«منتصف الليل» لمريد البرغوثي... ضفّتا الحزن والمسرّة

الراحل مريد البرغوثي (1944 - 2021)

 

التاريخ تجربة الضرورة

أن تكون فلسطينيًّا يعني أن تحمل عبء الماضي الثقيل على كتفيك في كلّ يوم، بينما تمارس حياتك الاعتياديّة، وهذا الحمل ليس بذخًا أو إفراطًا في المشاعر، فـ "التاريخ تجربة الضرورة" كما يصفه فريدريك جيمسون، الّذي يقول أيضًا إنّ "التاريخ هو ما يؤلم، فهو يرفض الرغبة، ويضع حدودًا عصيّة على التغيير على ممارسات الفرد والجماعة"،  فكيف إذن يستطيع الفرد فصل الماضي عن الحاضر، خاصّة إذا كانت الذاكرة الجمعيّة مثقلة بالألم والجراح، كحال الفلسطينيّ الّذي لم يزل جرحه نازفًا؛ لأنّ الاحتلال لمّا يتحوّل إلى ماضٍ بعد؟

كان مريد البرغوثي (1944-2021) من هؤلاء الكتّاب الّذين لم يتخلّوا عن طرح القضيّة الفلسطينيّة في كتاباتهم، وقد عاش بنفسه معاناة الاحتلال والشتات والمنفى.

لقد أخذ الكاتب الفلسطينيّ على عاتقه تحويل هذه الآلام إلى تجربة لغويّة فنّيّة، تجسّد المعاناة بشكل جماليّ؛ ليشهد العالم بشاعة الاستعمار وضنك العيش في كنفه. كان مريد البرغوثي (1944-2021) من هؤلاء الكتّاب الّذين لم يتخلّوا عن طرح القضيّة الفلسطينيّة في كتاباتهم، وقد عاش بنفسه معاناة الاحتلال والشتات والمنفى.

يقول البرغوثي في سيرته الذاتيّة «رأيت رام الله»، الّتي تحكي قصّة عودته إلى الوطن عام 1996 بعد سنوات طويلة في المنفى: "حصلت على ليسانس من قسم اللغة الإنجليزيّة وآدابها، وفشلت في العثور على جدار أعلّق عليه شهادتي" (ص 12).

 

رحلة الألم

يعكس البرغوثي في قصيدته «منتصف الليل» - وهي قصيدة طويلة نُشرت ضمن كتاب عام 2005 – يعكس تجربة الفلسطينيّ الّذي يمتدّ كجسر بين الماضي والحاضر، حيث يقع زمن القصيدة في ليلة رأس السنة، وتدور الأحداث من خلال صور متلاحقة تدور في خلَد الذات الشعريّة، فتبدأ القصيدة بإلقاء رزنامة سنةٍ مضت في سلّة المهملات، وتنتهي بتعليق رزنامة السنة الجديدة. وبين هذين الزمنين - أو "بين ضفّتَي الحزن والمسرّة" (ص 10)، على حسب وصف الشاعر، يعيش الفلسطينيّ مأساته اليوميّة. 

تحاكي قصيدة البرغوثي بشكلها ومضمونها رحلة الألم الفلسطينيّة، فتقدّم مونتاجًا لصور مجتَزَأة تجمعها ثيمة الحياة والموت، وتتعدّد الأصوات الشعريّة في القصيدة بين الحوار الدراميّ وضميرَي المخاطَب والمتكلّم، اللذين يحاكيان مونولوجًا داخل الذات الشعريّة الّتي تعجّ بالمعاناة والرغبة في تجاوز الماضي، والسير قدمًا نحو المستقبل، ولكن أصوات النعي وأجراس الموت تقاطعها في كلّ مرّة:

بعد النعي،

بعد كلّ نعي

سأخلق إفطارًا بسيطًا

سأذهب إلى أعمالي البسيطة

سأمرّ على الحاجز الآن أيضًا

العمر صفر.

الحياة غدًا

‘غدًا وغدًا! وغدًا‘" (ص 69).

 

وهنا يقدّم البرغوثي أيضًا قصيدة «الباستيش -Pastiche » الّتي تستقي أفكارها من نصوص سابقة كالقرآن ومسرحيّات شكسبير، وتُقَوْلِبُها في سياق فلسطينيّ، فتجسّد قصيدة «منتصف الليل» - من خلال التناصّ مع مسرحيّة شكسبير «ماكبث» - عبثيّة الحياة الّتي تفرض على الإنسان أن يعيشها يومًا بيوم، دون أن يشهد أحد ألمه، فها هو "يصول ويجول ساعته على الخشبة ]أي خشبة مسرح الحياة[، ثمّ لا يُسمَع له صوت". (البرغوثي، ص 69، مقتبس عن شكسبير). 

