"كبح فلسطين": تأريخ رفيع لرفض إسرائيل شعبًا

بيغن، وكارتر، والسادات في كامب دايفيد | achievement.org

 

المصدر: The Guardian.

ترجمة: فريق تحرير روزَنَة - فُسْحَة.

 

يمثّل كتاب "كبح فلسطين: تاريخ سياسيّ من كامب ديفيد إلى أوسلو – Preventing Palestine: A Political History from Camp David to Oslo"، للباحث اليهوديّ الأمريكيّ الشابّ سيث أنزيسكا Seth Anziska، نتاجًا لتحوّله العاطفيّ والفكريّ المبكّر.

تربّى أنزيسكا على "ارتباط وثيق بالصهيونيّة"، وأُرسل في عامه الثامن عشر إلى مدرسة دينيّة يهوديّة Yeshiva، في غوش عَتْسِيون Gush Etzion، الكيبوتس [المحرّر: مستوطنة زراعيّة] الّذي أُسّس قبل حرب الاستقلال الإسرائيليّة [المحرّر: النكبة]. انتقل الكيبوتس عام 1948 ليكون تحت السيطرة الأردنيّة، وظلّ جزءًا من المملكة الهاشميّة حتّى اجتياح إسرائيل للضفّة الغربيّة، في حرب الأيّام الستّة سنة 1967.

 

غلاف كتاب "كبح فلسطين"

 

تزامن وصول أنزيسكا إلى البلاد سنة 2001، مع ذروة الانتفاضة الثانية؛ ما جعل الصورة الّتي غُذّي بها عن إسرائيل الكتابيّة/ التوراتيّة في نيويورك البعيدة، تتحطّم في أثناء جولاته بالحافلة على طول الضفّة الغربيّة.

يكتب في هذا الصدد: "بسبب التعلّق العاطفيّ بأرض إسرائيل؛ لم يبدُ لي أنّ ثمّة مَن ينتبه لوجود سكّان غير يهود يعيشون هناك، كيف أمكننا ألّا نراهم؟ لماذا لم يكن بإمكان الفلسطينيّين أن يتنقّلوا بحرّيّة، في نفس المساحة، الّتي كنت، أنا المواطن الأمريكيّ، أتحرّك فيها كما يروقني؟ هُيّئ إليّ أنّ الفرق الوحيد كان مرتكزًا على الدين والعرق؛ أي وجود نظام لليهود، وآخر للعرب".

في السنوات اللاحقة، التقى أنزيسكا كثيرًا من اليهود الأمريكيّين، الّذين شعروا بنفس "التناقض وخداع الذات، الّذي يوجد في صُلب اكتشاف عددٍ من الحقائق غير المريحة، عن العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيّين".

قاد هذا الاكتشاف أنزيسكا، إلى سنواتٍ من استقصاء اتّفاقيّات كامب ديفيد، الّتي وُقّعت عام 1978، مرورًا بالمفاوضات اللامنتهية والمضطربة الّتي لحقت بها، وصولًا إلى اتّفاقيّات أوسلو عام 1993. هذا التوليف بين البحث الأكاديميّ الأصيل، والشجاعة الفرديّة، أنتج تأريخًا سياسيًّا وديبلوماسيًّا يفرض نفسه على القارئ.

 

أنور السادات في الكنيست، متوسّطًا ميناحيم بيغن ويتسحاق شامير | أرشيف دولة إسرائيل

 

وعلى الرغم من أنّه لا يشير إليها أبدًا، إلّا أنّ حساسيّة أنزيسكا تشبه إلى حدّ كبير تلك الموجودة عند "منظّمة J Street" (البيت السياسيّ للأمريكيّين الداعمين لإسرائيل، والداعمين للسلام)، الّتي تؤمن بحلّ الدولتين؛ غير أنّ استنتاجات بحثه ظلّت، في المقابل، حذرة وشبه محايدة؛ ما يجعل كتابه يبدو كتابًا تاريخيًّا بعيدًا عن الدعاية.

يركّز كتاب "كبح فلسطين" اهتمامه الأساسيّ، على اتّفاقيّات كامب ديفيد، الّتي ترأّسها جيمي كارتر عام 1978، والّتي قادت رئيس الوزراء الإسرائيليّ ميناحيم بيغن، إلى الموافقة على التخلّي عن سيناء لصالح مصر، مقابل تعهّد الرئيس المصريّ أنور السادات بإنهاء حالة الحرب، والاعتراف بدولة إسرائيل.

