مارًّا مع ليا: مقطع من رواية "تذكرتان إلى صفّورية"

قطط ليالي الشتاء | إنجيل آرت

صدرت رواية 'تذكرتان إلى صفّورية' للكاتب الفلسطينيّ سليم البيك، مؤخّرًا، عن دار الساقي في بيروت، وهي تقع في 240 صفحة، وقد فاز مشروع كتابتها بمنحة مؤسّسة 'آفاق' لكتابة الرواية.

تنشر فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة مقطعًا من الرواية بإذن من مؤلّفها.

***

كان متسطّحًا على فراشه الواسع والسميك، رافعًا وسادتين خلف ظهره، مستندًا على الحائط، متدفّئًا باللحاف، واللابتوب على حضنه، يشاهد فيلمًا عصيًّا لديڤيد لينش قبل أن ينام.

البيت شبه خالٍ، غير مؤثّث، الكتب والأفلام ما تزال مكوّمة بجانب الفراش، ولم يمض على انتقاله إلى بيته الجديد غير أسابيع قليلة. خلاء البيت يزيد من اتّساعه، يزيد ذلك من شعور يوسف بوحدته. في غرفته الصغيرة كان شعوره بالوحدة مقبولًا، مفهومًا، محتمَلًا، إلى حدٍّ ما، لكنّه ثقيل هنا.

كلّما زادت مساحة المكان شعر يوسف أكثر بوحدته. يمكن في المكان الضيّق تبرير الوحدة، فيزيائيًّا على الأقلّ، أمّا مكانه الجديد الواسع، والفارغ، فلا يُعبّأ فضاؤه بغير مشاعر مكثّفة ومتزاحمة من الوحدة.

كان في منتصف الفيلم تقريبًا حين سمع من بين الأصوات الصادرة عنه صوتًا غريبًا عنها، لا علاقة له بما يشاهده. لم يكترث، فهذا ما يعرفه عن لينش وأفلامه، ولن يدقّق في كلّ ما يشاهده ويسمعه. تردّد الصوت عليه، كان لافتًا وملحًّا وأكيدًا هذه المرّة، آتيًا من خارج الفيلم والبيت كلّه.

بدأ ما يسمعه يتسارع ويعلو، كصوت يرتفع ويضيق لماء ينسكب في كأس تمتلئ، فأوقف الفيلم وحاول تحديد إن كان الصوت يصله متخلّلًا النوافذ أمامه أم الحائط خلفه. رفع اللابتوب ونهض إلى النافذة، لم يستطع رؤية شيء من عنده، ففتحها وحاول مدّ رأسه بسرعة تفاديًا للبرد، ليرى مصدر الصوت، فبعُدَ الصوت أكثر، كأنّ البرد الذي اندفق إلى بيته ابتلعه.

في المرّة الأولى التي سمع فيها الصوت نفسه، حيًّا وليس عبر أفلام بورنو، كان في المخيّم. بعد منتصف الليل، كان يوسف في غرفته يكوي قميصًا على سريره ليرتديه صباحًا للجامعة، ويستمع إلى واحدة من مسرحيّات زياد الرحباني وقد حفظ العديد من حواراتها من كثر ما سمعها، كان يكوي حين تناهت إلى أذنيه تأوّهات عالية، لا حياء فيها ولا مراعاة لجيران لا يفصل بينهم وبين غيرهم سوى جدار من الباطون لا يزيد سمكه عن الشبر. إن تصايح أحدهم مع زوجته ينصت الحيّ كلّه، مَنْ في بيته ومَنْ في الحارة.

والمخيّم، بحاراته، مكان محافظ ومكشوف، يعرف كلّ أهله بعضهم البعض ويعرف، أكثر، الجيران بعضهم البعض، ويكونون في كثير من الحالات أقارب ونسائب، وفي معظمها أبناء منطقة واحدة في فلسطين.

