قصائد من مريد

مريد البرغوثي (1944 - 2021)

 

في الرابع عشر من شباط (فبراير) 2021، رحل الشاعر والروائيّ الفلسطينيّ مريد البرغوثي في عمّان، عن عمر 76 عامًا.

الشاعر المولود في دير غسّانة عام 1944، القريبة من رام الله، عايش النكبة في صباه، ثمّ انتقل لاحقًا لدراسة الأدب الإنجليزيّ في القاهرة، وفي عام 1972، نشر ديوانه الأوّل بعنوان «الطوفان وإعادة التكوين»، ومنذ ذلك الوقت، نشر البرغوثي 12 عملًا شعريًّا، بالإضافة إلى عمله الروائيّ الأكثر شهرة الّذي يحكي سيرته الذاتيّة «رأيت رام الله».

تنشر فُسحة - ثقافيّة فلسطينيّة، مقاطع شعريّة وقصائد للشاعر.

 

رضوى

على نَوْلِها في مساء البلادْ

تحاول رضوى نسيجًا

وفي بالِها كلّ لونٍ بهيج

وفي بالِها أمّةٌ طال فيها الحِدادْ

على نوْلِها، في مساء البلادْ

وفي بالِها أزرق لهبيّ الحوافّ

وما يمزج البرتقال الغروبيّ

بالتراكوز الكريم

وفي بالِها وردةٌ تستطيع الكلامْ

عن الأرجوان الجريم

وفي بالِها أبيضٌ، أبيضٌ، كحنان

على نوْلِها، في مساء البلادْ

وفي بالِها اللوتسيّ المبلّل بالماء

والأخضر الزعتريّ

وصوف الضحى يتخلّل قضبان نافذةٍ

في جدارٍ سميك يدفّئ تحت الضلوع الفؤادْ

على نوْلِها في مساء البلادْ

وفي بالِها السنبليُّ المُعَصْفَر

والزعفران الّذي قد يجيبكَ لو أنتَ ناديتَه

والنخيليّ وهو يلاعب غيمًا يحاذيه

في كفّها النوْل متعبةً

تمزج الخيط بالخيط واللون باللون

ترضى وتستاء، لكنّها

في مساء البلادْ

تريد نسيجًا لهذا العراء الفسيح

وترسم سيفًا بكفّ المسيح

وجلجلةً من عنادْ.

 

 

أمل

الأملْ،

ذروة اليأس يا صاحبي…

الأملْ

توجّع قليلًا، توجّع كثيرًا،

توجّع فإنّ الأملْ

ذاته موجعٌ

حين لا يتبقّى سواه

 

 

سيّدتان

سيّدةٌ تعرف كلّ محلّات الفضّة في باريس

وتشكو…

سيّدةٌ، تبكي كلّ خميسٍ في خَمْسِ مقابرْ

وتُكابِرْ

 

 

كذب

قل للمباحث طابَ يومك يا جراد

و يا جرادُ كم انتشرتْ عليّ الجرائد

يا جرائدُ كم كذبت عليّ المطابع

يا مطابع كم كذبتْ عليّ الأصابع

يا أصابعُ كم عقدتِ من المشانق

يا مشانق كم من الأرض استعدتِ من الغزاة

 

 

فصيح

ينتوي شرًّا ولا يقوى عليهْ

ويرى خيرًا ولا يمضي إليهْ

إنّنا نعرفهُ في حالتيهْ

بؤسه يختبئ الآن وراء الكلمات الباسلة

في ضجيج المهرجانْ

 

 

ترويض

تغيّرتُ

من بعض قرنٍ إلى اليوم

ما عُدْتُ نفسي.

قطعتُ المسافة بين ابتدائي وبين انتهائي

بغمضة عُمْرٍ

وما أغمض الراكضون ورائي

وكان اشتهائي فضاء

ولكنّني سِرْتُ نحو الشِّراك!

