عن المختبر البنائيّ في أعمال نوري الجرّاح

مجموعات نوري الجرّاح المُتناوَلَة في المقالة

 

يضعنا نوري الجرّاح في مختبره الشعريّ أمام سؤالين اثنين، في تناولنا للبناء الفنّيّ والشكليّ عنده، الأوّل علاقته بالوجود من حيث شروطه وأشراطه، والثاني سؤال التجربة والذات من حيث الغرضيّة المضادّة، الّتي يشير إليها خلدون الشمعة وصبحي حديدي في تقديمهما لمجموعتَي «رسائل أوديسيوس» و«يوم قابيل والأيّام السبعة للوقت».

سأتطرّق إلى ثلاث مجموعات للجرّاح، محاولًا الإجابة عن شكل البناء فيها ومنها، خاصّة أنّنا نُعنى من خلال هذه المقالة بأسئلة البناء الفنّيّة والشكليّة البصريّة والمُقاربة في معادِلاتها لحقول ثقافيّة ومعرفيّة عديدة.

قد لا يشير الشاعر بالضرورة بعد كلّ قصيدة إلى تاريخ كتابتها، لكنّه يصدّر المجموعات بتلك الإشارة الّتي قد تبدو بريئة للوهلة الأولى، لكنّها مختبر شكليّ يتراوح بين الزمان والمكان...

 

لا أخفي بأنّني وقعت في ورطة كبيرة؛ لأنّ تناول شعر الجرّاح على المستوى الفنّيّ، بمعزل عن ثيماته وموضوعاته، هو في حدّ ذاته ضرب من ضروب الشركِ بالشعر. وسأحاول مع ذلك أن ألمّح، وأن أفتح الهامش على المركز والمركز على الهامش، كما يفعل الجرّاح.

لو بدأنا بمجموعته «يوم قابيل والأيّام السبعة للوقت» (دار راية للنشر - حيفا، 2012)، فهو يحيل المجموعة بدايةً إلى المسافة الزمنيّة الّتي كُتِبت فيها هذه القصائد، من 1990 إلى 2012. من خلال هذه الإشارة توصّلت إلى ما تكرّر في مجموعات أخرى: «يأس نوح» الصادرة عام 2014، ومجموعة «رسائل أوديسيوس» الّتي اختارها وقدّم لها خلدون الشمعة، إلى ما أطلقت عليه «البناء الزمانيّ» في قصائد الجرّاح، وهي قائمة على قوائم عدّة قد أحكمَ الشاعر خلقها، كهندسة وجوديّة بالتآلف والتنافر في أحايين كثيرة.

 

البناء الزمانيّ

والبناء الزمانيّ تحديدًا تشكيل يتجلّى كخيار فنّيّ، يمتح من دالّة الزمن معناه. قد لا يشير الشاعر بالضرورة بعد كلّ قصيدة إلى تاريخ كتابتها، لكنّه يصدّر المجموعات بتلك الإشارة الّتي قد تبدو بريئة للوهلة الأولى، لكنّها مختبر شكليّ يتراوح بين الزمان والمكان، وسنرى العلاقة الوثيقة في قائمة البناء هذه؛ لأنّها تقوم بالضرورة على منح مسافة ومساحة لتقلّب الأساليب وتلاطمها. إذن، فنحن أمام مختبر شعريّ ينأى عن غرضيّته إلى ضدّه شكلًا ومضمونًا.

لن يكون بالإمكان في هذه العجالة أن أتناول ثيمات هذا المختبر الشعريّ، ولكن من خلال رؤية الجرّاح الفلسفيّة، وشعريّته القائمة على الخصام مع الذات، ومحاولة تجاوز اللغة والحقول الدلاليّة، فإنّ نظرته الوجوديّة هي كلّيّة وحدويّة، حين يستحضر لنا الجرّاح الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربيّ، إحالةً لهذه الرؤية الوجوديّة الرحبة:

رأى البرقَ شرقيًّا فحنَّ إلى الشرقِ

ولو لاحَ غربيًّا لحنَّ إلى الغربِ

فإنّ غرامي بالبروقِ ولمحِها

وليسَ غرامي بالأماكنِ والتربِ

 