ففي رحلة اللجوء عام النكبة، بقي أهالي القرى والمدن متجمّعين، أبناء المناطق ذاتها في فلسطين ممّن لجؤوا شمالًا إلى لبنان وبقوا فيها أو أكملوا إلى سوريا، أو حتّى جنوبًا إلى الضفّة الغربيّة، والذين نزلوا في واحد من المخيّمات عبر قطار أو وصلوا إليه مشيًا من مناطقهم، حرصوا على أن ينصبوا خيامهم، ثمّ يبنون بيوتهم في الحيّ ذاته، لتصير هنالك حارة الصفافرة وحارة التراشحة، وأحياء وشوارع عين غزال ولوبية وحيفا ويافا وصفد وغيرها في مخيّم اليرموك، كما في غيره من المخيّمات، وإن تداخلت الحارات مع الزمن.

فتح نافذته ومدّ رأسه، لم يرَ شيئًا فعاد إلى القميص على سريره. عاد الصوت بشكل أكثر قربًا ووضوحًا وإلحاحًا، أحسّ بفداحة ذلك، أحسّ بأنّ الحيّ بأكمله سيستيقظ غدًا على فضيحة مريعة، أو ما هو أسوأ إن انتبه الزوج الفحل إلى أنّ الصوت الصدّاح الذي كانت تتأوّه به زوجته قد اخترق بيوت الجيران جميعهم، وملأ غرفها، وربّما خرج بالفضيحة إلى الأحياء الأخرى في المخيّم.

أحسّ يوسف بذلك وبدأ يسرح في سيناريوهاته، فقد يتراوح ردُّ الرجل لاعتباره، محوًا لعاره، بين الضرب التارك لبقعٍ ملوّنةٍ على كلّ جنبات جسد زوجته، منهيه بالطلاق وإرجاعها إلى بيت أهلها بعد زوال البقع، وبين القتل إن فلت كالثور وذهب برغبته في إعادة اعتباره لشرفه ورجولته، إلى أقصاها، وبين لملمة الموضوع والتصرّف كأنّ شيئًا لم يكن، وهذا المرجّح، بتواطؤ ضمنيّ بينه وبين كلّ من يلتقي به في صباح اليوم التالي.

عاد الصوت كأنّه آتٍ من تحت نافذة غرفته في بيت جدّه، حيث أقام في الطابق الأوّل، فعاد وفتح النافذة ومدّ رأسه إلى أسفل. تأوّهات حادّة، كالصراخ، كانت بحدّة الأذان الذي يسمعه من مكبّرات صوت عتيقة موزّعة في الأحياء القريبة لمسجد في الحيّ المجاور. يستيقظ بسببه فجرًا شاتمًا أخت المؤذّن وأمّ مركّب مكبّرات الصوت دون أن يسمّي، لتكرار الشتيمة وألفتها لديه، يستيقظ في الرابعة فجرًا ليقول بصوت مسموع «كسّ أختَك ع إمُّه» وينتظر انتهاء الأذان كي يعود للنوم.

تزداد حدّة الصوت مع كلّ تأوّهين أو ثلاثة، فكّر بإمكانيّة أن يكون أحدهم يشاهد فيلم بورنو ونسيَ، لاندماجه به، الصوت عاليًا. مدّ رأسه يمنةً ويسرةً خارج نافذته، لم يرَ أيّ ضوء، لم يرَ حتّى الإضاءة الخفيفة للأشعّة الصادرة عن التلفزيون، ما يمكن رؤيته من خلال النوافذ والستائر الخفيفة في ليل المخيّم الحالك، حيث لا إنارات خارجيّة وحيث صقيع فبراير يزيد العتمة والسكون عتمةً وسكونًا.

امتدّ التأوّه واحتدّ ليقترب من المواء، امتدّ أكثر ليصير مواءً تامًّا. ليس هذا صوتًا بشريًّا، فكّر، بل مواء قطط. كان، وحسب، مواء قطط. صار الصوت واضحًا تمامًا، «هذه قطط المخيّم تتنايَك، وهذا موسمها»، فكّر. أطلق زفرة عالية، ارتاح كأنّ مصيبة كان يمكن أن يستيقظ عليها بعد ساعات، وكان شاهدًا على مسبّبها، قد تلاشت. وعاد خفقان قلبه إلى وتيرته العاديّة.

أغلق النافذة وقد امتلأت الغرفة بالهواء البارد، وزاد من النار في الصوبيا بتسريع قطرات المازوت المتساقطة. أنهى، مستعجلًا، كوى القميص المفرود على سجّادة صلاة على السرير دون أن يعيد تشغيل كاسيت المسرحيّة، وعاد لينام هانئًا، متفاديًا هو والحي والمخيّم مأساةً لم تكن إلّا في رأسه، هو القادم الجديد إلى المخيّم وقططه من دبيّ التي لا تتنايَك قططها، أو تتنايَك بصمت، أو بدون أن تصل أصواتها إلى شقّة بجدران عازلة وسميكة في الطابق الثاني عشر.

