"مُذْ لَمْ أَمُتْ": شهادة سوريّة فلسطينيّة لرامي العاشق

من مشروع Dismaland للفنّان Banksy

'مُذْ لمْ أَمُتْ'، عنوان كتاب أدبيّ للشاعر والصحافيّ الفلسطينيّ، رامي العاشق، صدر حديثًا عن 'بيت المواطن للنشر والتوزيع' السوريّة، ضمن 'سلسة شهادات سوريّة'، والتي تصدر بدعم من جمعيّة 'مبادرة من أجل سوريّة جديدة' في باريس.

يقع الكتاب في 94 صفحة، وهو يضمّ 17 نصًّا كُتبت بين عامي 2014 و 2016، بعد حصول الكاتب على منحة تفرّغ للكتابة من 'مؤسّسة هاينرش بول' الألمانيّة. أخرج الكتاب فنّيًّا فايز علّام، ورسمت لوحة الغلاف خلود طنّوس، وصمّمه فادي العسّاف.

 جاء في مقدّمة الكتاب بقلم العاشق: 'جمعت هذه النصوص كمن يجمع أشلاءه، ها هي أشلائي مجمّعة في كيس ورقيّ، غير مرتّبة، عشوائيّتها هذه، حقيقيّة بخرابها، دمويّة تارة، عنيفة، صادقة، خياليّة، ذاتيّة، تشبهني بكلّ جنوني وأمراضي وما أنضجته الثورة فيّ وما كسرته الحرب وما أكلته الغربة منّي. لا رأس لي، ولا اسم، ولا هويّة، جمعتها وأنا بكامل إيماني بحاجة الواقع لأن أكون كاتبًا أكثر ممّا أكون شاعرًا، وأؤمن أنّ كلّ ما هو انفعاليّ ليس شعرًا وأنّ كلّ ما لا ينتمي للموسيقا ليس شعرًا، وأنّ كلّ هذا القبح المحيط بنا يؤذي الشعر، لذلك، يمكن التعريف عن هذه المجموعة على أنّها مجموعة نصوص لا أكثر، نصوص تحتمل التسمية، فلتسمّها ما شئت، حاولت فيها دون قرار مسبق، أن أجمّل القبح وأضع الكثير من مساحيق التجميل لأعيد إنتاجه على هيئة يسمّونها 'إبداعيّة'، وحين كتبتها لم يكن مخطّطًا أن تجمع في كتاب، أو توضع على شكل شهادة، أو تنشر في قالب ما، لذلك، فلنرحمها من التصنيفات، يكفي ما حلّ بها من ظلم كاتبها.'

 

تنشر فسحة – ثقافيّة فلسطينيّة نصًّا من الكتاب بعنوان 'اللاجئ، والآخر اللاجئ'، بإذن من صاحبه:

 

اللاجئ والآخر، والآخر اللاجئ

 

* نُشِرَ هذا النصّ (مقتطعًا) في صحيفة العربي الجديد في تمّوز - يوليو 2015.

 

الحرب رحبة، أوسع أفقيًّا، أعلى، وأقدم من السِّلْمِ، والقتل سبقَ، وربّما كان اللجوء قبلها، ثمّ ارتبط بها كطفلٍ يتعلّق بثوب أمّه بيدٍ، وبالأخرى يلوّح لمن لا يعرفه، «اللاجئ: نشيج الناي على صورته الأولى قبل المخيّم، المخيّم: زنجبيلٌ على جدار حلقِ الإنسانيّة المتقرّح، لا بدّ منه، أحيانًا، للتذكّر بأنّ بلادًا خلف النهر قد سقط اسمها سهوًا عن الخريطة، الخريطة: جغرافيا على ورق، ترسم حدودها -أبدًا- الدبّابة والقذيفة، القذيفة: انفجارٌ كونيٌّ صغيرٌ، يعيد ترتيب مكان الإقامة على هوى صاحبها، صاحبها الذي أيقظ ذات ليلةٍ، خرافته من نومها وجرّها بالـــ (F16)، وقال: لا أكون.. إن لم يكن اللاجئ«(1).

أهي الفطرة أن تلام الضحيّة دائمًا؟ أم أنّ الفطرة أن تستمرّ الضحيّة في لعب هذا الدور وقتًا أكبر من الذي كان مقرّرًا لها؟ وقد يعجبها فتعتبره امتيازًا(2) فيكون للآخر سببٌ ولها –أي الضحيّة- سببٌ، فالآخر –وليس كلّ الآخر- يراها شمّاعةً، وهي تراه عدوًّا محتملًا حاضرًا صديقًا وجاهزًا في أيّ وقتٍ لينقضّ عليها، الثنائيّة هذه أصبحت جزءًا كونيًّا أساسيًّا يضاف إلى ثنائيّات الكون الخاضعة -كما يقولون- لحكمٍ أحاديٍّ. الخير شرٌّ أحيانًا، والخطأ صوابٌ، والمؤيّد معارضٌ للطرف الآخر، والليل نهارٌ في مكانٍ آخر، والآخر ليس الآخر هناك، وهناك تكون هناك (هنا) وكذلك اللاجئ قد يصبح الآخر يومًا ما، ليردّ على الآخر الذي صار لاجئًا بالمثل. تتصارع الثنائيّات وتتغيّر، وتبقى الأحاديّة المطلقة سببَ هذا الصراع والتغيّر وخالقتَه وحاضنتَه ومربّيتَه، ويبقى أهمّ عوامل بقائها واستمرارها.