ومن هذه الكلّيّة الوجوديّة في نظريّة «وحدة الوجود»، يصاحب كذلك الجرّاح شكله وبناءَه؛ فهو الدمشقيّ القبرصيّ اللندنيّ الأندلسيّ... يرى أنّ له بقعة في كلّ أرض تطؤها قدمه، فالإنسان يرث الأرض شرقها وغربها، وبهذا التشكّل المكانيّ والزمانيّ لضرورة التلاطم الفنّيّ تقوم رؤية الجرّاح نحو العالم والوجود؛ فلا يمكن بذلك الفصل إذًا بين الغرضيّة الضدّيّة في التآلف والتنافر معنويًّا، عن شكل البناء المقدَّم مقترحًا جماليًّا، يعيش في كلّ أرضٍ ويسعى إلى مراقبة التطوّر الشعريّ. تطوّر قصيدة الجرّاح أساليبَ ولغةً على امتداد طوليّ وعرضيّ، أفقيّ وعموديّ، كما نلاحظ هذا البناء في مجموعاته الأولى، بالإحالة إلى سنوات كتابة القصائد، «صعود إبريل» (1990-1995)، و«طريق دمشق» (1990-1997).

إدراك الشاعر الفطريّ، أو التنبّه العميق لمسافة زمانيّة متفاعلة مع البُعْد الفنّيّ الجماليّ، هي ما يجعل من النصّ في شكله مختبرًا تتلاطم فيه الأنساق والبصائر والشكّ المزمن...

إنّ التصاق الجرّاح بنصّه الشعريّ لا يجعله سريع التحلّل بهذه السهولة، الّتي نتخيّل شاعرًا في عمليّة إقباله على النشر، وقد تكون فلسفة المسافة الجماليّة جزءًا من التكوين البنائيّ في مجموعاته؛ فإنّ إدراك الشاعر الفطريّ، أو التنبّه العميق لمسافة زمانيّة متفاعلة مع البُعْد الفنّيّ الجماليّ، هي ما يجعل من النصّ في شكله مختبرًا تتلاطم فيه الأنساق والبصائر والشكّ المزمن.

وعلى هذا الأساس؛ فإنّ البناء الزمانيّ يشكّل بناءً عضويًّا يتشابك فيه الشكل بالمضمون في مجموعات الجرّاح كلّها، وأعني بهذا التشابك، أنّ القصيدة تمرّ زمانيًّا بمعالجة متأنّية من حيث مشروعها وشرط وجودها، وعلاقة القصائد زمانيًّا برؤيته البنائيّة؛ فالبناء الزمانيّ ليس يكون ترتيبًا عفويًّا، بل يعكس تجربة إنسانيّة عميقة، وتتشظّى فيها الذات مع الواقع والتاريخ والأسطورة.

 

البناء البصريّ

القائمة الثانية للبناء الفنّيّ عند الجرّاح ما أسمّيه «البناء البصريّ للمجموعة الشعريّة». لستَ في حاجة إلى أن تكون ناقدًا أو شاعرًا شديد الذكاء، لترى الفرق بين مجموعة «يوم قابيل والأيّام السبعة للوقت» ومجموعة «يأس نوح». تظهر قصيدة «الأيّام السبعة» في كلتا المجموعتين، وهذا أمر من النادر أن يتكرّر، نفس النصّ في مجموعتين شعريّتين، لكنّي أحيل ذلك إلى سببين:

الأوّل: أنّ مجموعة «يوم قابيل والأيّام السبعة للوقت»، الصادرة عن «دار راية للنشر - حيفا» عام 2012، واضح فيها حضور الشوائب والحشو الشكليّ، من حيث التصميم الطباعيّ والبصريّ للمجموعة. في المقابل نلاحظ ظهور القصيدة ذاتها في مجموعة «يأس نوح»، لكن هذه المرّة بإمكانك التعامل معها بانسيابيّة رغم ضجيجها ودمويّتها، وكذلك من اللافت كان حذف كلمة "للوقت" من عنوان القصيدة، وفي تقديري أنّ هذا الحذف موفّق من ناحية الحشد الدلاليّ والبناء الزمانيّ، من ناحية الخضوع لميكانيزميّات البناء.

والبناء البصريّ التقنينيّ، الّذي يبرز في مجموعات الجرّاح المتأخّرة، تشير بوضوح إلى رؤيا فنّيّة جماليّة تشكيليّة، عمادها المينيملزم (التقليليّة)، وقد يكون الجرّاح بهذا المعنى متأثّرًا بالفنون البصريّة على أشكالها...

الثاني: هو ما قلناه سابقًا عن الجرّاح، الّذي يترك مسافة جماليّة وزمانيّة لتلاطم الأشكال والأساليب؛ ففي مجموعة «يأس نوح» الصادرة عن «المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر» عام 2014، نلاحظ بناءً أقلّ توتّرًا وحشوًا من مجموعة «يوم قابيل والأيّام السبعة للوقت». المجموعة تحوي أربع قصائد: 1) يأس نوح (بالإشارة الزمانيّة، 2013-2014). 2) الأيّام السبعة (إلى رامي ورفاقه في التراجيديا السوريّة، 2011-2012). 3) أكتُبُ قلبي (تنويمة لأجل طفل). 4) أطفال قوس قزح (لأجل الأطفال الّذين ناموا الليلة بعيدًا عن أسرّتهم، 2014). وتخلو المجموعة من الفهرس، ويكتفي الشاعر بتصدير واحد في بداية المجموعة "أنا نوحُ، يا خالقي".

