الشاعر الّذي يجوب العالم بـ «قصائد سفر»

فرنسيس كومب

 

فرنسيس كومب Françis Cobmes شاعر فرنسيّ معروف، من مواليد عام 1953، عضو ناشط في الحزب الشيوعيّ منذ شبابه، وصحافيّ ومترجم. أصدر مجموعة كبيرة من الدواوين الشعريّة، ويكتب منذ التسعينات «قصائد سفر»، وهو مفهوم للشعر مأخوذ بفكرة «قصائد الريبورتاج» الّتي كتبها ناظم حكمت. وهي على شكل «ريبورتاج شعريّ» يصف مكانًا أو بلدًا في العالم. وقد أصدر فرنسيس كومب مجموعات شعريّة عدّة تحمل هذا الطابع مثل «دفتر الصين الأزرق» عام 2005. أمّا كتاب «قارب الصيّاد» (La barque du pêcheur) الصادر عام 2012 عن دار النشر الفرنسيّة «المنار»، الّذي ترجمنا بعض قصائده هنا، فقد كرّسه لوصف رحلاته في العالم العربيّ. وهو لا يعكس نظرة سائح، فمعظم هذه السفرات، كما يُشير إلى ذلك غلاف الكتاب "يحمل وراءها دوافع أدبيّة وسياسيّة". يكتبها بلغة أليفة، واقعيّة وغنائيّة في نفس الوقت، وتعبّر عن روح دعابة جدليّة، وإقصاء للجدّيّة، والتجهّم في الكتابة. وقصائده في هذا الديوان "مصحوبة بسخرية ذاتيّة غير مأخوذة بفكرة الغرائبيّ في البلاد الّتي يزورها، أو الحنين المابعد كولونياليّ". وهو من المناصرين للقضايا العربيّة، ومن الّذين راهنوا على نجاح الاشتراكيّة العربيّة قبل أن يبوء مشروعها بالفشل، ومناصر للرواية التاريخيّة الفلسطينيّة، ومن دعاتها في فرنسا، وهو شاعر سياسيّ بنفَس راديكاليّ، تعبّر قصائده عن ذلك بلا مواربة، وإلى حدّ المباشرة في بعض الأحيان. ولغته الشعريّة يوميّة متدفّقة، قريبة من النفس، كأنّها اقتُطعت من حديث يوميّ. وهي سرديّة غالبًا وتحمل فكرة تقود القصيدة حتّى نهايتها. وفرنسيس كومب على معرفة شخصيّة بشعراء فلسطينيّين عدّة، كأحمد دحبور ومريد البرغوثي وغسّان زقطان، وأهداهم بعضًا من قصائده؛ فقد أهدى قصيدة بعنوان «أعرف سجنًا اسمه غزّة» إلى أحمد دحبور. وقد كتب لي مقدّمة ديواني الشعريّ «عناقات متأخّرة» الّذي صدر في فرنسا بعد لقائي به في «مهرجان سيت الشعريّ». وكتب فرنسيس كومب قصيدة طويلة بعد زيارته فلسطين عام 2003، بعنوان «العودة من فلسطين»، وهي سلسلة طويلة من القصائد، وقصيدة «حرير الرجال» الّتي ترجمناها هنا هي إحداها. أمّا قصيدتا «فندق القدس» و«مطار بن غوريون» فقد نُشرتا في كتابه «قارب الصيّاد». وسبق أن ترجم الشاعر طاهر وطّار قصائد لفرنسيس كومب إلى العربيّة، وكذلك الشاعرة السوريّة مرام المصري، الّتي ترجمت مختارات من قصائده صدرت في كتاب بعنوان «يلزم كلّ شيء لصنع العالم وأكثر». وفرنسيس كومب مؤسّس دار النشر الفرنسيّة المعروفة بتخصّصها في مجال نشر الشعر الفرنسيّ والأجنبيّ Le temps de cerises، وهو الآن بصدد تأسيس دار نشر جديدة تختصّ في الشعر والسياسة، بصحبة عدد من الشباب الكتّاب.  