هذا الحدث، نُظر إليه بشكل واسع، بمنزلة نصرٍ لكارتر، والقفزة الكبرى الوحيدة تجاه السلام في الشرق الأوسط، منذ نهاية حرب الأيّام الستّة.

غير أنّ لأنزيسكا رأيًا آخر، مفاده أنّ الانسداد الطويل الأمد، الّذي تلا كامب ديفيد، يجد لنفسه جذورًا في انشغال السادات باستعادة سيناء؛ الأمر الّذي سمح لبيغن بتسريع عمليّة بناء المستوطنات في الضفّة الغربيّة، عمليّة استمرّت بدون انقطاع منذ ذلك الوقت. يظنّ أنزيسكا أنّ استعداد الرئيس المصريّ للتفاوض على الهدف غير الواضح، المُسمّى "استقلاليّة" الفلسطينيّين، كان في قلب المأزق الّذي لا يزال مستمرًّا حتّى اليوم.

 

ظلّ الأمريكيّون يرون في زيارة السادات للقدس، رهانًا عظيم الشأن من أجل السلام، غير أنّ أنزيسكا يعتقد أنّها - الزيارة - كانت أيضًا بداية نهاية الاستقلال الفلسطينيّ

 

يكتب في هذا الصدد: "المفاوضات المبكّرة رسّخت اصطلاحات من قبيل الاستقلاليّة لا السيادة؛ أي ما يشبه الحكم الذاتيّ المحدود والمشروط، اصطلاحات عقّدت الظروف الصعبة الموجودة سلفًا على الأرض، وفكّكت الميكانيزمات السياسيّة الّتي يمكن أن توجِد حلًّا عادلًا للقضيّة الفلسطينيّة".

ظلّ الأمريكيّون يرون في زيارة السادات للقدس، رهانًا عظيم الشأن من أجل السلام، غير أنّ أنزيسكا يعتقد أنّها - الزيارة - كانت أيضًا بداية نهاية الاستقلال الفلسطينيّ؛ إذ إنّ إصرار بيغن على بناء المزيد من المستوطنات "كان سيكون مستحيلًا دون تنازلات" السادات، حسب تعبيره. ويضيف أنّ هذه المستوطنات أصبحت بمنزلة "عامل إبطال ... لإمكانيّة تحقّق سيادة فلسطينيّة"، ففي سنة 1977، لم يكن سوى قرابة 4000 مستوطن، في كلّ الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، غير أنّه، وبحلول سنة 1992 عشيّة أوسلو، كان عددهم قد تخطّى الـ 100 ألف.

جزء مهمّ من الكتاب، يخصّصه أنزيسكا للاجتياح الإسرائيليّ للبنان سنة 1982، وما تلا ذلك من تبعات كارثيّة. اعتقد وزير الدفاع الإسرائيليّ - وقتئذٍ - آريئيل شارون، أنّ "عدم التمكّن من الوصول إلى حلّ ديبلوماسيّ للقضيّة الفلسطينيّة، بعد اتّفاقيّات كامب ديفيد، استدعى ضرورة استعراض القوّة الّتي ستهزم، بشكل ما، الفلسطينيّين في معاقلهم اللبنانيّة". اعتقد شارون أنّ بإمكانه "تدمير البنية التحتيّة العسكريّة لـ ’منظّمة التحرير‘ في لبنان، وإضعاف المنظّمة بصفتها وحدة سياسيّة؛ بغرض كسر العمود الفقريّ للوطنيّة الفلسطينيّة؛ ثمّ تسهيل عمليّة الاستيلاء على الضفّة الغربيّة من طرف إسرائيل".

 

ناجيتان فلسطينيّتان تعودان إلى مخيّم "صبرا وشاتيلا" بعد المجزرة عام 1982 | 
Alain Mingam - Gamma-Rapho via Getty Images

 

وجد أنزيسكا دليلًا، في دفتر ملاحظات موظّف وزارة الخارجيّة الأمريكيّة تشارلز هيل Charles Hill، يؤكّد أنّ وزير الخارجيّة الأمريكيّ حينئذٍ، ألكسندر هيغ Alexander Haig، قد أعطى شارون الضوء الأخضر: "لا يمكننا أن نقول لك ألّا تدافع عن مصالحك، لكنّ الحكمة تقول إنّ الأمر سيكون استفزازًا لا يمكن تجاهله".

