"المدمن": أولى روايات وليام س. بوروز إلى العربيّة

وليام س. بوروز

'المدمن' رواية للأديب الأمريكيّ وليم س. بوروز، ترجمتها إلى العربيّة، مؤخّرًا، ريم غنايم، وهي أولى ترجمات بوروز إلى العربيّة.

تقع الرواية في 208 صفحة من القطع المتوسّط، وهي صادرة عن 'دار الجمل' اللبنانيّة، وتتوفّر عبر موقع فرات للنشر للتوزيع.

يُعَدّ الأديب الأمريكيّ وليام س. بوروز (1914-1997) أحد أهمّ كتّاب جيل البيت الذي ظهر في ستّينات وسبعينات القرن العشرين. يُعدّ بوروز من أبرز الكتّاب الأمريكيّين في تلك الحقبة التاريخيّة والأدبيّة في أمريكا، وقد كان الأب الروحانيّ لكتّاب هذا الجيل (إلى جانب كلّ من جاك كيرواك وألن غينسبرغ)، وهو الجيل الذي عُرف بجيل الثقافة المضادّة، إذ رفض واحتجّ على الواقع الذي هيمنت عليه ماكينات الاستهلاك والرأسماليّة، داعيًا إلى أشكال أدبيّة جديدة تعبّر عن الواقع.

عبّر بوروز في كتاباته عن تجاربه الخاصّة مع الهيروين وتجّاره وعوالمه الغرائبيّة، حكايات الشذوذ الجنسيّ، الجرائم والمخالفات التي ارتكبها، العوالم السفليّة للواقع اليوميّ. تُعَدّ رواية 'الغداء العاري' أشهر وأهمّ ما كتب بوروز.

أمّا رواية 'المُدمن'، فتمثّل سيرة بوروز في عهد السقوط في الإدمان، وقد نشرها بداية عام 1953 تحت اسم مستعار (وليام لي)، بعد محاولات إقناع من قبل غينسبرغ، الذي أدّى دور الوكيل الأدبيّ والمراجع لفصول الرواية. 

تنشر فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة مقطعًا من الرواية بإذن من مترجمتها.

***

بعد مضيّ بضع ليال على لقاء روي هيرمان، استعملتُ إحدى الحقن.  كانت تلك أولى تجاربي مع الهيروين. تشبه الحقنة أنبوب معجون الأسنان ذي إبرة عند طرفه. تدسّ دبّوسًا أسفل الإبرة. يقوم الدبّوس بثقب الختم؛ وتصبح الحقنة جاهزة. يضرب المورفين بدايةً مؤخّر الساقين، ثمّ مؤخّر العنق، ويبثّ موجة من الاسترخاء تعمل على تباطؤ عمل العضلات في العظام بحيث تشعر وكأنّك تحلّق بجسد بلا هيكل، وكأنّك ترقد في مياه مالحة دافئة. انتشرت موجة الاسترخاء في أنسجة جسدي، وتملّكتني حالة ذعر شديد. شعرتُ بأنّ صورة ما مخيفة تتواجد في مجال الرؤية، وفي كلّ مرّة حرّكت رأسي تحرّكت الصورة بحيث لم أتمكّن تمامًا من رؤيتها.

شعرتُ بالغثيان. انبطحتُ وأغمضتُ عينيّ. مرّت من أمامي متوالية صور وكأنّي أتابع شريطًا سينمائيًّا: كان هناك مشرب ضخم يعجّ بالمشروبات أُضيء بواسطة النيون وأخذ يتعاظم ويكبر إلى أن شمل الشوارع والسيّارات وأعمال الترميم؛ نادلة تحمل صينيّة فيها جمجمة؛ نجوم في سماء صافية. شعور بالذعر حدّ الموت؛ أنفاس مختنقة؛ دم جامد.

نمتُ واستيقظتُ في حالة ذعر. صباح اليوم التالي، تقيّأت وانتابني إحساس بالغثيان حتّى ساعات الظهيرة.

في تلك الليلة اتّصل روي.

- قال: 'بخصوص ما تحدّثنا حوله قبل ليلتين، يمكنني أن أعطيك حوالي أربعة دولارات ثمن العلبة وسآخذ منك فورًا خمس علب. هل أنت مشغول؟ بإمكاني أن آتي إليك. سنتّفق'.