حول التقنين والتقليل على مستوى البناء، فكأنّنا بالشاعر قصدًا يقنّن البناء والشكل لصالح الغرض الأسمى ولصالح الضحايا، حتّى ليطغى المضمون على الشكل قصدًا. والتقليل مردّه أنّ موضوعات النصوص ليست على انفصال ولا تنافر كما في مجموعاته السابقة، ولعلّ ثمّة إحالة للفترة الزمانيّة الّتي كُتِبَت فيها هذه القصائد، بالنيابة عن صوت الضحايا في التراجيديا السوريّة، ليشكّل الوجود التراجيديّ والدمويّ الجماعيّ في لغة الجرّاح، محاولة توظيف في صوته الفرديّ شكلًا وشعرًا. وتبقى مجموعة «يأس نوح» وثيقة تاريخيّة شاهدة على التراجيديا بشروط الإبداع.

والبناء البصريّ التقنينيّ، الّذي يبرز في مجموعات الجرّاح المتأخّرة، تشير بوضوح إلى رؤيا فنّيّة جماليّة تشكيليّة، عمادها المينيملزم (التقليليّة)، وقد يكون الجرّاح بهذا المعنى متأثّرًا بالفنون البصريّة على أشكالها، كيف لا وهو الّذي لا يُخْفي رغبته الجامحة في فنّ التصوير؟ حيث يهتمّ أيضًا بنشر صور عديدة على صفحته الخاصّة في الفيسبوك، صور لأماكن ولأزمنة متعدّدة الدلالات والحضور، وكيف يرتبط هذا العنصر برؤيته البنائيّة، من حيث التقليل بالمفردات وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة، فنراه يولي أهمّيّة قصوى أيضًا للعتبات النصّيّة، واختيارها بعناية فنّيّة وزمانيّة وبصريّة، ثمّ إنّه في اختياره للفهرس يذهب إلى الحاجة المضمونيّة المرتبطة بالضرورة الجماليّة لهذه الخيارات، فتترك مجمل هذه الملامح انطباعًا بأنّ الشاعر له رؤية بصريّة للتصميم والحضور الشكليّ للقصائد، وترتيبها وتوزيعها توزيعًا عادلًا، وهذا لافت في مجمل مشروع الجرّاح الشعريّ.

 

البناء الأسطوريّ

نشهد حشدًا أسطوريًّا في عناوين المجموعات ومجموعات القصائد، فكلّ العناوين والعتبات النصّيّة هي إلماعة توجّه إلى شخصيّات تاريخيّة، تقوم على التناصّ والأقنعة: نوح الّذي يحيلنا إلى قصّة الطوفان، وقابيل مقابل هابيل، مضمرًا في نزاعهما على الأرض كلّ دوائر الدلالات اللاحقة وحقولها، وأوديسيوس، وقصائد عديدة تحمل عناوين نرسيس وشخصيّات هوميريّة... نرى شاعرنا يغرف من مادّة الأسطورة شخصيّاته وثيماته المعادلة لذاته، المتشابكة مع الواقع والحرب والتراجيديا السوريّة، وإذا كان حضور الأسطورة حاضرًا في شعر الجرّاح على مستوى الموضوعات، فهي لا تكون على انفصال عن الشكل؛ لأنّ رؤية الشاعر الكونيّة للوجود الإنسانيّ، أزمنته وأمكنته، لا تتنافر مع تعالق الشكل والمضمون في مجموعاته الشعريّة.

إنّ اهتمام الجرّاح بأدب الرحلة على المستوى البحثيّ، لا يترك مجالًا للشكّ في أنّه ابن الجغرافيا الكونيّة، والأسطورة بهذا المعنى موروث إنسانيّ جمعيّ لكلّ أهل المعمورة، وعلاقة كلّ ذلك بالبناء...

إنّ التصاق أسماء الشخصيّات بالعتبات النصّيّة لا يعني بالضرورة تحقّق الأسطورة، ولكن بلا أدنى شكّ فإنّ قصيدة الجرّاح تصنع من أسطورتها شعرًا خالدًا كما يقول سارتر، بمعنى أنّ علّة الوجود الشعريّ عند الجرّاح هي امتداد للأسطورة وما تمثّله من قيمة تاريخيّة، وفي علاقتها بالوجود الإنسانيّ، فإذا كان الإنسان خالق الأساطير فهي لغاية وجوديّة محضة، تقوم على الانفصال عن الواقع، وكذلك الرؤية الشعريّة عند الجرّاح بملامحها الأسطوريّة، هي تحاول أن تنطلق من عالم الذات المهجور في فهمه للحياة والوجود، وعلاقته بالعالم.