أنا الشجر المشرئبّ إلى مطلع الضوء

جُنّتْ عليّ العصيّ الطويلة

تضربُ أعضائيَ الخُضْرَ عامًا فعاما

فتُسْقِطُ عنّي خصالي وأوصاف قلبي

ألا تستطيع التلاقي بنفسكَ

إنّ المرايا تُكَذِّبُكَ الآن،

لا أنتَ ذاك العفيّ المزنّر بالشمس

والمتلألئ - كالبحر عند الشروق -

ولا أنتَ كالصورة المطمئنّة في صفحةٍ في الهويّة

كلّ ملامحك الآن مسلوبةً

والمواعيد زائغةٌ من خطاكْ

كأنّك تركض بين الإطارات، ترتدّ داخل إسمنتها الدائريّ

فمن أين تخرج؟

هم حدّدوك كأنّ الفراغ حواليك سورْ،

وقد حاصروك كأنّ الخلاء حواليك يوم النشورْ،

وقد أفردوك كأنّ البلاد خلت من سِواكْ!

وما زلت تستهجن الحادثات

وتبكي

كطفلٍ نجا بعد موت ذويه.

وتسمع عبر المسافاتِ من غابة الناسِ صوتًا

تصيح: “هو الصوت”!

لكن، يجيء مروّضك المتبرّج

بالسوط والسكّر الماكر المُطْعِم

والزركشات المضيئةِ في ضجّة العازفين

وفي بهجة المذبحة:

على عُنُق النمر سلسلةٌ من ذهبْ

على لبْدة السبع شال الحرير!

على قدم الفهد خلخال فضّة

تساقطت الآن كلّ الصفات عن الوحش

إذ أتقن الركض بين الإطارات

حتّى تمكّن هذا المروّض أن يعتليه

فما عاد في قاعة الضوء وحشًا

وإن عاد للغاب

أضحى فريسة مَنْ يشتهيه

تَغَيَّرْتُ

رُوِّضْتُ

من بعض قرنٍ إلى اليوم

لم أكتهل، غير أنّي أضعت معاني صبايْ

تساقَطَتِ الآن عنّي خصالي وأوصاف قلبي

فبتُّ أرى في المرايا سوايْ

وأستهجن الناطقين باسمي

وأبكي

كشيخٍ نجا بعد قتل بنيهِ!

وما زلت أسمع صوت المُرَوِّضَ

مبتهجًا

وتعاليمه مستجابةْ

يروّض وحشًا

فيحرقُ غابةْ

وما زلتُ أسمع من شجر الناسِ صوتًا

يحاول أن يقتربْ

 

 

لي قارب في البحر

«...» أنا ختام هزائم العربيّ وهو هزيمتي الأولى وعاري طائِلُهْ

قل إنّني مَنْ يُخْرِجُ الأشكالَ من أضدادها

يبني ويهدم ما استطاعت كفّه ومعاولُهْ

قل إنّني شقٌّ نحيلٌ في جدار الوقت يكمن في انتشاري هولُهُ وزلازلُهْ

قل إنّني الدربُ الحرامُ ومَنْ مشاهُ ومَنْ هَدَتْهُ مشاعِلُهْ

قل إنّني مَنْ يحفظ القسماتِ حتّى لو تَقَنَّعَ قاتِلُهْ

قل إنّني سَكْبُ الغمامِ، على أواخِرِهِ تهلُّ أوائِلُهْ

قل إنّني نَزْفُ الحمامِ إذا هَوَتْ عند الحدودِ زواجِلُهْ

قل إنّني ساعي البريد من الشهيد إلى الشهيد لكي تُصانَ رسائِلُهْ

قل إنّني مَنْ كان من غاياته نسجُ الحياةِ كما القميص وإنْ بدا أنّ القبورَ وسائِلُهْ

وأنا البشاشة والوجوم أنا التراجع والهجوم أنا السؤال وسائِلُهْ

قل إنّني مَنْ لو تكادُ يداهُ أن تتصافحا مع مستبدٍّ لم تُطِعْهُ أنامِلُهْ

قل إنّني البنت الجموحةُ أفلتت من سِجْنِها القَبَلِيَّ تُدمي كفّها أقفالُهُ وسلاسِلُهْ

قل إنّني سأموت دون مداخل الوطن الّذي تعطى الحجارةَ والصغارَ مشاتِلُهْ

قل إنّني بحرٌ تتالى فيه غرقاه الكثارُ وما بَدَتْ للمبحرينَ سواحِلُهْ

قل إنّني المجنونُ، أبصرُ موت حلمٍ رائعٍ… وأواصِلُهْ 

 

 

تعليقات Facebook