدوء (...) كان بؤسًا يمتاز بالخوف من شيء ما؛ الحذر من مجهول ما، حذر أشبه بالخوف من كلّ ما قد يجلبه المستقبل، بحيث يمسي المستقبل عدوًّا يطلّ برأسه صبيحة كلّ يوم أو كلّ رأس سنة جديدة، وما يستدعيه تردّد هذا العدوّ غير المرئيّ، والمتربّص دائمًا، من استعدادات دائمة لأن يباغتنا ونحن غافلون عنه، في الوقت ذاته الّذي تنعدم فيه ثقتنا بما تبدو عليه الأشياء في الحاضر"[4].

 

غلاف الرواية

 

وتُعَدّ حالتا البؤس والخوف هما ما أدخل المجتمع العربيّ بأنسجته المتنوّعة في مشكلاته الهوياتيّة، حدّ الشعور الدائم بمرض المتلازمة، الّتي لم تظهر أعراضها على نسيج اجتماعيّ دون غيره، ولكن على الجميع بلا استثناء، "أعراض المتلازمة ظهرت على السيّد عوفادياه كانت من أغرب ما رأيت، كانت تتعدّى مشكلة الهوياتيّة الّتي لطالما عانينا منها في التلاع (...) كان ذلك أمرًا - وربّما لم يزل - عصيًّا على الفهم، ولم يزل حتّى الآن يفوق قدرتي على التحليل السليم، كغيره من الأمور والقضايا الّتي حكمت وما زالت تحكم، ومن المؤكّد أنّها ستستمرّ في أن تحكم أشكال الحياة وطبيعتها في هذا الجزء من العالم... مهلًا... ولكن، ألم أقل لكم سابقًا: لله في شرقه شؤون؟"[5].

 

توزيع جغر ا- سيّ

إنّ الشرق الّذي تشير إليه الساردة هنا، إن أردنا تأويله، وفق طرح السرديّة في زمن الرواية الثاني، «زمن الاستعمار»، فلن نجده إلّا محاولة لفهم الاستشراق؛ وهذا يعني أنّه ليس موضوعًا حرًّا للفكر أو الفعل، على حدّ تعبير إدوارد سعيد، إذ يقول: "ينبغي للمرء ألّا يفترض أبدًا أنّ بنية الاستشراق ليست سوى بنية من الأكاذيب أو الأساطير الّتي ستذهب أدراج الرياح، إذا كان للحقيقة المتعلّقة بها أن تُجْلى (...) فإنّ الاستشراق ليس مجرّد موضوع أو ميدان سياسيّ ينعكس بصورة سلبيّة في الثقافة، والبحث، والمؤسّسات؛ (...) ثمّ إنّه ليس معبّرًا عن مؤامرة إمبرياليّة غربيّة شنيعة وممثّلًا لها؛ لإبقاء العالم الشرقيّ حيث هو، بل هو بالحريّ توزيع للوعي الجغرا- سيّ إلى نصوص جماليّة، وبحثيّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة، وتاريخيّة، وفقه لغويّة"[6].

هذا التوزيع الجغرا- سيّ، أو ما يسمّيه سعيد بـ «الشَّرْقَنَة»، كأسلوب اتّبعه الغرب لتدبّر الشرق، بل حتّى إنتاجه سياسيًّا، واجتماعيًّا، وثقافيًّا، وعقائديًّا، وعسكريًّا، لفرض السيادة عليه، هو ما دفع السير ألكساندر جيبسون نايجل إلى تدوين مذكّراته تحت عنوان «وقت للحرب، وقت للسلام... تلاع الريح: بعث أمّة»؛ ودلالة توظيف مفردة «البعث» هنا، لم تأتِ بشكل اعتباطيّ، ولا هي على سبيل المصادفة، وإنّما تكتسب أهمّيّتها من ربط الكاتب مفردة «البعث» في عنوان الكتاب المشار إليه بمعناها العقائديّ، حين نجده يعبّر عن الأمر غير مرّة، إمّا تلميحًا وإمّا تصريحًا، فجاء الأكثر وضوحًا لهذا الربط على لسان الشيخ ثويني، أحد شخوص الرواية، وهو يقول: "سأتشرّف بلقاء سعادة الشيخ هزّاع، مع كلّ ما دار بيننا وبين بني عمومتنا، (...) وكما وحّد نبيّنا محمّد برسالته هذه البلاد بصفَّيها حين فتحها المسلمون الأوائل، فإنّنا سنتوحّد اليوم تحت راية بريطانيا"[7].