إنّ اهتمام الجرّاح بأدب الرحلة على المستوى البحثيّ، لا يترك مجالًا للشكّ في أنّه ابن الجغرافيا الكونيّة، والأسطورة بهذا المعنى موروث إنسانيّ جمعيّ لكلّ أهل المعمورة، وعلاقة كلّ ذلك بالبناء، في الجزئيّات الّتي تشكّل الكلّ؛ فالبناء بهذا المعنى لا ينفصل عن المضمون، ولا عن الموضوعات، ولا عن الجماليّات الشكليّة الغنيّة في مشروع الجرّاح الشعريّ.

يمكن الالتفات إلى التقسيم أو التشريح الأسطوريّ البنائيّ، والفصل المُشار إليه بالأعداد اللاتينيّة الرومانيّة، وهذه واحدة من سمات البناء الأسطوريّ، وإن لم تكن سمة مباشرة إلّا أنّها منطلقة من عمق تجربة الشاعر الفنّيّة؛ فالشاعر قضى ردحًا يبحث في الأسطورة، ويرى أنّ الإرث الميثولوجيّ الإغريقيّ في أصله سوريّ، ويحيل كلّ الموروث الأسطوريّ إلى منطقة الهلال الخصيب، وأعتقد أنّ التراتب العدديّ الموظّف بالأعداد الرومانيّة في كلّ قصيدة طويلة، أو في قصائد على اتّصال وانفصال في آن، هو خيار فنّيّ متعمّد، وهو غرض شكليّ بنائيّ يخدم قناع الأسطورة ويتآلف معها؛ فهنا يلتقي الشكل اللاتينيّ للعدد وهندسته الّتي تأخذ من الطبيعة الأولى مدلولها، بجمع العصيّ والزيادة عليها والتنقيص منها، وهو ما يجعلها عتبات نصّيّة إضافيّة تمهيديّة واعدة، وهو تقسيم فعليّ بأدوات تاريخيّة أيقونيّة.

إنّ شعر نوري الجرّاح وبناءه عبارة عن مختبر للأنساق من حيث الثيمات، ومن حيث الأشكال والأغراض الضدّيّة، لكنّه يبقى شعرًا بروح كاملة لا انفصال فيه عن مُدركات الوجود والواقع والذات...

إنّ شعر نوري الجرّاح وبناءه عبارة عن مختبر للأنساق من حيث الثيمات، ومن حيث الأشكال والأغراض الضدّيّة، لكنّه يبقى شعرًا بروح كاملة لا انفصال فيه عن مُدركات الوجود والواقع والذات، كمعادل موضوعيّ للتآلف والتنافر. وفي هذه القراءة للبناء يتشكّل أمامنا اهتمام رائد في مجال بناء المجموعات الشعريّة في الشعر العربيّ، وإن كانت دور النشر في أيّامانا تولي أهمّيّة كبرى لمسائل التصميم والشكل، لكنّنا في حضرة شاعر فاتح لهذا المجال؛ فعنايته البنائيّة ليست على انفصال عن عنايته الشعريّة والشكليّة، حيث يتحوّل البناء إلى تغليف طبقيّ شفّاف، يلامس الشكل والموضوع في شعر الجرّاح وقصائده، وهذا مجال بكر للبحث الأكاديميّ في الشعر العربيّ، وهي دعوة لشعرائنا العرب إلى ضرورة أخذ البناء شرطًا فنّيًّا وجماليًّا للمجموعات الشعريّة، وفي المشاريع الإبداعيّة مستقبلًا.

 

 

* كُتِبَت هذه المقالة في إطار «ورشة الكتابة الشعريّة» الّتي تنظّمها «جمعيّة الثقافية العربيّة»، ويقدّمها الشاعر نجوان درويش.

 

 

علي قادري

 

 

من مواليد قرية نحف في الجليل. شاعر ومعلّم للغة والأدب العربيّين في المرحلة الثانويّة بمدرستي "مسار" – الناصرة، و"ابن سينا" - نحف. يعمل محرّرًا أدبيًّا لمجلّة "الغد الجديد" الثقافيّة، الصادرة عن جمعيّة المنار للثقافة والهويّة الفلسطينيّة. له مجموعة شعريّة بعنوان "خراب وثلاثون جثّة".

 

 

تعليقات Facebook