الجدار اللامرئيّ... سرديّة الوحدة المرعبة

SAJIN SASIDHARAN

 

كوخ في غابات الألب

"اليوم، في الخامس من نوفمبر، بدأت بكتابة هذا التقرير. سأحاول أن أسجّل ملاحظاتي بدقّة قدر المستطاع. ولكن... أنا لست متأكّدة حتّى إن كان اليوم هو الخامس من نوفمبر حقًّا". هكذا تستهلّ الراوية حكايتها في رواية «الجدار»، للكاتبة النمساويّة مارلين هاوشوفر، موطّدة لعلاقة لايقينيّة، متشكّكة، بين القارئ والنصّ. نُشِرَت هذه الرواية عام 1968، وهي رواية من فئة أدب «الدستوبيا»، أدب «المدينة الفاسدة»، أو «أدب ما بعد نهاية العالم».

يحدث أن تذهب امرأة في رحلة صيد إلى خارج المدينة، وخارج الحداثة، إلى فضاء مفتوح من الطبيعة والغابات، ثمّ تستيقظ في اليوم التالي لتجد أنّ العالم برمّته، العالم الّذي تعرفه، قد اختفى إلى الأبد خلف جدار لامرئيّ، جدار شفّاف، لكنّه مادّيّ جدًّا وملموس، يفصل بين المكان الّذي توجد فيه البطلة والعالم الخارجيّ الّذي جاءت منه. شيء تعجز البطلة عن فهمه واكتشاف ماهيّته واختراقه، فتفترض أنّه سلاح من نوع ما، خاصّة عندما تكتشف مع الوقت أنّ كل ما هو على الجهة الأخرى من الجدار ميّت.

تدفعك هذه الرواية إلى خوض تجربة العزلة على غير صعيد، بدءًا من كون تجربة القراءة نفسها تجربة أساسها الانفراد، والانعزال عن الآخرين والمحيط، وكونها تجربة من غير الممكن خوضها جماعيًّا أو مشاركتها، فحتّى إن قرأ الكتاب غير شخص في نفس الوقت...

يفرض الجدار نفسه، وإن كان غير مرئيّ؛ فهو موجود، وتستطيع البطلة تلمّسه، كما تستطيع أن ترى أثر وجوده في الحياة والطبيعة، فتجد البطلة نفسها وحيدة في عالم معزول، لا تعرف حدود الجدار، كما لا تعرف العدوّ الّذي صنعه، ولا تعرف كم تبقّى غيرها من الأحياء، بل إنّ كلّ ما تعرفه عن العالم لم يَعُد مجديًا ألبتّة في المكان الّذي هي فيه: كوخ خشبيّ وسط غابات الألب. تمتدّ الرواية في نسختها الإنجليزيّة المترجمة عبر 248 صفحة، بصوت أحاديّ، صوت البطلة الّتي لا نعرف اسمها. يختفي اسمها مع اختفاء العالم الّذي جاءت منه. لم يَعُد أحد يناديها به؛ لذلك فهو لم يَعُد موجودًا. تخوض البطلة رحلة صراع من أجل البقاء، فتعيد اكتشاف الطرق البدائيّة للحفاظ على حياة لا غاية لها، ولا دافع سوى الغرائز الأوّليّة، الّتي توحّد بين الإنسان والطبيعة، ولا تميّز بين الإنسان والحيوان. كلّ شيء يركض هربًا من الموت، بل أسوأ: هربًا من مصير مجهول.

لا شكّ في أنّه من الصعب قراءة مثل هذا العمل؛ فالصوت الأحاديّ يقتل الإحساس بالوقت، ويحاصر القارئ في تجربة الوحدة الوجوديّة، في عالم من الجدران اللامرئيّة والخوف والفناء. ثمّة عالم واحد في الرواية، العالم الّذي تخبرنا عنه البطلة. رؤية واحدة، وقصّة واحدة، وإنسان واحد فقط لا نعرف أَنُصَدِّقَهُ أم لا.

تدفعك هذه الرواية إلى خوض تجربة العزلة على غير صعيد، بدءًا من كون تجربة القراءة نفسها تجربة أساسها الانفراد، والانعزال عن الآخرين والمحيط، وكونها تجربة من غير الممكن خوضها جماعيًّا أو مشاركتها، فحتّى إن قرأ الكتاب غير شخص في نفس الوقت، فإنّ فرادة عقل كلّ شخص وفرادة تجاربه الوجوديّة تعني أنّ الكتاب سيُترجم بغير طريقة، ثمّ بوجود راوٍ وحيد متوحّد في ذاته وتجربته وتفسيره ونقله ما يحدث من حوله، فتكون نظرته إلى العالم هي نافذة القارئ الأولى والأخيرة، وصوته هو الصوت الوحيد الّذي سيسمعه القارئ، ويحيا من خلاله أحداث الرواية.