يسأل الآخر اللاجئ القديم: «هل حقًّا يعيش أبناء المخيّم(3) في خيام؟» فلا يردّ اللاجئ، يردّ المخيّم من عليائه: «لا شيء له من اسمه نصيب»!

  • كيف؟
  • الخيام تطاولت على الوقت ومدّت أعناقها حتّى حجبت الشمس عنّي، ويحجّ الناس إليّ من كلّ بابٍ، ويحشر أهل الأرض بي منذ أن 'كانت الأرض خربةً وخاليةً وعلى وجه الغمر ظلمة.'(4)
  • إذن، لماذا ظلّ اسمك المخيّم؟
  • كيف يميّزهم الآخر إذا غيّرت اسمي؟

الآخر ميّزهم ووضع باللون الأحمر فوق صورهم: «لا مكان لكم هنا طويلًا»، وساهم الآخرون بإضفاء شيءٍ على الملامح فأعطوهم لمعة الزيت(5) على جباههم، والآخر سمّاهم، وأعجبهم الاسم أو عجبوا منه حتّى تعب العجب، فصار عاديًّا كالموت في الحرب الرحبة، إلّا أنّ الآخر لم يخبرهم، وهم لم يعرفوا أين المكان الآخر ومتى الوقت الآخر ومن الآخر الذي سيسمّيهم، ولم يسألوا، ربّما قلّة السؤال تجعل الأمر أخفّ وجعًا!

يقول أحدهم: «أنا اللاجئ الذي ولد هنا، وابن اللاجئ الذي ولد هنا ولم نعرف غير (هنا) مكانًا لنا، وأنا الذي لم تنفع سنوات عمر أبي الخمسون التي قضاها (هنا) في تغيير اسمه، ولم تنفع جنسيّة أمّي لكيّ أغيّر اسمي! لذلك أكره الأطفال -أطفالي لا أطفال الآخرين- لأنّني باختصار لا أريد لهم أن يكونوا لاجئين». هو لا يريدهم أن يكونوا مثله مختلفين، فكلّ مختلفٍ هو مثل ما لا يختلف عنه وكلّ (مثل) مختلفٌ عن الآخر، والمثليّون متماثلون فيما بينهم، مختلفون عمّا سواهم، حتّى في الثورة ينتصر الآخر عندما يحوّل من همّ مثل بعضهم لآخرين على بعضهم.

اللاجئ يفتح باب خيمته/ قصره للآخر (غير اللاجئ) والآخر يصبح جزءًا من هذا المخيّم الذي لم يبق منه على حاله إلّا اسمه، ويكبر الآخر هنا وهو يقول: «أنا من هناك»، واللاجئ يقول: «أنا من هنا، ومن هناك أخرى غير (هناكِهِ)، و(هنايَ) المؤقّت (وهناكي) الأصل الآخر حيث العودة»، وإذا اشتدّ الأمر يومًا، صاح الآخر في وجه اللاجئ: «أنت لست من هنا، أنت من هناك، وأنت ومخيّمك في الـ (هنا) الخاصّة بي، فارحل!».

فيرحل، ولا يرحل منه الكثير، ويبقى، ولا يبقى منه شيءٌ، ولا تقف المهزلة هنا، بل يصبح الآخر -الشقيق سابقًا- مخبرًا عدوًّا، ويعود اللاجئ ليعيد الحكاية ويلعب دور الضحيّة، الضحيّة هنا ضحيّةٌ أخرى، والجاني آخرُ بالضرورة!

الكلّ متغيّرٌ، ولا ثابت إلّا اللاجئ، الوطن –ولو كان مؤقتًا- صار سجنًا، والحدود مسيّجةٌ بأسلاكٍ شائكةٍ متّصلةٍ اتّصالًا وثيقًا بالبحر من جهة، وبخطوط الكهرباء المنهوبة من جهةٍ أخرى، الوطن/ السجن؛ يصبح أرحم من الجار/ السجن أيضًا، ويصبح المخيّم الآخر(6) سجنًا حقيقيًّا لا مجازًا، والهارب من السجن يصبح مطلوبًا بتهمة التسلّل نحو الجنّة، فيقذف(7) إلى جحيم الحرب سبعين خريفًا، فيخرف عمره كما تخرف الثمار، وتنام الصحف ليلًا نهارًا عنه وينام أهل الأرض والسماء وما بينهما، بقرارٍ سياسيٍّ-سياديٍّ بآنٍ معًا.