بعد مضيّ دقائق، دقّ على الباب. ارتدى بذلة قماش وقميصًا غامق اللون بلَون القهوة. تبادلنا التحيّة. نظر من حوله بعينين خلتا من أيّ تعبير وقال:

- 'إن لم تكن تمانع، سأتناول واحدة الآن'.

فتحتُ الصندوق، أخرج حقنة وحقنها في ساقه.

ثمّ رفع سرواله بحركات سريعة وأخرج عشرين دولارًا. وضعتُ خمس علب على طاولة المطبخ.

-قال: 'أعتقد أنّي سأُخرج الحقن من العلب. إنّها ضخمة جدًّا بهذا الشكل'.

بدأ بإدخال الحقن في جيوب معطفه.

-قال: 'لا أعتقد أنّها ستثقب جسدي إذا وضعتها هكذا. اسمع، سأتّصل بك غدًا أو بعد غد بعد أن أبيعها وأحصل على المزيد من المال'. عدّل من هيئة قبّعته على جمجمته التي كانت بلا تناسق.

-'نلتقي'.

عاد في اليوم التالي. حقن نفسه وأخرج أربعين دولارًا.

أخرجتُ عشر علب واحتفظتُ بعلبتين.

-قلتُ: 'هذه لي'.

-نظر إليّ متفاجئًا وقال: 'هل تتعطاها؟'

-'من وقت لآخر'.

- قال محرّكًا رأسه: 'هذه المادّة سيّئة. أفظع ما يمكن أن يحدث للرجل. في البداية يظنّ الجميع أنّهم قادرون على التحكّم به. أحيانًا لا نريد أن نتحكّم به' قال ضاحكًا. 'سآخذ كلّ ما يمكنك التحصّل عليه بهذا السعر'.

عاد في اليوم التالي. سألني إن كنت قد غيّرتُ رأيي وأرغب في بيع العلبتين. أجبتُ بالنفي. اشترى حقنتين بدولار، حقنهما وغادر. قال إنّه سيسافر لمدّة شهرين.

خلال الشهر التالي، تعاطيتُ الحقن الثماني التي لم أبعها. الخوف الذي داهمني في المرّة الأولى تلاشى بعد الحقنة الثالثة؛ من وقت لآخر، استيقظتُ مرعوبًا بعد تعاطي الحقنة. بعد ستّة أسابيع اتّصلت بروي. لم أتوقّع أنّه عاد من رحلته، لكنّي سمعتُ صوته عبر الهاتف.

-قلتُ له:  'اسمع، هل لديك شيء تبيعه؟ من المادّة التي بعتك إيّاها من قبل؟'

ساد صمت.

قال: 'نعم، يمكنني أن أجلب لك ستّ حقن. لكنّ السعر سيكون ثلاثة دولارات للحقنة. أنت تعرف أنّه يتوفّر لديّ الكثير'.

قلت: 'حسنًا. تعرف كيف تصل إليّ. أحضرها معك'.

أحضر معه اثنتي عشرة كبسولة بمقدار نصف حبّة في الواحدة داخل قصبة زجاجيّة. دفعتُ له ثمانية عشر دولارًا واعتذر مجدّدًا عن سعر التجزئة.

في اليوم التالي عاد واشترى منّي حبّتين.

قال وهو يتحسّس ساقه باحثًا عن وريد: 'من الصعب جدًّا الآن الحصول عليه بأيّ سعر'. أخيرًا عثر على وريد وحقن السائل مع فقاعة هواء. 'لو كانت فقاعات الهواء قاتلة، لما وجدتَ مدمنًا واحدًا على قيد الحياة اليوم'، قال وهو يرفع سرواله.

في وقت لاحق من نفس اليوم، دلّني روي على صيدليّة باعوا فيها إبرًا دون أن يطرحوا أسئلة - نادرة هي الصيدليّات التي وافقت على بيع الإبر بدون روشتّة طبيب. أراني كيف نحضّر حلقة ورقيّة لوصل الإبرة بقطّارة العين. القطّارة أسهل من الإبرة العاديّة، خصوصًا في حقن الوريد. 

بعدها بأيّام أرسلني روي لبيع أحد الأطبّاء كذبة عن حصوة في الكلى حتّى آخذ منه روشتّة طبّيّة للمورفين. أغلقت زوجة الطبيب الباب في وجهي، لكن روي نجح في النهاية في تجاوزها وأقنع الطبيب بكتابة روشتّة بعشر كبسولات.

