"رجال في الشمس"... دلالات الشخصيّات

 

صدرت الطبعة الأولى من رواية «رجال في الشمس» للشهيد غسّان كنفاني، في بيروت، عام 1963، ثمّ توالت طبعاتها بعد ذلك، وترجمت إلى الإنجليزيّة، والفرنسيّة، والهولنديّة، والألمانيّة، والسويديّة، والهنغاريّة، والنرويجيّة، والتشيكيّة. ونظرًا إلى ما لاقته الرواية من استحسان القرَّاء؛ قدّمتها «الهيئة العامّة للسينما» في دمشق فيلمًا سينمائيًّا، أخرجه توفيق صالح، تحت عنوان «المخدوعون» عام 1972، وقد فـاز الفيلم بعدد من الجوائز: جائزة «مهرجان قرطاج» في تونس، وجائزة «مهرجان الأفلام الكاثوليكيّة» في باريس، و«جائزة حقوق الإنسان» في ستراسبورغ.

 

الاختناق في الخزّان

تدور أحداث الرواية حول ثلاثة رجال فلسطينيّين من أجيال مختلفة، يلتقون حول ضرورة إيجاد حلّ فرديّ لمشكلة الإنسان الفلسطينيّ المعيشيّة عبر الخروج من الوطن، أملًا في الحصول على عمل، والخلاص من الفقر؛ فكان هدفهم الوصول إلى الكويت، حيث النفط والثروة. ولأنّهم لا يملكون أيّ أوراق ثبوتيّة أو جوازات سفر، كان الطريق الأقصر التسلّل تهريبًا إلى الكويت؛ فاجتمع الثلاثة في البصرة، النقطة الأقرب إلى الكويت، وفي البصرة تعرّفوا على أبي الخيزران، وهو سائق شاحنة لنقل المياه العذبة في الكويت.

واستغرق الأمر نحو عشرين دقيقة، كانت كافية لتحوّلهم إلى جثث هامدة؛ فيرميهم بالقرب من مقلب قمامة في عرض الصحراء، بعد أن يسلبهم ما معهم، ويـردّد صـرخته المشهورة: "لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟".

اتّفق الرجال الثلاثة مع أبي الخزيران على تهريبهم إلى الكويت مقابل بضعة دنانير من كلٍّ منهم، وفعلًا صعدوا إلى جوار السائق في بداية الطريق، وعندما وصلوا حاجز الحدود العراقيّة، انتقلوا إلى داخل خزّان المياه الفارغ، إلى أن أتمّ السائق ختم أوراقه، ثمّ عادوا إلى الجلوس بجوار السائق ليتابعوا رحلتهم إلـى المجهـول، وعنـدما وصلوا إلى الحدود الكويتيّة نزلوا داخل الخزّان، حيث الظلام والحرارة اللافحة، لكـنّ الأمـر استغرق وقتًا طويلًا جاوز الدقائق السبع المعتادة لخـتم الأوراق؛ إذ أخـذ الجنـود الكويتيـّون يمزحون مع السائق، واستغرق الأمر نحو عشرين دقيقة، كانت كافية لتحوّلهم إلى جثث هامدة؛ فيرميهم بالقرب من مقلب قمامة في عرض الصحراء، بعد أن يسلبهم ما معهم، ويـردّد صـرخته المشهورة: "لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟".

 

مشكلة الوطن، مشاكل الفراد

في الرواية أربع شخصيّات تمحورت حولها الأحداث، هم: أبو قيس، وأسعد، ومروان، وأبو الخيزران. لكلٍّ منهم مشكلته الخاصّة، إضافة إلى مشكلة ضياع الوطن.

ففي البدء نجد أبا قيس، وهو رجل مسنّ قاربت حياته من أن تصل إلى نهايتها، قرّر الهجرة حتّى يحقّق لقمة العيش له ولأولاده. يدور بينه وبين زوجته الحوار الآتي:

أبو قيس: سيكون بوسعنا أن نعلّم قيسًا...

أمّ قيس: نعم.

أبو قيس: وقد نشتري عرق زيتون أو اثنين...

أمّ قيس: طبعًا!

أبو قيس: وربّما نبني غرفة في مكان ما...

