مريد البرغوثي... يستيقظ كي يحلم

منزل في دير غسّانة

 

في التراجيديا لا يقرأ المرء قصّة حياة الإنسان، وإنّما يصغي مجازًا، إلى خطاه وهو يسترق السمع لأغاني الخريف، حين تهبط الملائكة بلا ميعاد مسبق لإسراء الروح إلى معراجها المنتظر. هكذا يمكنك أن تستسلم راضيًا مرضيًّا لنداء الشاعر مريد البرغوثي، في مجموعته الشعريّة الأخيرة «استيقظ كي تحلم» (رياض الريّس، 2018)، وكأنّنا به يحشد ما استطاع من طاقة اليقظة؛ ليغزل على منوال ثنائيّات الغياب والخلود، البدايات والنهايات، الحياة والموت، لا لشيء إلّا لكي يضع الحلم في بؤرة الضوء.

هكذا يلجأ البرغوثي من خلال استدعاء الحلم عبر اليقظة في العنوان، عبر صيغة الأمر «استيقظ»؛ لفتح نوافذ النصّ على قدّاس نسق الموالاة، لتهشيمه ببلاغة تؤكّد خروجه الواعي على الواقع ومعادلاته المرحليّة بكلّ عناصره الماثلة وأشيائه المتحوّلة، رفضًا لمنطق فرض عليه لغة تحدٍّ، من شأنها إطلاق العنان لفضاء مفتوح على كلّ معاني المواجهة لمصير مزدحم بالخراب.

 

حضور الغائبين

ولأنّ امتحان البراءة، وفق تعبير إبراهيم نصر الله، عادة ما يثير الحنين، يفتتح البرغوثي مجموعته بإهداء إلى زوجته الراحلة الروائيّة رضوى عاشور، يليه قصيدة حنين تجمع كلّ الأحبّة من بشر وحجر، على الرغم من عدم لقاء الإنسان، وهي هنا الزوجة، بالمكان هناك، دير غسّانة قضاء رام الله، فنجده يقول في قصيدة «خلود صغير»:

"وأنا، بجناحين قد حَدَثَا فجأةً/ شاهقًا، ومطلًّا على كلّ هذا المدى/ ربّما صرتُ طيرًا ولي نظرة الطيرِ/ فالآن أعرف بالضبط ما نظرة الطير/ أعرفها" (ص 11).

 

 

بهذه البلاغة العميقة، يمتطي الشاعر هنا صهوتين تَداخل فيهما الحسّيّ بالتجريديّ؛ صهوة الحنين إلى المدى الّذي حلّق فوقه بجناحين، وصهوة الصيرورة الّتي بات معها طيرًا له نظرة راح يعرفها؛ ليستدعي من خلالها نصفه الغائب الحاضر، رضوى، إلى جانب أمّه وأخويه مجيد ومنيف، في مشهد واحد يصرّ على كامل الحضور رفضًا للغياب، فيقول:

"خلف أزرار هذا القميص الخفيف/ أواصل أشغال مَنْ ظلّ حيًّا: أدفّئ ‘رضوى‘ من البردِ/ يسهر عندي ‘مجيدٌ‘/ وتقطف ‘أمّ منيفٍ‘ زهور حديقتها في انتظار ‘منيفْ‘" (ص 13).

وفي الأثناء لم ينسَ الشاعر، أن يمارس فعل النقد لواقع الحال، الّذي دفعه إلى مثال هذا الاشتباك ما بين الحسّيّ والتجريديّ:

"وأُغمض جسمي وعيناي مفتوحتانِ/ كشبّاك أمّي وشبّاكها لم يطلّ على لهو أحفادها في حديقتها بل على لهو ‘ربّ الجنود‘ بأيّامنا، وانقلاب الصفات إلى عكسها وفساد الضحيّة من رأسها، وانهيار المنى والسقوفْ" (ص 12-13).

هذا النزوع إلى النقد، لم يسلم منه الموت الّذي يُعْتَقَد، حسب رؤى الشاعر، أنّه يمتلك ميزة تغيّب الأرواح بتغييبه للأجساد؛ وهذا ما دفع البرغوثي إلى استهجان فعل الموت واصفًا إيّاه بالفاشل، لحظة إثباته أنّ اللغة يمكنها أن تقيم جسرًا واصلًا بين الحياة والموت، أو ما بين جسد وجسد، فنجده يقول في النصّ نفسه:

هذا النزوع إلى النقد، لم يسلم منه الموت الّذي يُعْتَقَد، حسب رؤى الشاعر، أنّه يمتلك ميزة تغيّب الأرواح بتغييبه للأجساد؛ وهذا ما دفع البرغوثي إلى استهجان فعل الموت واصفًا إيّاه بالفاشل...