تواجدت عيادة الطبيب في منطقة لبيع الهيروين في شارع 102، أوف برودواي. كان العجوز واهنًا، لم ينجح في مقاومة المدمنين الذين ملؤوا المكان وكانوا في الواقع زبائنه الوحيدين. بدا وكأنّه شعر بالأهمّيّة في كلّ مرّة ألقى نظرة على غرفة استقبال الزبائن ورأى أنّها تعجّ بالبشر. أظنّ أنّه وصل إلى مرحلة أمكنه فيها أن يغيّر المظهر الخارجيّ للأشياء بما يتناسب واحتياجاته، وعندما نظر إلى غرفة الاستقبال رأى زبائن محترمين ومتنوّعين ارتدوا على الأرجح أزياء مهندمة تعود موضتها إلى العام 1910، ولم يكونوا جماعة مدمنين بمظهر مزرٍ حضروا ليأخذوا منه روشتّات طبّيّة للمورفين.

سافر روي مرّة كلّ أسبوعين أو ثلاثة. كانت رحلاته في إطار النقل العسكريّ، وغالبًا ما كانت قصيرة. كلّما عاد إلى المدينة اعتدنا تقاسم الروشتّات الطبّيّة. في النهاية، فقد الطبيب العجوز عقله ورفضت الصيدليّات صرف روشتّاته الطبّيّة، لكنّ روي تمكّن من العثور على طبيب إيطاليّ في برونكس كان على استعداد لكتابة الروشتّات الطبّيّة.

في تلك الأيّام، حقنتُ نفسي بين الحين والآخر، لكنّي كنتُ بعيدًا عن الإدمان. ثمّ انتقلتُ للسكن في شقّة في لاور إيست سايد. كانت شقّة في مبنى مهمل، وانفتح مدخلها على المطبخ.

بدأت أتردّد على حانة 'أنجل' كلّ ليلة والتقيتُ بهيرمان كثيرًا. نجحتُ نوعًا ما في التغلّب على الانطباع الأوّل السيّء التي تكوّن عندي تجاهه، وخلال فترة وجيزة بدأت أدفع ثمن طعامه وشرابه وقد استجدى منّي الفكّة على الدوام. في تلك الأيّام لم يكن هيرمان مدمنًا. في الواقع، نادرًا ما كان مدمنًا، وفقط في الحالات التي كان يحصل على تمويل ما. لكنّه كان على الدوام منتشيًا من شيء ما - من الماريحوانا أو البنزدرين أو أنّه كان منتهيًا تمامًا من المهدّئات. كلّ ليلة، ظهر في حانة 'أنجل' رجل جلف ضخم بولنديّ اسمه وايتي. كان هناك أربعة أشخاص يُدعون 'وايتي'، وهذا ما أثار بلبلة. كان هذا الوايتي مزيجًا من الحساسيّة العصابيّة والعنف المرضيّ. كان على قناعة بأنّ أحدًا لم يحبّه، وهذا ما بعث فيه قلقًا كبيرًا.

في أحد أيّام الثلاثاء، مساءً، وقفنا أنا وروي عند طرف الحانة. كان مايك سابوي هناك، وكذلك فرانكي دولان. كان دولان أيرلنديًّا يعاني من حَوَلٍ في عين واحدة. كان ضليعًا في الأعمال القذرة - ضَرْبَ المخمورين العاجزين والاحتيال على شركائه. كان يقول: 'لا شرف لي إطلاقًا. أنا جرذ'. ويقهقه.

كان وجه مايك سابوي كبيرًا وشاحبًا وله أسنان طويلة. بدا مثل حيوان تحت سطح الأرض يطارد حيوانات فوق سطح الأرض. كان سارق سكارى محترفًا، لكنّه لم يكن مسنودًا. عرفه كلّ رجال الشرطة من أوّل نظرة، ورجال شرطة محطّة مترو الأنفاق عرفوه جيّدًا. هكذا أمضى مايك نصف وقته معتقلًا في رايكرز أيلاند بعد أن اتُّهِمَ بالتدافع الفظّ وحُكِمَ عليه بالسجن لمدّة خمسة أشهر وتسعة وعشرين يومًا.