 

فندق القدس

Jérusalem hôtel

قفوا قليلًا للحظة

اجلسوا هنا على التِراس

في ظلّ عريشة عنبٍ عذراء

قرب شجرة الليمون

أعيروا أذنكم لحظة

لهمساتٍ سرّيّة

لشلّال ماءٍ صغير

يسيل على أقدام الشجرة

عصفورٌ يتقاز بين الكراسي

زبائن مألوفون يأتون ويذهبون

فتاتان شابّتان

في نعومة المساء

تدخّنان النرجيلة

هنا للحظة، نستطيع الاعتقاد

أنّ البلد الّذي حولنا هو شيءٌ آخر

غير خريطةٍ مسيّجةٍ بآثار الجراح

وممزّقةٍ إلى قطعٍ صغيرةٍ تحترق

هنا لنا أن نعتقد

أنّنا على سطح الأرض

وأنّنا بشرٌ عاديّون

وأنّنا نعيش في سلام!

 

 

مطار بن غوريون

Aéropot Ben Gourion

في طريق العودة

في قسم التفتيش

شبّانٌ صغار، نساءً ورجالًا

يرتدون قمصانًا بيضاء

يعبثون في أغراضي

برفقٍ مرتدين كفوفًا شفّافة

يفتّشون جواربي وملابسي الداخليّة

يقلّبون جهازي الكمبيوتر

قلمي وعلبة الأدوية

يُفْرِغونَ محفظة أدوات الحمّام

ويتفحّصون هدايا لزوجتي وأطفالي

ويطلبون إنزال حزامي، رفع يديّ للأعلى، والانتظار لحظةً طويلة

يتفحّصون جيوبي

ويصوّرون بالأشعّة حذائي

يتفحّصون كتبي ونصوصي

صفحةً صفحة، بجدّيّة

ليس لقراءتها

 (نحن في بلد ديمقراطيّ!)

لكن بمهنيّةٍ عالية

من أجل مصلحتي والركّاب الآخرين

للتأكّد من أنّه ليس هناك قنبلةٌ مُخبّأة.

ثمّ فجأةً، يتركونني أمرّ

بعينَيَّ اللّتين رأتا ما رأت

وأذنَيَّ اللّتين سمعتا ما سمعت

ورأسي الّذي يفكّر فيما يفكّر!

 

 

حرير الرجال

La soie des hommes

سكّان هذا البلد

الّذين يعيشون بين

الأسلاك الشائكة

لديهم غالبًا قلبٌ من حريرٍ

مثل بابٍ مفتوحْ

لكنْ في بلدنا)

بين الّذين يعيشون بحرّيّةٍ

كثيرٌ لديهم قلوبٌ مسيّجة

 مثل بابٍ مغلقْ)

 

 

طلبٌ متواضع 

Modeste demande

نعم، أعترف

لقد طفح كيلي

كثيرًا

من كتابة قصائد ضدّ الحروب

والعنصريّة

والاستغلال

والظلم

وانتهاك البشر

والطبيعة...

أتمنّى أن أكتب

حول مواضيع

تستحقّ ذلك حقًّا:

النساء

الأطفال

الورود

والطيور...

إذن،

لو سمحتم أصدقائي

سدّدوا لي خدمةً بسيطة:

خلّصوني من الإمبرياليّة!

 

 

سهل

Facile

إنّه من السهل تبديل الليل بالنهار

(الشمس تفعل ذلك كلّ صباح)

إنّه من السهل تحويل الثلج إلى ماء

(بضعةُ أشعّةٍ تكفي)

من السهل إطلاق الزهور

من أطراف الجذوع القديمة

(إطلالةٌ من الربيع تكفي)

من السهل تغيير هذا العالم

عديم المساواة

وغير العادل

(يكفي من أجل ذلك الشيء القليل: أن نتّحد)

 

 

أنس العيلة

 

 

 

شاعر وكاتب فلسطينيّ مقيم في باريس، أصدر عدّة مجموعات شعريّة تُرجمت إلى الفرنسيّة، آخرها "عناقات متأخّرة". ينشر مقالاته في مجلّات ثقافيّة وأكاديميّة.

 

 

تعليقات Facebook