نجا بعض اللاجئين القدامى مع من نجا من الآخرين، وغنّوا نشيد الموت للبحر والبرّ وعزّ الجوّ إلّا على من طمرَ لمثل هذا اليوم، نجوا بدون المخيّم، فانفصل الثنائيّ (اللاجئ والخيمة) طلاقًا قابلًا للرجوع عنه إن شاء الآخر، وصار الآخرون يسمّون لاجئين، واللاجئون القدامى، صار اسمهم 'عديم'(8)، وليس العديم من العدم، ولا العدميّة، بل من الإعدام، إذ كان يحمل ألقابًا عدّة بأسماء هجراته، أعدموها جميعًا بقرارٍ أمميِّ آخر، فعدمها العديم ولم يقع في سلّة التين ولن يقع!

ومع هذا الانفصال والتغيّر في بنية الثنائيّات، حصل بعض اللاجئين على جنسيّة ما، فصاروا مواطنين، وربّما لا يريدون أن يعترفوا بأنّهم أنصاف مواطنين أو مواطنون من الدرجة الثانية، لأنّ النكران كآليّة دفاعٍ أصيلةٍ يتغلّب على التصديق، فصار هؤلاء -بفضل الجنسيّة- محسوبين على الآخر وصاروا يمارسون (آخريّتهم) على الآخرين وكلّما ابتسمت الحرب صاحوا عليهم –بعد أن تحوّلوا ونسوا ماضيهم-: «يا لاجئين»!

هكذا؛ قتل اللاجئ اللاجئ عندما صار الأوّل شيئًا آخر، وكان لزامًا على الثاني أن يحتفظ باللقب كي لا يتحوّل إلى نكرة.

***

(1) من 'محنة الجذور'، عمّار أحمد الشقيري، القصّاصون على سجيّتهم، دار فضاءات – الأردنّ.

 (2) 'الفلسطينيّون احتكروا المآسي وصدّقوا أنّ القضيّة امتياز.' الكاتب الفلسطينيّ سليم البيك في حوار صحافيّ أجريناه معه لصالح جريدة الأيّام مع مثقّفين فلسطينيّين آخرين، وكان بعنوان 'المثقّف الفلسطينيّ والثورة السوريّة: خذلانٌ أم تغييب؟'

 (3) المقصود مخيّم اليرموك في العاصمة السوريّة دمشق، وهو سؤالٌ حقيقيٌّ وُجِّهَ لنا في العام 2009 من أحد زملاء الجامعة.

(4) سفر التكوين، الإصحاح الأوّل، الفقرة الأولى.

(5) 'زيت الإعاشة' حيث كان اللاجئون الفلسطينيّون السوريّون يقولون إنّ ملامحهم تشبه بعضها، وزيت الإعاشة 'المساعدات التي كانت تقدّمها الهيئات الدوليّة آنذاك' على جباههم.

(6) مخيّم (سايبر سيتي) على الحدود الأردنيّة السوريّة، احتجزت فيه السلطات الأردنيّة الفلسطينيّين القادمين من سوريا منذ أيّار/ مايو 2012 إلى يومنا هذا (أيّار/ مايو 2016) تحت الإقامة الجبريّة، دون السماح لهم بالخروج منه، وسط تعتيم إعلاميّ بقرار أمنيّ سياسيّ سياديّ بحسب تصريحهم.

(7) القذف: مصطلح/ إجراء أطلقته السلطات الأردنيّة بحقّ اللاجئين السوريّين والفلسطينيّين فيها، الذين يصدر بحقّهم قرار إبعاد (إعادة) إلى سوريا، فكانوا يقذفونهم على الحدود ويتركونهم لمصيرهم.

(8) عديم الجنسيّة - بلا وطن – Staatenlos- بالألمانيّة، حيث اعتبرت دول الاتّحاد الأوروبيّ فلسطينيّي سوريا بدون جنسيّة، وكتبت هذه العبارة على وثائقهم الرسميّة.

 

 

رامي العاشق

 

 شاعر وكاتب وصحافيّ سوريّ - فلسطينيّ. وُلِدَ عام 1989 في مدينة الشارقة في الإمارات العربيّة المتحدّة ونشأ في مخيّم اليرموك في العاصمة السوريّة - دمشق. يعيش في ألمانيا – كولونيا منذ 2014 بعد استضافته من مؤسّسة هاينريش بول بمنحة أدبيّة. في نهاية العام 2015، أسّس مع مجموعة من الكتّاب السوريّين والعرب صحيفة أبواب، أوّل صحيفة عربيّة في ألمانيا، وترأّس تحريرها. صدر له أيضًا: سيرًا على الأحلام، شعر، دار الأيّام – عمّان (2014). لابس تياب السفر، شعر بالمحكيّة، مؤسّسة عبد المحسن القطّان والدار الأهليّة – رام الله، بيروت، عمّان (2016). 

تعليقات Facebook