أغلق يوسف النافذة وعاد إلى فراشه فاقترب الصوت منه، أسند رأسه إلى الحائط مجدّدًا، واضعًا اللابتوب على حضنه، فسمع الصوت من خلفه، أتاه أكثر وضوحًا وحدّة، كان كمواء القطط، كان صوت امرأة تئنّ، تفتعل ذلك وتستلذّ به. كان تأوّهًا متواترًا، أو تأوّهَيْن بتواترَيْن متداخلَيْن. أدار رأسه لإلصاق أذنه على الحائط فباغته صوت صراخٍ أتاه كالطلقة، فارتدّت أذنه وارتبك وامتدّت يده، لوحدها، لإطباق اللابتوب، كأنّ الصوت فلت من فيلم بورنو يشاهده.

لم يطبقه، أبقى يده ممدودة ومعلّقة، ثمّ أنزل الشاشة برويّة وأعاد، متلصّصًا، أذنه بعدما رفعها للحظتَيْن. كان صوتًا نقيًّا زُلالًا كالماء، كان اجتماع صوتين، ميّز تواترين للتأوّهات، تأكّد من ذلك وحاول فصلهما. لم يجهد كثيرًا لإدراك أنّه فعلًا يستمع لصوتين، كانت الحدّة فيهما تتبادل، تخفض واحدتهما لتعلو الأخرى.

كانا صوتين نسائيّين. حاول تمييز صوت رجل، ولو زفير غليظ بين تأوّه رقيق وآخر، لكن لم تكن أذناه تلتقط غير الطراوة والنعومة. أبقى رأسه مبرومة وأذنه ملتصقة لدقائق، أو ظنّها كذلك قبل أن يفرغ بيت جارته من أصواته وينتبه إلى أنّه كان على حاله تلك لربع ساعة أو أكثر. هي ذاتها جارته التي أبرمت له رأسه بقميص نومها الفضّاح من أمام باب بيتها أوّل مرّة، والآن تبرمه له من داخل بيتها.

لم يكمل الفيلم، أراد أن ينام على الأصوات التي سمعها، أن لا ينشغل ذهنه بما يشوّش عليها. استيقظ باكرًا وكان يوم سبت. حالما فتح عينيه انتبه لما نام عليه، فمدّ رأسه من فوق وسادته وألصق أذنه ليسمع شيئًا، لعلّه يكون شوطًا آخر في الصباح. كان الحائط أصمّ، فكّر بأنّ ثلاثتهم، الامرأتين والرجل مكتوم النفَس، قد أُنهكوا ليلة أمس فلا بدّ لهم من نوم طويل، وأنّ الوقت مازال باكرًا. كانت الثامنة إلّا ربعًا، ولم تكن من عادته أن يستيقظ قبل العاشرة في الويك-إند.

نهض وأعدّ فطورًا، ولم يكن ذلك غير إخراج الزبدة ومربّى الفريز وما تبقّى من خبز، من الثلّاجة الصغيرة، وإعداد القهوة وخلطِها بقليل من الحليب، وتحميص قطعة الخبز. وقد فتح لابتوبّه لمشاهدة البثّ المباشر لقناة الجزيرة على اليوتيوب أثناء ذلك.

 

سليم البيك

 

سليم البيك كاتب من فلسطين يعيش في فرنسا، يكتب في الصحافة الثقافيّة بعامّة، وتحديدًا في النقد السينمائيّ، ويحرّر مجلّة «رمّان» الثقافيّة الفلسطينيّة. صدر له قبل هذه الرواية «خطايا لاجئ»  عام 2008 عن دار كنعان، وهي نصوص نثريّة، و «كرز أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» عام 2011 عن الدار الأهليّة، وهي مجموعة قصصيّة حازت على جائزة القطّان في رام الله، و «ليس عليكِ سوى الماء» عام 2011 عن دار راية، وهي قصائد، ولهمدوّنة ينشر فيها كتاباته.

تعليقات Facebook