 

الهويّة في حيّز ضيّق

يحاول الفلسطينيّ هنا التعبير عن هويّته في حيّز ضيّق؛ فقد أُغْلِقَت في وجهه كلّ آفاق التعبير، وغدًا يعيش في "عالم محشور في سيّارة إسعاف" (منتصف الليل، ص 67)، ولكن تكرار لازمة "غدًا وغدًا! وغدًا" - المقتبسة من مسرحيّة شكسبير - في القصيدة، توحي بأنّ الفلسطينيّ يحاول تجاوز جغرافيّة المكان، عن طريق خلق هويّة ممتدّة تعيد تشكيل نفسها من رماد الانكسار؛ فهذه الهويّة ليست مقيّدة بجسد واحد، بل تتقمّص أجسادًا شتّى في غير زمن كي تحافظ على بقائها: 

ها أنت مقتول على الأرض

والأرض بصحّة جيّدة!

قلبك متوقّف تمامًا

والتراب حولك ينبض!

دورتك الدمويّة

تكمل شغلها خارج جسمك! (ص 13).

 

إنّ الهويّة الفلسطينيّة تمتدّ خارج الجسد والأرض والمسرح وسيّارة الإسعاف؛ لتحافظ على ماضي الفلسطينيّ وتاريخه، دون أن يكون هذا الماضي عائقًا للتطلّع إلى المستقبل. ربّما تكون هذه الفكرة مشابهة لمصطلح «إعادة الذاكرة - Rememory» الّذي قدّمته توني موريسون لوصف المعضلة الإفريقيّة الأميركيّة، والّذي يحثّ الفرد على تجاوز ألم الماضي مع عدم طمسه من الذاكرة الجمعيّة.

قصيدة «منتصف الليل» حبلى بالمعاناة الفلسطينيّة المكتظّة بالموت والفقد والألم، إلّا أنّها تؤكّد حبّ الفلسطينيّ للحياة، مقابل الأعداء الّذين تصفهم القصيدة بالمصابين بهستيريا الانتصار...

ولكن هنا يجب الأخذ بعين الاعتبار بأنّ هذه المهمّة أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الفلسطينيّ؛ لأنّ الاحتلال لمّا ينتهِ بعد. ومع ذلك يستيقظ الفلسطينيّ كلّ صباح وفي قلبه أمل بغدٍ أفضل، فعلى الرغم من أنّ قصيدة «منتصف الليل» حبلى بالمعاناة الفلسطينيّة المكتظّة بالموت والفقد والألم، إلّا أنّها تؤكّد حبّ الفلسطينيّ للحياة، مقابل الأعداء الّذين تصفهم القصيدة بالمصابين بهستيريا الانتصار، الّذي صار هوسًا يؤدّي إلى المزيد من القتل والريبة في نفوسهم:

                  أيّها الأعداء [. . .]

                  كم من النصر سيكفيكم لكي تنتصروا؟

                  أيّها الأعداء «شيء ما» يثير الشكّ فيكم

                  ما الّذي يجعلكم، في ذروة النصر علينا

                  خائفين؟ (ص 85).

 

تقدّم قصيدة «منتصف الليل» أنموذجًا عن حياة الفلسطينيّ بكلّ تناقضاتها، ويحاكي شكل القصيدة الواقع المتأزّم؛ فالصور البصريّة المتشظّية، والموسيقى الشعريّة المضطربة، تعكسان كلّ هذه الفوضى الّتي يعيشها الفلسطينيّ في كلّ لحظة، فهو مَنْ يرى الموت ويمضي إلى الحياة، وينتظر الولادة رغم الموت، ويعلّق رزنامته الجديدة تفاؤلًا بغدٍ أجمل يليق بحبّه للحياة.

 

 

د. سميّة الحاجّ

 

 

أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزيّ في جامعة بيرزيت، حصلت على درجة الدكتوراه من الجامعة الأردنيّة عام 2016، وقد تخصّصت في الأدب الكاريبيّ ودراسات ما بعد الاستعمار. لها العديد من الأبحاث في النقد والنظريّة الأدبيّة.

 

 

تعليقات Facebook