في عام 2012، حُوِّلت هذه الرواية إلى فيلم باللغة الألمانيّة يحمل العنوان ذاته «الجدار»، من إخراج جوليان بولسلر، وبطولة الممثّلة الألمانيّة مارتينا جيديك. لا يمكن بالطبع مقارنة الفيلم بالرواية، فلا يمكن فيلمًا مدّته أقلّ من ساعتين أن ينقل التجربة الروائيّة كاملة، ولا بدّ في هذه الحالة من الاستغناء عن كثير من التفاصيل والأحداث. لكنّ الفيلم نجح تمامًا في أن يخلق تجربته الخاصّة عبر تقنيّات السرد البصريّ، والأهمّ بأداء الممثّلة الّذي أشاد به النقّاد.

 

الوحدة فلسفيًّا

مع بداية جائحة كورونا عام 2020، بدأت الجدران اللامرئيّة تخترق الحيوات وتغيّرها إلى الأبد. في البداية، شهدت الدول الأوروبّيّة معارضة للبروتوكول المتّبع في الصين، في عزل الأشخاص وفرض التباعد القسريّ، ثمّ أصبح الأمر حتميًّا لا يمكن تفاديه. شهدت دول كثيرة حركات معارضة وصفت أنّ فرض إجراءات الحظر والتباعد هو تعدٍّ على الحرّيّات، لكنّ العدوّ اللامرئيّ أرضخ الجميع في النهاية؛ فخلف الجدران اللامرئيّة ثمّة موت ينتظر. لأوّل مرّة في التاريخ عاشت البشريّة تجربة الوحدة القسريّة، بعد أن شهدت العقود الأخيرة ما يمكن أن نسمّيه انفجارًا في التواصل الإنسانيّ.

ارتبط موضوع الوحدة والانعزال بالفكر الحديث ليس كمفهوم فقط، بل تجربة حتميّة لإنتاج الفكر الأصيل والإبداع، بدءًا من فلاسفة التنوير مثل جان جاك روسو وديكارت، وصولًا إلى الفلاسفة الوجوديّين.

 

ارتبط موضوع الوحدة والانعزال بالفكر الحديث ليس كمفهوم فقط، بل تجربة حتميّة لإنتاج الفكر الأصيل والإبداع، بدءًا من فلاسفة التنوير مثل جان جاك روسو وديكارت، وصولًا إلى الفلاسفة الوجوديّين.

إنّ مفهوم رينيه ديكارت عن العالم، ما يُسمّى بالعالم الديكارتيّ، أسّس لمبدأ العقلانيّة الغربيّة، الّتي ترى أنّ العقل فوق كلّ شيء. هنا يأتي الجسد والتجربة الحسّيّة في مرتبة دونيّة مقارنة بالعقل؛ فالعقل البشريّ المعزول بأفكاره وأصواته الداخليّة هو الأعلى قيمة، وقدرته على الإتيان بأفكار أصيلة هو القيمة الحقيقيّة للوجود وإثبات للذات، كما أعلن ديكارت في عبارته الشهيرة: "أنا أفكّر، إذن أنا موجود". إنّ المفكّر الكارتيزيّ (الديكارتيّ) مفكّر منعزل داخل عقله، منفصل عن جسده وتجاربه الحسّيّة مع العالم الخارجيّ. هنا بدأت الوحدة والعزلة تتشكّل كشرط حتميّ للإبداع والأصالة، كما نظر أهمّ الفلاسفة الوجوديّين: كيركغارد ونيتشه وهيدغر.

يرى كيركغارد أنّ الوحدة كتجربة هي حتميّة ثقافيّة وفكريّة، أي أنّ الإنسان المبدع والخلّاق لا بدّ من أن ينعزل عن ثقافة الحشود، ورغم أنّ تجربة الانفصال تجربة مؤلمة، فإنّ على الإنسان أن يتحمّل هذا الألم، ولا بدّ من خوضه من أجل الوصول إلى معرفة الذات. أمّا نيتشه فقد كان أكثر تطرّفًا ضدّ ما أسماه «الحشود» – الناس العاديّين في المجتمع، واعتبر أنّ الإبداع لا يمكن أن يحدث إلّا بالانفصال عن الحشود الفانية في عبوديّتها. ثمّ جاء هيدغر ليقدّم تصوّرًا أكثر نضوجًا عن دور العزلة في تحقّق الذات الأصيلة في عمله الشهير «الوجود والزمن». ورغم أنّه اعترف بكون الإنسان كائنًا اجتماعيًّا، وبأهمّيّة التواصل الإنسانيّ في حياة الفرد، وأنّ الإنسان يعرّف هويّته من خلال وجوده مع الآخرين، إلّا أنّه اعتبر أنّ الوصول إلى الذات الأصيلة لا يمكن أن يحدث إلّا عبر تجربة الوحدة والانفصال.