"وها نحن نمشي معًا في صباح الجبالِ/ نقول ونسمع نتعب نبطئ نرتاح نسرعُ/ نغضب نغفرُ/ ننسى نتوه قليلًا ونسألُ/ ونذكر بيتًا من الشعر للمتنبّي/ ونضحك من نكتةٍ خالطت دمعنا/ هل أغيّر للموت رأيًا وأقنِعه أنّه فاشلٌ؟ أيقتنع الموت أنّي أسير بأقدامهمْ؟ فخطايَ خطاهم/ وعينايَ أعينهم/ والقصيدة إصغاؤهم" (ص 13-14).

 

حوارات

تأتي مجموعة «استيقظ كي تحلم» في 38 قصيدة، موزّعة على ثلاثة أجزاء، كُتِبَت كما يشير الشاعر في نهاية الكتاب، خلال 13 عامًا، بين عامَي 2005 و2018؛ وفي مدن عدّة هي رام الله، وعمّان، والقاهرة، وبيروت، وإقامة تفرّغ للكتابة في بيلاجيو سنتر على بحيرة كومو في إيطاليا؛ ممّا يعني أنّ الكتابة لدى الشاعر فعل وجودٍ، يمكنه أن يمثّل الرافعة المرجوّة نحو هزيمة الغياب، لصالح قوّة الحضور ولو مجازًا؛ الأمر الّذي لاحظناه في القصيدة السابقة، ويمكننا معاينته في عديد القصائد التالية، الّتي كان أهمّها بخلاف قصيدة الافتتاح: «خلود صغير»، «فليحضر التاريخ»، «أعرِفهم»، «لست قبيلة نفسي»، «الّذين غادروا»، «نسخ»، «سوء تفاهم»، «كشرفةٍ سقطتْ بكلّ زهورها – إلى محمود درويش»، «منطق الكائنات مرّة أخرى»، ونثريّة رثاء يوم غابت رضوى عاشور بعنوان «وثيقة».

ويناقش البرغوثي في الجزء الأوّل من المجموعة أفكارًا مهمّة، كالموت والحياة والخلود، ويخاطب فيه التاريخ والحرب، مستنكرًا كلّ أشكال الخنوع والاستسلام أو مبرّراته، داعيًا إلى الحرّيّة والثورة.

أمّا الجزء الثاني المعنون بـ «منطق الكائنات»، فيقوم على فكرة تقصّي أثر مواقف الشاعر من الأشياء، متبنّيًا معادلة المرء وظلّه، أو لنقل الشاعر وصوته الآخر، كأن يكون ضمير المتكلّم (أنا) هو ذاته ضمير الآخر (هو)، بشرًا أو شيئًا. ويلاحظ القارئ في هذا الجزء ذهاب الشاعر نحو إقامة حوار مع الوقت، والقلعة، والظلّ، والدرج، والغيمة، والنوم، والنجّار، والباب، والمنفيّ. وهو في حقيقة الأمر حوار مع الذات بكلّ تفاصيلها المستترة والعارية، ولننتبه لخلاصات نصّ «قال المصباح السحريّ»:

"قال المصباح السحريّ للولد المُعْدَم: كَذَبَتْ كلّ حكايات الأجداد عليك/ الأمنية الكبرى ليست في القمقم/ لم تُعْطَ يَدَيْنِ لتفرُكَ مصباحًا سحريًّا وتنام/ استيقِظْ كي تحلم" (ص 131).

ولأنّ «القصيدة بناء» في عُرْف البرغوثي، كما عبّر عن ذلك في غير حوار، فإنّ عديد قصائد هذه المجموعة بحمولاتها الدلاليّة، يذهب لطرح الأسئلة مرّة، واقتراح الإجابات مرّات أخرى...

في ما خصّص الجزء الثالث للحديث عن «وثيقة» أهداها الكاتب إلى رفيقة دربه رضوى عاشور، مذكّرًا نفسه بضرورة عدم الانشغال عنها ولو بالحزن، فهي كما كتب يقول: "تركتهم لا ليبكوا بل لينتصروا".

