«كتابة من أجل النجاة الجماعيّة»: العبقريّة الحسّيّة لمهرجان «فلسطين تكتب»

مجزرة كفر قاسم عام 1956، قتل داخل القرية، عائلة العيسى | سامية حلبي

 

المصدر: Mondoweiss.

ترجمة: خالد السيّد - فُسْحَة.

 

في العام الماضي، تفاقمت وحدة عُزْلَة الكتّاب بفعل قسوة الجائحة. وكانت المشاركة الرقميّة على مدار خمسة أيّام مكثّفات في مهرجان «فلسطين تكتب»، مع ثلاثة آلاف شخص من خمس وسبعين دولة مختلفة، تجربة مُبْهِجَة ومثلجة للصدر، رغم ما حملته من أضرار «الزوم» وبعض المشاكل التقنيّة. أوّلًا، وبمجرّد ما اكتشفتُ طريقة التفاوض مع هذا الموقع العصريّ والمذهل تكنولوجيًّا (فليس ذلك بالمفهوم ضمنًا عندما تكون طاعنًا في السنّ مثلي)، رأيت ما لا يوصف جماله من إبداع وتألّق، لشعراء وروائيّين ومؤرّخين وفنّانين وطهاة وموسيقيّين. آنس ذلك قلبي الصغير المضجر المتشائم، عالق بين كونٍ بنكهة ترامبيّة، وما يتبعه من تهديدات متعاظمة للأكاديميّة والناشطين، ومن مبادرات إسرائيل للسلام مع ديكتاتوريّين عرب، وبين المستوى الأعمّ من رفض الناشرين لكلّ ما يهتمّ بكلمة «فلسطين». ثمّ إنّني تعلّمت أكثر بأشواط ممّا كنت أتوقّعه، سواء فكريًّا أو عاطفيًّا؛ إذ تعجّ خانة البريد الوارد في بريدي الإلكترونيّ بأرقام التتبّع للعديد من الكتب الّتي طلبتها وكلّي شوق إلى قراءتها. ولا بدّ لأيّ مؤتمر ينتهي برسالة باسلة ولاذعة من سجينة سياسيّة مثل خالدة جرّار، تلتها ابنتاها، ومحادثة بين سوزان أبو الهوى وحنان عشراوي وأنجيلا ديفيس، لا بدّ من أن يتألّق ويكون مصدر إلهام.

تحدّث الكتّاب عن الأصلانيّة، والحرمان، والمحو، والاستعمار الاستيطانيّ، والتاريخ الشفويّ، والذاكرة الجماعيّة، وحقّ العودة، والكويريّة الفلسطينيّة، والنسويّة الجذريّة، والحاجة المُلِحَّة إلى استكشاف كلّ ذلك في الفنون وتوثيقه، والأفلام، والكتابة؛ من أجل رفض الطمس والإسكات، وللمقاومة بالكتابة. ورأينا ذلك برسومات سامية حلبي حول مأساة مجزرة كفر قاسم عام 1965، وأعمال سلمان أبو ستّة الأكاديميّة، الّتي أطلعتنا بتأنٍّ على التفاصيل المروّعة لمجزرة عام 1948 في قرية برير.

أصرّ الكتّاب والأكاديميّون على تذكيرنا مرّة تلو الأخرى، بأنّ الفلسطينيّين ليسوا مميّزين؛ فهم يتشاركون مجموعة الظروف الخاصّة بهم، ولكنّهم يخضعون للمنظومة ذاتها الّتي تسبّبت بأسًى مماثل في أمريكا اللاتينيّة، وأفريقيا، وآسيا، والولايات المتّحدة.