أمّ قيس: أجل.

أبو قيس: إذا وصلت... إذا وصلت... (ص 20-21).

أمّا أسعد، فهو شخص يهرب من البلاد حتّى يحصل على حرّيّته أكثر، وهي شخصيّة الفلسطينيّ المطارد. ومروان، وهو المعيل الوحيد لأسرته بعد أن تخلّى عنهم ربّ الأسرة والأخ الأكبر.

هذه الشخصيّات الثلاث، اجتمعوا على هدف واحد هو الخروج من الوطن بحثًا عن حلّ فرديّ، وهنا تبرز شخصيّة رابعة؛ أبو الخيزران، وهو بطل الرواية، سائق شاحنة لنقل المياه العذبة في الكويت، "كان أبو الخيزران سائقًا بارعًا، فقد خدم في الجيش البريطانيّ في فلسطين قبل عام 1948 أكثر من خمس سنين، وحين ترك الجيش وانضمّ إلى فِرق المجاهدين كان معروفًا بأنّه أحسن سائق للسيّارات الكبيرة" (ص 51). فقدَ رجولته في حرب 1948؛ "والآن... مرّت عشر سنوات على ذلك المشهد الكريه... مرّت عشر سنوات على اليوم الّذي اقتلعوا فيه رجولته منه، ولقد عاش هذا الذلّ يومًا وراء يوم، وساعة وراء ساعة، مضغه مع كبريائه، وافتقده كلّ لحظة من لحظات هذه السنوات العشر، ورغم ذلك فإنّه لم يعتده قطّ، لم يقبله قطّ... عشر سنوات طوالًا يحاول أن يقبل الأمور، ولكن أيّ أمور؟ أن يعترف ببساطة بأنّه قد ضيّع رجولته في سبيل الوطن؟ وما النفع؟ لقد ضاعت رجولته وضاع الوطن، وتبًّا لكلّ شيء في هذا الكون الملعون!". (ص 61).

  الشخصيّات الثلاث (أبو قيس، وأسعد، ومروان)، بفئاتها العمريّة المختلفة، تمثّل الشعب المنتهكة حقوقه. والشخصيّة الرابعة (أبو الخيزران)، هذا الرجل المخصيّ، يمثّل الحالة الفلسطينيّة والعربيّة بكلّ مـا فيهـا مـن سـلبيّات وتناقضات...

شخصيّات الرواية وأحداثها تمثّل الواقع الفلسطينيّ والعربيّ؛ فكلّ شخصيّة تُقَدَّم لنا على حدة بوصفها تمثّل جانبًا مختلفًا من جوانب الحياة الفلسطينيّة، ولا تتّحد تجربتهم إلّا بعد أن يبدؤوا برحلتهم المشؤومة مع أبي الخيزران.

 تتوزّع الشخصيّات في رمزين: الشخصيّات الثلاث (أبو قيس، وأسعد، ومروان)، بفئاتها العمريّة المختلفة، تمثّل الشعب المنتهكة حقوقه. والشخصيّة الرابعة (أبو الخيزران)، هذا الرجل المخصيّ، يمثّل الحالة الفلسطينيّة والعربيّة بكلّ مـا فيهـا مـن سـلبيّات وتناقضات؛ أي القيادة المهزومة، العاجزة، الجشعة.

تتمثّل الرمزيّة الأساسيّة في الرواية، في تلك الـصرخة الّتي أطلقها أبو الخيزران في نهاية القصّة: "لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟ لماذا؟ لماذا؟". أراد كنفاني إنهاء حياة شخصيّاته في هذه الرواية بالموت داخل سيّارة يقودها خصيّ مهزوم، والقذف بهم عند مقلب القمامة. لعلّه قصد أن يعمّق مستوى إدانته للشعب، جرّاء قبوله لتلك القيادات المهزومة... العاجزة... الجشعة.

 


أحمد الدبش

 

 

كاتب وباحث في التاريخ القديم. له مجموعة مؤلّفات حول التاريخ التوراتيّ، منها «بحثّا عن النبي إبراهيم»، و«كنعان وملوك بني إسرائيل في جزيرة العرب»، و«يهوديّة الدولة: الحنين إلى الأساطير».

 

 

تعليقات Facebook