ولأنّ «القصيدة بناء» في عُرْف البرغوثي، كما عبّر عن ذلك في غير حوار، فإنّ عديد قصائد هذه المجموعة بحمولاتها الدلاليّة، يذهب لطرح الأسئلة مرّة، واقتراح الإجابات مرّات أخرى، وصولًا إلى إقامة محاكمات افتراضيّة للتاريخ والحرب والقبطان وغيرهم، ولكنّ السؤال الّذي لم يتركنا البرغوثي لنطرحه على أنفسنا أو عليه، بل هو مَنْ فَعَل: "هل المصباح وحده مَنْ مارس فعل الكذب؟"، لتأتينا الإجابة الواضحة والمباشرة في قصيدة «فليحضرِ التاريخ»، حين يقول:

"أعد الرواية من جيوب لصوصها/ فرواية المظلوم تُسْرَقُ كالرغيف وكالمخازن/ لا تعرّفنا كأضدادٍ لخصمٍ أنت قد صادقته/ وكأنّنا من قبله غيمٌ تبدّد أو ظلالٌ وظنون/ وكأنّنا من قبله شبحٌ بلا جسدٍ (...) وأنتَ تُنيمُ كلّ صفاتها في نصف سطرٍ/ ثمّ ترحل في مدرّعةٍ لتتقن جدول الأرقام، لسنا نشرة الأخبار، بل لسنا مجرّد ‘خصمهم‘، بل نحن ‘نحن‘. لنا صفاتٌ قبل أن يصلوا وبعد رحيلهم. ونصيبُ أحيانًا ونخطئ، أو يقال لنا انتهيتُمْ، ثمّ نبدأ" (ص 26-27).

 

درويش والسيّدة

ولكي يكتمل نقش القصيد في هذه المجموعة، كان لا بدّ من حضور «عدّاء المسافات الأنيقة»، صديقه الّذي خدعه وغاب، محمود درويش، «ابن الكلّ» الفلسطينيّ الّذي وصفه في مرثيّة لم تكفّ عن المحبّة والشوق والعتاب، وكأنّها وسيلة عناقه الطويل لجغرافيا الروح، الّتي ما فتئت توقظ الكلمات والمعنى المكرّس في حبّ البلاد وبحر البلاد:

"وكأنّه إذ مات أخلَف ما وعدْ وكأنّنا لُمْناهُ بعضَ الشيء يوم رحيله وكأنّنا كنّا اتّفقْنا أن يعيش إلى الأبدْ

‘محمود ابن الكلّ‘ - قالت أمّه، وتراجعت عن عشبه، خفرًا، لتندفعَ البلد. يا ويحها ‘حوريّة‘! هل أدركت أنّ البلاد لتوّها قد ودّعت من كلّ عائلة ولد؟" (ص 90-91).

وكأنّنا به يصدح عاليًا، أنا صوت الراحلين الباقين إلى الأبد، لا لشيء إلّا لكونها أي الحبيبة، رضوى، كما يقول: "تركَتْنا بعدها لا لنبكي، بل لننتصر"...

يختم البرغوثي مجموعته بنصّ نثريّ باذخ بعنوان «افتحوا الأبواب، لتدخل السيّدة»، وهو النصّ الممهور بجلال الوفاء والإخلاص لشريكة دربه وروحه الحاضرة الغائبة رضوى، الّذي رفض أن يستسلم لحزنه كي لا يشغله عنها، وهو القائل: "مَنْ ينشغلْ بحزنه على فقْد المحبوب، ينشغلْ عن المحبوب" (ص 134)، وكأنّنا به يصدح عاليًا، أنا صوت الراحلين الباقين إلى الأبد، لا لشيء إلّا لكونها أي الحبيبة، رضوى، كما يقول: "تركَتْنا بعدها لا لنبكي، بل لننتصر" (ص137).

 

 

أحمد زكارنة

 

 

 

شاعر وإعلاميّ يقيم في رام الله. يعمل في إذاعة "صوت فلسطين"، ويرأس تحرير موقع "اليوم الثامن"، كما عمل سابقًا مستشار تحرير في "صحيفة الحدث". له مجموعة شعريّة بعنوان "ما لم أكنه" (2017).

 

 

تعليقات Facebook