قاد الاجتياح إلى مجزرة "صبرا وشاتيلا"، الّتي ارتكبتها الميليشيات ورجال الكتائب المسيحيّة، الّذين "اغتصبوا، وقتلوا، وقطّعوا أوصال 800 امرأة وطفل وشيخ على الأقلّ، في الوقت الّذي كانت فيه المشاعل الإسرائيليّة، تضيء لهم أزقّة المخيّم الضيّقة والمعتمة".

بالنسبة إلى أنزيسكا، كان الاجتياح "وصمة عار أخلاقيّة، وكارثة إستراتيجيّة في الوقت نفسه، خفّض من التأثير الأمريكيّ في المنطقة، وحثّ على التورّط العسكريّ اللاحق في الحرب الأهليّة اللبنانيّة". في هذا الشأن كتب أنزيسكا الأسبوع الماضي، في المجلّة الأمريكيّة Nybooks، أنّ وثيقة حصل عليها "تُظهر كيف استمرّ ذبح المدنيّين، في مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين، جنوب بيروت"، بعد أن رضخ الديبلوماسيّ الأمريكيّ موريس درابر Morris Draper، لـ" ادّعاء شارون المخادع بضرورة القضاء على ’الإرهابيّين‘ الّذين ظلّوا هناك".

 

في الوقت الّذي تكرّر فيه إدارة ترامب نفس أخطاء سابقاتها، بتحرّكات تنزع الشرعيّة عن "منظّمة التحرير" وتمنع تمويلها، يذكّرنا أنزيسكا بأنّ أمريكا كانت على الدوام، تتقاسم مسؤوليّة التنافس اللامتكافئ بين إسرائيل والفلسطينيّين.

 

يقتبس أنزيسكا الأكاديميّ الإسرائيليّ آموس عوز Amos Oz، الّذي كتب: "بعد لبنان، لم يعد بإمكاننا تجاهل الوحش، حتّى حينما يكون نائمًا، أو نصف نائم، أو حينما ينظر إلينا من خلف الحافّة الجنونيّة ... إنّه يقيم ويغفو افتراضيًّا في كلّ مكان ... حتّى في الأصوات الّتي تتردّد في دواخلنا".

قدّم أنزيسكا مساهمة مهمّة لتاريخ هذا الصراع؛ ففي الوقت الّذي تكرّر فيه إدارة ترامب نفس أخطاء سابقاتها، بتحرّكات تنزع الشرعيّة عن "منظّمة التحرير" وتمنع تمويلها، يذكّرنا أنزيسكا بأنّ أمريكا كانت على الدوام، تتقاسم مسؤوليّة التنافس اللامتكافئ بين إسرائيل والفلسطينيّين.

يكتب معبّرًا عن ذلك بقوله: "هذا السباق ... كان - في الغالب الأعمّ - يصبّ في صالح الطرف الّذي يمكنه أن يصمد أكثر، ويحافظ على نصر مُكلف في أيّ لحظة تاريخيّة".

كانت إسرائيل هذا الطرف على الدوام، في ما كانت الولايات المتّحدة متواطئة إلى حدّ بعيد، في جُلّ هذه "الانتصارات" عديمة الفائدة.

 

 

روزَنَة: إطلالة على الثقافة الفلسطينيّة في المنابر العالميّة، من خلال ترجمة موادّ من الإنجليزيّة والفرنسيّة إلى العربيّة وإتاحتها لقرّاء فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة، بإشراف المترجمين، أسامة غاوجي ومعاد بادري.

موادّ روزَنَة لا تعبّر بالضرورة عن مبادئ وتوجّهات فُسْحَة، الّتي ترصدها وتنقلها للوقوف على كيفيّة حضور الثقافة الفلسطينيّة وتناولها عالميًّا. 

* الموادّ البصريّة الواردة في هذه المقالة من اختيارات هيئة التحرير، لا المصدر الأصل.

 

 

تعليقات Facebook