تحدّثت مؤلّفات مثل ابتسام عازم، ونعومي شهاب ناي، وابتسام بركات، وسحر مصطفى، وسوزان موادي درّاج، وحلا عليّان، وغادة كرمي، منهنّ مَنْ يعيش في فلسطين، ومَنْ يعيش في الشتات (سامحوني لعدم ضمّ آخرين وأخريات، فالقائمة طويلة)، تحدّثن عن الهويّة، وكيف أنّ «تمرّدنا هو ذاكرتنا». وأدركتُ أنّ النساء بشكل خاصّ، يشعرن بمسؤوليّة للإبقاء على الثقافة والوطن. يختلف الشتات الفلسطينيّ عن غيره من شتات شعوب أخرى؛ بسبب صعوبات وصول الوطن الأمّ، وغياب سرديّته التاريخيّة في المجال العامّ. تربّي النساء أطفالهنّ في مكانين على نحو متزامن، إذن، غالبًا ما يتخلّل تربيتهنّ حنينًا يختلط بالأسى تجاه الحياة قبل التهجير؛ ليتعلّموا التناوب اللغويّ الّذي تمارسه المجتمعات الأقلّيّاتيّة للنجاة.

وحكت ميسم غني عن الكتابة "لفهم ما يعجز عنه الوصف... استجابة إنسانيّة لتاريخ من الأذى، أي الكتابة لتسكين الآلام، "والكتابة من أجل النجاة الجماعيّة"؛ كتابة أخلاقيّة خالية من الرومانسيّة تملؤها الهشاشة.

وطالبنا محمّد الكرد الّذي ترعرع في الشيخ جرّاح، وهو حيّ مقدسيّ تُسْرَق فيه أراضي الفلسطينيّين ومنازلهم، حجرًا بعد حجر، لتُمْنَحَ لمستوطنين يهود، طالبنا بالوضوح في كلماتنا، إذ ليس ما يحدث في الشيخ جرّاح إخلاء، بل "سرقة أرض" كما يقول. وانتقد «الإباحيّة في الصدمة» (Trauma Porn)، داعيًا الكتّاب إلى "عدم الكتابة لإرضاء النظرة البيضاء"؛ إذ لا يخلو الفلسطينيّون من عيوب أيضًا، فهم ليسوا ضحايا فقط، ولكنّهم متضرّرون على نحو استثنائيّ من المشروع الاستعماريّ الاستيطانيّ. و"الشيء الوحيد المتبقّي هو الكرامة؛ أي مواجهة المستعمر مباشرة".

أصرّ الكتّاب والأكاديميّون على تذكيرنا مرّة تلو الأخرى، بأنّ الفلسطينيّين ليسوا مميّزين؛ فهم يتشاركون مجموعة الظروف الخاصّة بهم، ولكنّهم يخضعون للمنظومة ذاتها الّتي تسبّبت بأسًى مماثل في أمريكا اللاتينيّة، وأفريقيا، وآسيا، والولايات المتّحدة. ووفقًا لهذا التحليل، نفهم أنّ الاحتلال الإسرائيليّ جزء من نظام عالميّ تصونه الرأسماليّة النيوليبراليّة، ويرعاه مجمع صناعيّ عسكريّ دوليّ يقمع الجميع.

وتَجَسَّدَ أحد أكثر العروض روعة، وخاصّة في ضوء دعم حركة «حياة السود مهمّة» للنضال الفلسطينيّ، في عمل «الحياتين المتوازيتين لغسّان كنفاني وجيمس بالدوين»، من تأليف حزامة حبايب، ورامي أبو شهاب، وروبن كيلي، وبيل مولين. إذ كان كنفاني لاجئًا فلسطينيًّا ومفكّرًا ثوريًّا، اعتنق الهويّة الفلسطينيّة في سياق التيّارات القوميّة الراديكاليّة في العالم الثالث، وشغل محرّرًا لمجلّة تابعة لـ «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين»، وكان مؤلّفًا وفنّانًا وناشطًا اغتيل على يد «الموساد» في بيروت، عن عمر ناهز الـ 36 عامًا. (للموساد تاريخ طويل في هذه الأعمال لمعلوماتكم)

لا شكّ في أنّ للتضامن أثمانًا، ففي جلسة أخرى، تحدّث ستيفن ساليتا عن فقدانه منصبه الدائم في «جامعة إلينوي»، أوربانا شامبين، وسرد نارك لامونت هيل قصّة طرده من شبكة «سي إن إن»، بعدما أنهى خطابًا له في الأمم المتّحدة بمقولة "حرّروا فلسطين من النهر إلى البحر".