رغم أنّ أصوات المفكّرين، الّذين احتفوا بالوحدة والعزلة، كانت هي الأكثر حضورًا، إلّا أنّها قوبلت بآراء مناهضة من مفكّرين آخرين ينتمون إلى ذات المدرسة، اكتسبوا حديثًا أهمّيّة كبيرة، خاصّة في العقود الأخيرة مع انتشار شبكات التواصل الإلكترونيّ وانفجار التواصل، الّتي نتج عنها أشكال أكثر حدّة من الوحدة والعزلة. أحد المفكّرين الّذين شهدت أفكارهم «بعثًا» في الآونة الأخيرة هو المفكّر مارتن بوبر (وهو ليس المفكّر والفيلسوف كارل بوبر).

كان مارتن بوبر (1878 – 1965) فيلسوفًا مهتمًّا بحقل الظواهر الوجوديّة، واختلف مع فلاسفة عصره بخصوص الوحدة والعزلة، وقد أسّس لإحدى أهمّ النظريّات الّتي تُسْتَخْدَم حديثًا في فهم طبيعة الصلة البشريّة.

 

رعب الوحدة

قدّم مارتن بوبر مفهوم «أنا – أنت» علاقةً ضروريّة لفهم الذات البشريّة، واعتبر أنّ الإنسان لا يمكن أبدًا أن يفهم ذاته، أو يفهم العالم بشكل مكتمل، إلّا من خلال علاقته بالآخرين. لاقى هذا المفهوم قبولًا واسعًا لدى بعض المحلّلين النفسيّين، مثل المحلّل النفسيّ الألمانيّ لودفينغ بنسوانغر (1881 - 1961)، الّذي استعاره وبنى عليه. يرى بنسوانغر أنّ تجربة الوحدة تنبع أساسًا من القدرة على الحبّ، الّتي عرّفها بأنّها القدرة على الاندماج في الحضور العاطفيّ المشترك لشخص آخر. يرى بنسوانغر الوجود الإنسانيّ أنّه وجود حواريّ، ليس بمفهوم اللغة فحسب، بل كونه تجربة تحدث في مساحة من العواطف والتجارب الإنسانيّة المتداخلة. ولا يمكن الإنسان أن يفهم وجوده وذاته دون أن يخوض هذا الحوار الإنسانيّ المشترك. ومن هنا، يعرّف بنسوانغر الوحدة بأنّها «الوجود العاري»، أو «الرعب العاري».

في مقالتها الشهيرة «الوحدة»، لخّصت المحلّلة النفسيّة الأمريكيّة فريدا فروم ريتشمان أهمّ مشكلة يواجهها العلماء عند دراسة مفهوم الوحدة، وهي أنّ الوحدة أمر مرعب، لا يحبّ الناس خوضه، ولا يحبّ الناس الحديث عنه؛ ولذلك تصعب دراسته وتشخيصه...

في مقالتها الشهيرة «الوحدة»، لخّصت المحلّلة النفسيّة الأمريكيّة فريدا فروم ريتشمان أهمّ مشكلة يواجهها العلماء عند دراسة مفهوم الوحدة، وهي أنّ الوحدة أمر مرعب، لا يحبّ الناس خوضه، ولا يحبّ الناس الحديث عنه؛ ولذلك تصعب دراسته وتشخيصه. في دراسات عدّة أجراها علماء النفس، وعند سؤالهم عمّا إذا كان الأشخاص قد شعروا بالوحدة في ما مضى، عبّر كثير من المشاركين بصفتهم حالات دراسيّة أنّهم عاشوا هذه التجربة، لكنّهم لم يكونوا نفس الشخص الّذي هم عليه الآن. تعلّق فروم - ريتشمان على هذا بأنّ الناس عادة لا يعترفون بأنّهم وحيدون، أو بأنّهم كانوا في مرحلة ما وحيدين، وأنّهم يعتبرون أنّ الحالة الّتي عاشوها في الماضي لا تخصّهم ولا تعبّر عنهم. إنّ الوحدة أمر منبوذ، وهذا الرعب شعور غريزيّ، من حيث إنّ الوحدة والانفراد عن المجموعة ترتبط بالموت والفناء.

