"شقوق في الجدار": أسطورة حلّ الدولتين غطاء لواقع دولة إسرائيل الأحاديّة

مستوطنة "كريات أربع" | حازم بدر (أ ف ب)

 

المصدر: middleeasteye.net.

ترجمة: فريق تحرير روزَنَة - فُسْحَة.

 

كان لويليام هاغ تصريح بارز ووحيد، في أثناء تولّيه منصب وزير الخارجيّة، في واحدة من أبهت فترات الوزارة وأجبنها، لقد كان تصريحًا بشأن السلام في الشرق الأوسط.

قال هاغ: "إنْ لم يحصل تقدّم في المفاوضات السنة القادمة، فإنّ حلّ الدولتين قد يصبح مستحيل التحقّق".

هذا التعليق أطلقه هاغ في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، في مداخلة في "مجلس العموم البريطانيّ"، بخصوص إمكانيّة إقامة دولة فلسطينيّة. في تلك الفترة، كان الرئيس الأمريكيّ باراك أوباما، على وشك أن يُطلق محاولته للتفاوض حول اتّفاق سلام، بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، قبل أن تتعثّر مبادرته بسرعة.

 

موت حلّ الدولتين

حتّى يومنا هذا، لا يزال رئيس الوزراء الإسرائيليّ، مصرًّا على الاستمرار في سياسته غير القانونيّة؛ لبناء المستوطنات في الضفّة الغربيّة المحتلّة، في ما سخر الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب من القانون الدوليّ؛ بنقله سفارة بلاده إلى القدس الشرقيّة المحتلّة. في الأثناء، يبدو كأنّ إسرائيل تستعدّ لطرد الفلسطينيّين من قرية خان الأحمر في الضفّة الغربيّة.

 

غلاف كتاب "شقوق في الجدار: ما وراء الأبارتهايد في فلسطين/ إسرائيل"

 

والحال هذه، يبدو أنّ نبوءة هاغ أصبحت حقيقة، وحلّ الدولتين الّذي شكّل أساس الجهود الغربيّة الأخيرة؛ لتحقيق سلام في الشرق الأوسط، يمكن – ويجب - أن يُنسى؛ إذ لا يمكنه أن يحصل، ولن يتحقّق أبدًا؛ إذ إنّ وجود حوالي نصف مليون مستوطن إسرائيليّ في الضفّة الغربيّة، يجعل أمر حدوثه مستحيلًا؛ فماذا سيحصل بعد ذلك؟

هذا الموضوع ما يهتمّ به كتاب بِينْ وايْتْ، المهمّ، "شقوق في الجدار: ما وراء الأبارتهايد في فلسطين/ إسرائيل"، كتب وايت - وهو مساهم دائم في موقع "ميدل إيست آي" - الدليل الأكثر وضوحًا للانقسام المأساويّ بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين.

لا توجد في الكتاب تحليقات بلاغيّة ولا نِكات شخصيّة مثيرة، بل على العكس تمامًا؛ إذ يحاول وايت المحاججة من موقف العليم، مستندًا على مجموعة مصادر غنيّة وذات خبرة، ولا يتملّص من الآراء الصعبة والمثيرة للجدل.

يبدأ الكاتب بتحليل البنية القانونيّة للاحتلال الإسرائيليّ، ويقرّ بأنّ المستوطنات الإسرائيليّة في الأراضي المحتلّة، تمثّل خرقًا للقانون الدوليّ، مستندًا على "معاهدة جنيف الرابعة"، الّتي تمنع أيّ سلطة احتلال من نقل مواطنيها إلى الأراضي الّتي احتلّتها.

 

الحياة في ظلّ الاحتلال

ينتقل وايت بعد ذلك؛ ليُظهر كيف أصبحت الأراضي المحتلّة - في الواقع، لا بشكل قانونيّ - جزءًا من إسرائيل نفسها، وليوضّح هذه النقطة؛ يقتبس وايت الصحافيّ الإسرائيليّ أوري ميسغاف، الّذي كتب السنة الماضية، ما مفاده أنّه في حال نزول كائنات فضائيّة في الضفّة الغربيّة؛ فإنّها لن تصدّق أنّها ليست جزءًا من إسرائيل.

كتب ميسغاف: "يعيش هناك - الضفّة الغربيّة - قاضيان من المحكمة العليا، ووزراء في الحكومة، والمتحدّث باسم الكنيست، وأعضاء كنيست آخرون، بالإضافة إلى فندق لاستقبال المسؤولين الحكوميّين". ويضيف: "’شركة الكهرباء‘ تزوّدهم بالكهرباء، و’شركة الماء الوطنيّة‘ تزوّدهم بالماء، وتعتني ’شركة الطرق الوطنيّة‘ بالطرق هناك، في ما تشيّد وتسيّر ’شركة اليانصيب الوطنيّة‘ المنشآت العموميّة".

 

بين وايت، مؤلّف الكتاب

 

يستطرد ميسغاف كاتبًا: "تعمل المصانع والمحلّات التجاريّة والخدماتيّة هناك دون حدود، بما فيها عدد من المدارس، وجامعة تشرف عليها ’وزارة التعليم‘، وكلّ مستوطنة تضمّ مؤسّسات ثقافيّة."

في غضون ذلك، يعيش الفلسطينيّون أيضًا في هذه المناطق المحتلّة، تحت سلطة القانون الإسرائيليّ، غير أنّنا في هذه الحالة، نتحدّث عن قانون عسكريّ بمحاكم عسكريّة وأحكام تعسّفيّة. وقد جردت "الأمم المتّحدة" مؤخّرًا أكثر من 700 حاجز مادّيّ، أمام حركة الفلسطينيّين في الضفّة الغربيّة، من غير أن ننسى هدم البيوت، والنقل القسريّ للسكّان، والاستحواذ على الموارد الطبيعيّة وعلى رأسها المياه.