وهُجِّرَ كنفاني في النكبة عام 1948، عن سنّ ناهز الـ 12 عامًا، أي في العام ذاته الّذي انتقل فيه بالدوين للعيش في باريس؛ هربًا من قوانين جيم كرو والعنصريّة في بلاده. كلاهما أصبح روائيًّا لامعًا، وتشاركا خطابًا مشابهًا؛ ليطوّر كلٌّ منهما إستراتيجيّات لمواجهة العنصريّة والقضاء عليها، وقاتل كلٌّ منهما بقلمه بحثًا عن الخلاص من خلال المقاومة.

وصُدِمْتُ عندما علمت أنّ بعض «الفهود السود» تدرّبوا مع «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين»، بعد حرب عام 1967 (النكسة)، منضوين تحت راية حركة عالميّة مناهضة للإمبرياليّة. وأظهر هذا، الشرخ المتعمّق في دعم السود لإسرائيل، ودفاع السود الليبراليّين عن الصهيونيّة؛ فـ «الجبهة الشعبيّة» وصلت بالفعل إلى الأميركيّين من أصل أفريقيّ. وأكّدت انتفاضات الستّينات في الولايات المتّحدة، وقمع الشرطة الفكرة بأنّ الأفارقة الأميركيّين يعيشون أيضًا تحت الاحتلال، وكما قال هيوي نيوتن، فإنّ تقرير المصير القوميّ مستحيل في ظلّ الإمبرياليّة الأميركيّة. والتقى جيمس بالدوين بالتحرّر العربيّ، والنضال الجزائريّ، وسجن الجزائريّين والمغاربة؛ وهذا جعل خطابه السياسيّ يتوازى مع ذلك الّذي صاغه كنفاني. وفي عام 1961، زار إسرائيل وآلمه الواقع ليدرك التشابهات، وكما نقل مولن عن بالدوين: "كنت في أمريكا، العرب بيد اليهود". في عام 1967، نشرت «لجنة التنسيق الطلّابيّة اللاعنفيّة» بيانًا اعتبرت فيه الصهيونيّة استعمارًا استيطانيًّا.

لا شكّ في أنّ للتضامن أثمانًا، ففي جلسة أخرى، تحدّث ستيفن ساليتا عن فقدانه منصبه الدائم في «جامعة إلينوي»، أوربانا شامبين، وسرد نارك لامونت هيل قصّة طرده من شبكة «سي إن إن»، بعدما أنهى خطابًا له في الأمم المتّحدة بمقولة "حرّروا فلسطين من النهر إلى البحر". ثمّ تعرّض إلى التهديد بفقدان عمله في «جامعة تمبل»، ولومه رسميًّا باعتباره «شوّه اسم تمبل».

أكتب هذه المقالة بشيء من القلق وكثير من التواضع، فأنا ناشطة وكاتبة يهوديّة أميركيّة تعمل بتضامن مع الفلسطينيّين، وأعلم علم اليقين أنّه ليس في وسعي التحدّث باسم شعب لست منه، ولكن بصفتي حليفة فقط، أستطيع أن أكتب عمّا أراه وأفهمه. لقد أدهشني أنّ بعض كتّاب الشتات الفلسطينيّ، يؤرّقهم ما إذا كانوا «فلسطينيّين بما يكفي» لكتابة قصصهم.

في الوقت ذاته، عندما أسمع مرارًا وتكرارًا روايات عن سلوكيّات الإبادة الجماعيّة، الّتي ارتكبتها القوّات الصهيونيّة منذ الأربعينات حتّى وقتنا الحاضر (انظروا غزّة)، أشعر بالخجل والشعور العميق بالخيانة؛ لأنّني نشأت على أساطير خلق الخلاص لفترة ما بعد الهولوكوست...