يتّفق علم النفس الحديث على أنّ بقاء الإنسان وحيدًا لفترة طويلة، سيؤدّي إلى نتائج لا يمكن عكسها، لكنّهم يتّفقون أيضًا على أنّ ما يميّز الشعور بالوحدة عن الشعور بالاكتئاب والحزن، على سبيل المثال، هو أنّ الأشخاص الوحيدين يبذلون كلّ ما في وسعهم كي يتواصلوا مع شخص آخر، إلى درجة أن تبدو هذه المحاولات عنيفة أو غير لائقة، وتعتبر تدخّلًا أو تطفّلًا من الآخرين. هنا يتجلّى الخوف من الوحدة كخوف غرائزيّ دفين، لا يتعلّق ذلك بكونك شخصًا انطوائيًّا Introvert أو شخصًا اجتماعيًّا Extrovert، فكلّ إنسان في حاجة إلى تواصل مع مَنْ يشبهه، أو يتماهى معه في التجربة الوجوديّة. والأشخاص الّذين يفشلون في تكوين هذه الصلة، يواجهون خطر الوصول إلى مكان لا عودة منه، حيث يفقدون كلّ المهارات الضروريّة لتكوين علاقات صحّيّة مع الآخرين.

يقول جبرا إبراهيم جبرا في روايته «السفينة»:

في الصميم نحن وحيدون، حياتنا أشبه بالعلب الصينيّة: علبة داخل علبة، وتتضاءل العلب حجمًا، إلى أن تبلغ العلبة الصغرى في القلب منها جميعًا، وإذا في داخلها، لا خاتم ثمينًا من خواتم ابنة السلطان، بل سرّ أثمن وأعجب: الوحدة.

في نهاية الأمر، لا بدّ من أن يختبر كلّ إنسان تجربة الوحدة الوجوديّة، ويشعر بذلك العراء يكتسيه ويعرّضه للألم والمعاناة. لكنْ ثمّة فرق كبير بين الوحدة كتجربة وجوديّة مؤقّتة يتمخّض عنها عمل إبداعيّ، وبين الوحدة كتجربة قسريّة، تفتح هوّة بين الإنسان وذاته، الّتي تشكّلت بفعل وجوده الإنسانيّ المشترك، فيفقد صلته بعالمه المألوف ويجد نفسه تصارع للبقاء بين جدران لامرئيّة. إنّ الوحيدين يخوضون صراعًا حقيقيًّا، لا متخيّلًا، في ألّا يفقدوا ذواتهم وقدرتهم على فهم العالم؛ لأنّ العالم بالنسبة إلينا تجربة حواريّة، ولا بدّ من أن نفهم ما يحدث لنا من خلال حوار، حتّى لو كان حوارًا على الورق كما فعلت بطلة رواية «الجدار»، كان هذا الحوار محاولة أخيرة للخلاص، انتهت بصمت مفجع مع انتهاء ما تبقّى لديها من أقلام رصاص.

في زمن الكورونا، كان الناس أكثر حظًّا مع وجود شبكات التواصل الإلكترونيّ، الّتي تُتّهم في العادة بأنّها تزيد من إحساس الوحدة والعزلة في النهاية، إلّا أنّها كانت إلى حدّ ما أداة لاستمرار الحوار الإنسانيّ. يستشهد الكثير من المدافعين عن قدرة شبكات التواصل في تغيير حياة الناس، بنظريّة مارتن بوبر حول علاقة «أنا – أنت»، ويستخدمونها في تفسير إقبال الناس على استخدام هذه المنصّات، رغم جميع السلبيّات الّتي يدركونها ولا يدركونها ولكن يشعرون بها. إنّ جوع الأشخاص للتواصل الإنسانيّ يدفع الناس إلى استخدام كلّ ما هو متاح، لئلّا يفقدوا هذه الصلة، وقد يتنازلون عن أشياء كثيرة مقابل ألّا يبقوا وحيدين.

 

قراءة الواقع بالأدب

كانت جائحة كورونا مناسبةً لاستحضار العديد من الأعمال الأدبيّة إلى واجهة النقاش والحوارات الثقافيّة والنقديّة، مثل رواية «الغثيان» للفيلسوف الوجوديّ جان بول سارتر، ورواية «الطاعون» لألبير كامو، ورواية «العمى» لجوزيه ساراماغو، في محاولة لمقاربة الواقع واستيعابه من خلال تفكيكه عبر اللغة. هنا نلمس أحد تجلّيات الأدب كتجربة وجوديّة، وإن كانت لم تحدث في العالم الواقعيّ، فهي تجربة متخيّلة تحضر إلى العالم عبر اللغة. بمعنًى آخر؛ فإنّ قراءة الأدب تساعدنا على فهم العالم من حولنا.