ظلّ هذا النظام الموازي يعلن نفسه شيئًا فشيئًا، طيلة نصف قرن، ويزداد مع الوقت شدّة، فبحلول عام 2007، نشرت صحيفة "فيلاينن تايمز" خريطة، تُظهر كيف قسّمت الأرض، الّتي يعيش عليها حوالي 2,5 مليون فلسطينيّ، إلى مناطق منفصلة تفرّقها الطرق الإسرائيليّة، والمستوطنات، والحواجز، والمناطق العسكريّة.

 

الاستحواذ الإسرائيليّ اللاقانونيّ

يقول أنثوني ليرمان، مدير "معهد السياسات اليهوديّة والأبحاث": "لم تُعلن بشكل رسميّ، وليس لها وضع قانونيّ، لا أحد يرغب في الاعتراف بذلك، لكن من الصعب أن ترى السيطرة الإسرائيليّة على المنطقة الّتي تعود إلى ما قبل دولة 1967: الضفّة الغربيّة وغزّة، الّتي لا تمثّل أكثر من دولة الأمر الواقع".

يصرّ وايت على أنّ الوضع في الضفّة الغربيّة، لن يكون مُستدامًا - بالتأكيد ليس لإسرائيل، الّتي تستمدّ شرعيّتها جزئيًّا، من ادّعائها مشاركة القيم الغربيّة - لكن لزعم وضعها المؤقّت. يحاجج وايت بأنّ البحث عن حلّ الدولتين، الّذي استمرّ نصف قرن، قدّم ذريعة لإلحاق الضفّة الغربيّة بإسرائيل؛ من باب الأمر الواقع.

في هذا الصدد، يقتبس وايت عددًا من التحذيرات الّتي أطلقها ساسة غربيّون وإسرائيليّون، والّتي مفادها أنّ فشل تأمين حلّ الدولتين؛ سيقود إلى خيارين غير عادلين: حلّ الدولة الواحدة والتخلّي عن فكرة الديمقراطيّة اليهوديّة، أو دولة لاديمقراطيّة بوجود مواطنين فلسطينيّين من الدرجة الثانية.

 

تخطيط "جامعة أريئيل" الاستيطانيّة وفق موقع الجامعة

 

ينبّه وايت إلى أنّ "هذه الصورة المرسومة لوحدة سياسيّة وحيدة، لا يستطيع الفلسطينيّون فيها التصويت، تصف حالة السكون - المستمرّة مدّة طويلة حتّى الآن - لا السيناريو المستقبليّ".

إنّها نقطة مفصليّة؛ فسياسات مسار السلام، كما يحاجج وايت، مكّنت إسرائيل من الاستحواذ على الأراضي المحتلّة؛ وبتعبير آخر، لم يكن الاحتلال الإسرائيليّ للضفّة الغربيّة ممكنًا، لولا استمرار الساسة الغربيّين، في تبنّي مقولة أنّ اقتراح حلّ الدولتين لا يزال حيًّا، على حين أنّ ذلك لم يعد صحيحًا البتّة.

 

شرعيّة أوسلو الكارثيّة

يُظهر وايت أنّ اتّفاقيّات أوسلو، الّتي وُقّع عليها عام 1993، بين إسرائيل و"منظّمة التحرير الفلسطينيّة"، كان لها عواقب كارثيّة بالنسبة إلى الفلسطينيّين، وخلقت ما يشبه وضعيّة مفارقة لا يمكن الهروب منها.

ففي مناطق "ج" الّتي تضمّ جلّ أراضي الضفّة الغربيّة، تُهدَّم منازل الفلسطينيّين مرّة تلو أخرى؛ بزعم أنّها غير قانونيّة، إلّا أنّها كذلك لأنّ تصاريح البناء يستحيل الحصول عليها تقريبًا؛ فإسرائيل لا توافق إلّا على أقلّ من 2٪ من الطلبات الّتي يتقدّم بها الفلسطينيّون.

يجب أن يقرأ كتاب وايت كلّ واحد مهتمّ بفهم الصراع بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين، بغضّ النظر عن الطرف الّذي يتبنّون روايته. لا أتّفق مع بعض حجج وايت؛ إذ لا أرى استخدام مصطلح "أبارتهايد" مفيدًا، وهو مصطلح ينطبق على نظام مختلف، أُقيم في جنوب أفريقيا، في الفترة الّتي تلت الحرب العالميّة الثانية.

يُنهي وايت هذا الكتاب الّذي بُني على حجج مُحكَمة؛ بالدعوة إلى حلّ الدولة الواحدة، يكون فيها اليهود والفلسطينيّون "مواطنين متساوين في وطن مشترك".

 

 

روزَنَة: إطلالة على الثقافة الفلسطينيّة في المنابر العالميّة، من خلال ترجمة موادّ من الإنجليزيّة والفرنسيّة إلى العربيّة وإتاحتها لقرّاء فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة، بإشراف المترجمين، أسامة غاوجي ومعاد بادري.

موادّ روزَنَة لا تعبّر بالضرورة عن مبادئ وتوجّهات فُسْحَة، الّتي ترصدها وتنقلها للوقوف على كيفيّة حضور الثقافة الفلسطينيّة وتناولها عالميًّا. 

* بعض الموادّ البصريّة الواردة في هذه المقالة من اختيارات هيئة التحرير، لا المصدر الأصل.

 

 

تعليقات Facebook