التوزيع الجغرا- سيّ، أو ما يسمّيه سعيد بـ «الشَّرْقَنَة»، كأسلوب اتّبعه الغرب لتدبّر الشرق، بل حتّى إنتاجه سياسيًّا، واجتماعيًّا، وثقافيًّا، وعقائديًّا، وعسكريًّا، لفرض السيادة عليه، هو ما دفع السير ألكساندر جيبسون نايجل إلى تدوين مذكّراته...

هكذا راح السير نايجل يعمل بوصفه أوّل مقيم سياسيّ بريطانيّ في «تلاع الريح»، فضاء الرواية، بمبدأ "وجوب تربية الرعاع على قِيَم الخضوع، والبحث الضيّق عن المكسب الشخصيّ ضمن النواظم الّتي تضعها مؤسّسات السادة"، على حدّ وصف نعوم تشومسكي[8]، هذا المبدأ هو ما سمح لنايجل أن ينظر إلى الشرق والشرقيّين باستعلاء الغالب في نظرته إلى المغلوب؛ فدفعه هذا إلى استخدام أقذر الأوصاف والنعوت المبتذلة حتّى على القادة منهم، فعجّت الرواية على لسانه بالعديد منها، كأن نسمعه يصف أحدهم بالوغد المغرور مرّة، وآخرين بالحثالة ثانية، وبالأعراب الأجلاف في ثالثة، وبأبناء الزنا الصغار في عاشرة.

هذه النزعة النرجسيّة الأيديولوجيّة الواضحة لدى نايجل، شكّلت إطارًا مرجعيًّا استوقف الكاتب ليدور حوله دورة كاملة، بداية من صياغات الخطاب، الّذي لم ير شعوب الشرق بوصفهم مواطنين بل باعتبارهم رعايا، على الرغم من اعترافه بأنّهم السكّان الأصليّون؛ كانت نزعة غالبة على مذكّرات السير ألكساندر «وقت للحرب... وقت للسلام»؛ فاندفع الكاتب باتّجاه العمل على تبيانها، بأسلوب غاية في الفرادة والتميّز، حرّر خطابه من الشعاراتيّة من جهة، وتفكيك خطاب الآخر بوعي من جهة أخرى.

ولعلّ المشهد الأكثر دلالة على رؤيته للشرق، يكمن في وصف حال البلاد بالقول: "لست أنكر أنّ ما حدث، وما زال يحدث في التلاع، يكاد يتكرّر في التجمّعات البشريّة كافّة على امتداد صحراء العرب، (...) إلى درجة لا يمكن المرء فيها أن يختبر هذا المشرق على حقيقته، وبكلّ ما فيه من دمويّة ورومانسيّة سوى في ‘تلاع الريح‘، فالتلاع هي تجسيد مكثّف لكلّ الآثام والخطايا والرذائل، الّتي أورثها الزعماء والسحرة والأنبياء الكذبة لهذه البلاد برمّتها"[9].

 

دياميس الأسطورة

ولأنّ أحوال الشرق كانت - وما زالت - في حاجة إلى اجتياز المسافة الفاصلة، بين رؤية المستعمر وواقع الحال؛ ذهب الكاتب يعالج، في زمن الرواية الثالث، قضيّة الأسطورة ومكانتها المسيطرة على الوعي العربيّ، فكان أن استدعى حديث الجاهليّة وقصصها عن الأساطير المؤسّسة لـ «تلاع الريح»، الّتي كُتِبَت وفق الساردة من قبل أبو الحسن بن تاج الدين؛ لا ليعيد إنتاجها، بل لانتمائها إلى ماضٍ سحيق ما زال يحوم في لاوعي الإنسان العربيّ، ببساطة لأنّها "قد تستمرّ في الحاضر وتوجّه فهم المستقبل والتعامل معه، بالنظر إلى تأثيرها المستمرّ في الفرد والجماعة"، وفق تفسير الناقد محمّد عبيد الله[10].