في ذلك المساء كان هيرمان مُنتهيًا من المهدّئات وظلّ رأسه يرتطم بطاولة المشرب. كان وايتي يصول ويجول على طول طاولة المشرب محاولًا الحصول على مشروبات مجّانيّة. جلس الفتية إلى طاولة المشرب متسمّرين ومتوتّرين يمسكون بمشاريبهم وقد أسرعوا إلى دسّ الفكّة في جيوبهم. سمعتُ وايتي يقول للساقي: 'احتفظ لي بهذه حسنًا؟' ومرّر إليه فوق طاولة المشرب مديته المشبكيّة الكبيرة. جلس الفتية واجمين ومبتئسين تحت ضوء النيون. خاف الجميع من وايتي - باستثناء روي. ارتشف روي جرعة من كأس البيرة بشراسة. التمعت عيناه بألق ميّزهما. كان جسده الطويل بلا تناسق معلّقًا على طاولة المشرب. لم ينظر إلى وايتي وإنّما نظر إلى الحائط الذي واجهه، حيث كانت مقصورات الجلوس. في وقت ما قال لي: 'إنّه ليس مخمورًا مثلي. فقط يشعر بالعطش'.

وقف وايتي في وسط الحانة بقبضتين منثنيتين ودموع تنهمر على وجهه.

-قال: 'أنا لا أسوى شيئًا. أنا لا أسوى شيئًا. ألا يدرك أحد أنّي لا أدري ما الذي أفعله؟'

حاول الفتية الابتعاد عنه أكثر دون أن يشعر.

سليم سابوي، الذي كان شريك مايك أحيانًا، دخل وطلب بيرة. كان طويل القامة ونحيفًا، وبدا وجهه القبيح بلا حياة بشكل غريب، وكأنّه مصنوع من شجرة. صفعه وايتي على ظهره وسمعت سليم يقول: 'بربّك يا وايتي'. واصلا تبادل كلام لم يصل إلى مسامعي. في غمرة هذا الحدث أخذ وايتي المدية من الساقي. وقف خلف سليم وفجأة دفع بيده نحو ظهر سليم. سقط سليم إلى الأمام على طاولة المشرب وهو يتأوّه. رأيت وايتي يتقدّم نحو واجهة المشرب وينظر من حوله. طوى المدية وأعادها إلى جيبه.

-قال روي: 'هيّا نغادر'.

اختفى وايتي وفرغت الحانة إلّا من مايك الذي سَنَد سليم في جانب من جسده، فيما كان فرانكي دولان في الجانب الآخر.

صباح اليوم التالي، سمعت من فرانكي أنّ سليم بخير. 'قال الطبيب في المستشفى إنّ المدية لم تصب الكلية بأعجوبة'.

-قال روي: 'مجرّد أزعر. يمكنني أن أفهم رجلًا يستقوي عليّ، لكنّ هذا الرجل يتجوّل ويلتقط الفكّة عن طاولة المشرب. انتظرتُ أن يحدث هذا. نويتُ أن أضربه أوّلًا في بطنه، ثمّ ألتقط زجاجة بيرة بسعة لتر من الصندوق المتواجد على الأرضيّة وأكسر جمجمته. مع مجرم كهذا عليك أن تكون حكيمًا'.

حُرِمْنا جميعًا من دخول حانة 'أنجل'، وبعدها بمدّة وجيزة تحوّل اسم المكان إلى 'روكسي غريل'.

 

ريم غنايم

 

شاعرة ومترجمة وباحثة من فلسطين، عملت محرّرة مشاركة في منابر أدبيّة ثقافيّة فلسطينيّة، وتكتب باستمرار في الملاحق الأدبيّة والثقافيّة العربيّة. صدرت باكورة أعمالها الشعريّة باسم 'ماغ: سيرة المنافي' (2011). صدرت لها 'أشعار' - ترجمة أشعار لجيمس جويس إلى العربيّة (2013). أشرفت على إعداد وتحرير كتاب 'السؤالان: مقالات في الشعر والنثر' (2014). صدرت لها ترجمة رواية للأديب الأمريكي تشارلز بوكوفسكي بعُنوان 'مكتب البَريد' (2014)، ومجموعته القصصيّة 'أجمل نساء المدينة' (2015). وفي نفس العام صدرت لها مجموعتها الشعريّة الثانية 'نبوءات'، ومختارات من الشعر الأفريقيّ الأمريكيّ بعنوان 'الموت في أرضٍ حرّة'. كما ترجمت إلى العربيّة قصائد لشعراء كبار من أمثال: شارلز بوكوفسكي، بابلو نيرودا، اوكتافيو باث، أليس ووكر، ريتشارد رايت، جاك كيرواك، شارون أولز، وغيرهم.

تعليقات Facebook