في الوقت ذاته، عندما أسمع مرارًا وتكرارًا روايات عن سلوكيّات الإبادة الجماعيّة، الّتي ارتكبتها القوّات الصهيونيّة منذ الأربعينات حتّى وقتنا الحاضر (انظروا غزّة)، أشعر بالخجل والشعور العميق بالخيانة؛ لأنّني نشأت على أساطير خلق الخلاص لفترة ما بعد الهولوكوست، حول تأسيس دولة إسرائيل وسياساتها اللاحقة. لا يسعني إلّا أن آمل أن تجعلني ذاكرتي التاريخيّة، الّتي تشمل معاداة الساميّة والعنصريّة والقتل الجماعيّ، والصدمة، والفقدان، حليفةً أفضل في هذا الجهد المستمرّ للمقاومة المشتركة.

تجلّى الجمال الحقيقيّ لهذا المؤتمر الأدبيّ، بأنّه - ولأوّل مرّة في التاريخ - استطاع الفلسطينيّون (وحلفاؤهم) من جميع أنحاء العالم، في كلّ قارّة، وفي كلّ منطقة زمنيّة، الاجتماع معًا، ورواية قصصهم، ومشاركة الموسيقى، وتبادل أطراف الحديث، والتواصل، ووضع إستراتيجيّات للتشويش الثقافيّ والمقاطعة، وأن يشعروا بالاحتضان الّذي نمنحه لبعضنا بعضًا دوليًّا.

 

الكاتبة: أليس روثشايلد، وهي طبيبة ومؤلّفة وصانعة أفلام، ركّز عملها الحقوقيّ على القضيّة الفلسطينيّة منذ عام 1997. مارست طبّ النساء لمدّة 40 عامًا تقريبًا. حتّى بعد تقاعدها عملت أستاذة مساعدة في قسم «أمراض النساء والتوليد»، في «كلّيّة الطبّ» في «جامعة هارفارد». تكتب وتحاضر على نطاق واسع، وهي مؤلّفة الكتب الثلاثة التالية: «وعود محطّمة، أحلام محطّمة: قصص عن الصدمات والصمود لليهود والفلسطينيّين»، و«على حافة الهاوية: إسرائيل وفلسطين عشيّة غزو غزّة 2014»، و«حالة حرجة: الحياة والموت في إسرائيل/ فلسطين». أخرجت فيلمًا وثائقيًّا بعنوان «أصوات عبر التشرذم»، وهي عضوة ناشطة في «الصوت اليهوديّ من أجل السلام».

المصدر: «Mondoweiss»، وهو موقع إلكترونيّ يقول في تعريفه إنّه "موقع مستقلّ مخصّص لإطلاع القرّاء على التطوّرات في إسرائيل/ فلسطين، والسياسة الخارجيّة الأمريكيّة ذات الصلة"، وهي منصّة ملتزمة بتقديم الأخبار والتحليلات المناصرة للشعب الفلسطينيّ ونضاله، الّتي لا تتوفّر عادة في ما يُسَمّى وسائل الإعلام «التقليديّة» الغربيّة.

 

 

روزَنَة: إطلالة على الثقافة الفلسطينيّة في المنابر العالميّة، من خلال ترجمة موادّ من الإنجليزيّة والفرنسيّة إلى العربيّة وإتاحتها لقرّاء فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة، بإشراف المترجمين، أسامة غاوجي ومعاد بادري.

موادّ روزَنَة لا تعبّر بالضرورة عن مبادئ وتوجّهات فُسْحَة، الّتي ترصدها وتنقلها للوقوف على كيفيّة حضور الثقافة الفلسطينيّة وتناولها عالميًّا. 

* بعض الموادّ البصريّة الواردة في هذه المقالة من اختيارات هيئة التحرير، لا المصدر الأصل.

 

 

تعليقات Facebook