الإفراط في معاينة فكرة الأسطورة وتأثيرها، يتساوى بهذا المعنى مع الاختزال أو عدم المعالجة؛ إذ كان لهذا الإفراط دور ما في تشتيت ذهن القارئ من جهة، وخلخلة الصلات الرابطة لشرط التلقّي الباحث عن المجهول...

غير أنّ هذا الجزء من المعمار السرديّ، يمكن أن يؤخذ على كامل السرديّة برأي كاتب هذه السطور، وذلك لما اعتراه من حشو زائد على الحاجة، على جبهتَي القصّ والمعالجة؛ فالإفراط في معاينة فكرة الأسطورة وتأثيرها، يتساوى بهذا المعنى مع الاختزال أو عدم المعالجة؛ إذ كان لهذا الإفراط دور ما في تشتيت ذهن القارئ من جهة، وخلخلة الصلات الرابطة لشرط التلقّي الباحث عن المجهول أو التماسك بين عناصر السرد، وأزمنة القصّ، ومستوياته الناظمة، وتحديد مساراته، من جهة أخرى.
 

سرد لافت لكاتب منتبه

ختامًا، وعلى الرغم من هذه الملاحظة الأخيرة، إلّا أنّ سرديّة الكاتب جمال أبو غيدا في «تلاع الريح»، تمكّنت من معالجة القضيّة الفلسطينيّة من زاوية مختلفة وجديدة، تناولت مسألة الاستشراق روائيًّا، وفكّكت بعض مصادر خطاب الذات والآخر وحمولته النخبويّة والشعبيّة، بسرد لافت لكاتب منتبه، ثمّ إنّها لم تغفل تناول الفروق الثقافيّة والنوازع العرقيّة والمذهبيّة في المنطقة؛ إلّا أنّ الأهمّ يكمن في تحديد هذه السرديّة لبعض عيوب الحالة العربيّة على المستويين الاجتماعيّ السياسيّ والثقافيّ من جهة، ورسمها خطًّا بيانيًّا لعثراتها ونواقصها المتراكمة والمفتعلة من جهة أخرى، وإن بدت البنية الدلاليّة للسرد كأنّها تنعى الخطاب العربيّ المعاصر بشقّيه: السلفيّ والعلمانيّ.

..........

إحالات:

[1] جورج لوكاش، الرواية التاريخيّة، ترجمة صالح جواد الكاظم، ط2 (بغداد: دار الشؤون الثقافيّة العامّة).

[2] جمال أبو غيدا، تلاع الريح (بيروت، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 2020).

[3] المرجع نفسه، ص 37.

[4] المرجع نفسه، ص 176.

[5] المرجع نفسه، ص 356.

[6] إدوارد سعيد، الاستشراق، ط4 (بيروت: مؤسّسة الأبحاث العربيّة، 1995)، ص 41-46.

[7] جمال أبو الغيدا، ص 415.

[8] نعوم تشومسكي، 501 سنة الغزو مستمر، ط2 (سوريا: دار المدى للثقافة والنشر، 1999).

[9] جمال أبو الغيدا، ص 143-144.

[10] محمّد عبيد الله، أساطير الأوّلين (عمّان: أزمنة للنشر والتوزيع، 2013)، ص 36.

 

 

أحمد زكارنة

 

 

شاعر وإعلاميّ يقيم في رام الله. يعمل في إذاعة "صوت فلسطين"، ويرأس تحرير موقع "اليوم الثامن"، كما عمل سابقًا مستشار تحرير في "صحيفة الحدث". له مجموعة شعريّة بعنوان "ما لم أكنه" (2017).

 

 

تعليقات Facebook