في رواية «الجدار»، تبرّر البطلة حاجتها إلى الكتابة بأنّها لا تريد أن تفقد عقلها. يعرّف لاكان «فقدان العقل» أو اضطراب العقل بأنّه خروج الإنسان من النظام الترميزيّ (اللغة)، وبذلك يكون فقدَ أداة تواصله مع العالم، وفقد صلته بالعالم.

 

حسب المحلّل النفسانيّ الفرنسيّ جاك لاكان، فإنّه - وبمجرّد أن يبدأ الطفل باكتساب اللغة - ينتقل في تجربته مع العالم إلى مرحلة النظام الترميزيّ، ويبدأ بترجمة علاقاته بالأشياء وعلاقة الأشياء ببعضها بعضًا، عن طريق النظام الترميزيّ، وهي اللغة. إنّ دخول الإنسان لمرحلة النظام الترميزيّ يُفْقِدُهُ صلته الطبيعيّة البدائيّة بالعالم، ويجعله جزءًا من نظام اجتماعيّ ومعرفيّ يتسلّل إليه عبر اللغة؛ فيتعلّم من خلال اكتسابه للغة كيف يرى العالم، وكيف يفسّر ما يراه. مع كلّ ما يصحب هذه المرحلة من خسارات؛ إذ يفقد الإنسان فرصته/ قدرته في أن يكون كائنًا مستقلًّا عن الأنظمة المعرفيّة الّتي يُوْلَدُ ضمنها، إلّا أنّ هذا يعني أيضًا أنّ اللغة هي الوسيلة الّتي نستخدمها لفهم ذواتنا وفهم ما حولنا.

في رواية «الجدار»، تبرّر البطلة حاجتها إلى الكتابة بأنّها لا تريد أن تفقد عقلها. يعرّف لاكان «فقدان العقل» أو اضطراب العقل بأنّه خروج الإنسان من النظام الترميزيّ (اللغة)، وبذلك يكون فقدَ أداة تواصله مع العالم، وفقد صلته بالعالم.

إنّ الإنسان خارج النظام الترميزيّ إنسان مضطرب، غير قادر على التواصل فكريًّا مع مجتمعه ومحيطه، وغير قادر على تفسير العالم وفق النظام المتوافق مع جماعته، وهو إنسان وحيد بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنى؛ فهو لا يشعر بالوحدة، بل يمثّل حالة معزولة عن مجتمعها. ولكي يستعيد الإنسان عقله، فإنّه في حاجة إلى العودة إلى النظام الترميزيّ الّذي اكتسبه في طفولته، أي أنّه في حاجة إلى استعادة اللغة الّتي يحتاج إليها لفهم العالم من حوله. إذن، كان لا بدّ للبطلة المعزولة من أن تجد مدخلًا للتواصل مع ذاتها والعالم من حولها عبر اللغة، وإن كان ليس ثمّة من قارئ فلِمَ تكتب؟ كانت في حاجة إلى التواصل مع ذاتها، عبر فعل القراءة والكتابة، في لحظة فقدت فيها صلتها بالعالم البشريّ.

إنّ علاقتنا بالنظام الترميزيّ - بجميع أشكاله - ليس علاقة اختياريّة حسب لاكان، بل هي الطريقة الوحيدة الّتي نملكها لفهم ذواتنا. بالتالي، تصبح كلّ تجربة بالنسبة إلينا فعل قراءة: تحويل الأشياء إلى النظام الترميزيّ، ثمّ إسقاط النظام الترميزيّ على الأشياء. نحن في حالة دائمة من قراءة الأشياء حولنا، وفي اللحظة الّتي لا نعود قادرين فيها على قراءة ما حولنا، فإنّنا نفقد قدرتنا على الفهم والتعريف. ونحن أيضًا في حالة دائمة من الحوار، ليس الحوار اللغويّ فحسب، بل حوار التجارب الوجوديّة وتشارُك فضاءاتها، ولا يمكننا نحن كبشر، على ما نحن عليه، أن نتصوّر العالم بشكل مختلف.

 

 

أنستاسيا قرواني

 

 

 

كاتبة ورسّامة فلسطينيّة متخصّصة في أدب الأطفال، صدر لها كتاب بعنوان "كوزي".

 

 

 

تعليقات Facebook