مقطع من "مذبحة الفلاسفة": رواية تيسير خلف في طويلة "البوكر"

زنّوبيا، ملكة تدمر

أعلنت الجائزة العالميّة للرواية العربيّة، 'البوكر'، أمس، الاثنين، عن القائمة الطويلة للروايات المرشّحة لنيل الجائزة لعام 2017. وتشتمل القائمة على 16 رواية صدرت خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، وقد اختيرت من بين 186 رواية ينتمي كتّابها إلى 19 بلد عربيّ. تتكوّن لجنة تحكيم الجائزة من خمسة أعضاء، برئاسة الروائيّة الفلسطينيّة سحر خليفة.

ومن ضمن الروايات الـ 16 التي وصلت إلى القائمة القصيرة، رواية 'مذبحة الفلاسفة' للفلسطينيّ السوريّ، تيسير خلف، وهو باحث وروائيّ وُلِدَ في القنيطرة بالجولان المحتلّ عام 1967، صدرت له أربع روايات، ثلاث منها تتناول القضيّة الفلسطينيّة، 'الكتف المائلة'، و'عجوز البحيرة' و'موفيولا'، أمّا الرابعة، 'مذبحة الفلاسفة'، فهي رواية تاريخيّة تستعيد تدمر قبل تدميرها عام 275 م.

تيسير خلف

ولخلف أكثر من 40 كتابًا في البحث التاريخيّ والرحلات والتوثيق، كما صدرت له موسوعة 'رحلات العرب والمسلمين إلى فلسطين' في ثمانية مجلّدات، وله كتب بحثيّة حول الجولان.

جوانب غامضة من تاريخ تدمر

تقع رواية 'مذبحة الفلاسفة' في 200 صفحة من القطع الوسط، وهي صادر عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر. صمّم غلافها الفنّان زهير أبو شايب، أمّا لوحة الغلاف فهي ذبيحة قونون من مدينة دورا أوربوس السوريّة القديمة، وتعود إلى عام 225 م.

تتناول الرواية السنوات الأخيرة من حياة مدينة تدمر التي أصبحت في عصر ملكها، أذينة، عاصمة إمبراطوريّة المشرق، ويسرد أحداثها كاهن تدمر الأكبر في عهد الملكة زنّوبيا.

يسلّط خلف في روايته الضوء على جوانب غامضة من تاريخ تدمر التي مثّلت في حينه مشروع مدينة فاضلة لم تكتمل، إذ هاجمها الإمبراطور الرومانيّ، أورليانوس، بمساعدة قوّات بعض القبائل العربيّة، لينهي حكم زنّوبيا عام 275 م، والتي اقتيدت ومجلس حكمائها (الفلاسفة) إلى حمص، حيث حُكِمَ على الفلاسفة بالإعدام، وبالإقامة الجبريّة على زنّوبيا في قصر تيبور، قرب روما.

تحاول الرواية الإجابة عن مجموعة من التساؤلات المتعلّقة بالهويّة الثقافيّة للمشرق في ذلك الزمن، واستحالة إقامة مملكة فاضلة في فضاء تسيطر فيه المصالح السياسيّة والتناقضات الدينيّة.

تنشر فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة مقطعًا من الرواية بإذن من مؤلّفها.

***

الرؤيا

لوحة الغلاف: ذبيحة قونون من مدينة دورا
أوربوس السوريّة القديمة (225 م)

رأيت، أنا حنبل بن جرم اللات الزبيديّ التدمريّ، فيما يرى النائم، أن الكون أظلم، على حين غرّة؛ بعد أن كانت الشمس في كبد السماء، فظهرت النجوم بأقصى وميضها، كأنها في ليلة صيفيّة صافية. ثم سقطت النيازك على المدينة، كأنها كرات اللهب، فسقط نيزك كبير على المعبد، وآخر على المدرّج، وثالث على القصر، ورابع على الأغورا، وخامس على حيّ بني متبول، وسادس على حيّ بني معزين، وسابع على قبر أذينة بن خيران، فنهض أذينة شاهرًا سيفه، وامتطى حصانه، وصعد به نحو السماء، مخترقًا طوفان النيازك والشهب، حتى غاب عن عينيّ، فنظرت حولي؛ فما وجدت سوى اليباب، ورجال تدمر ونسائها وأطفالها يسيرون بين الرُّكام، في خطّ طويل، حفاة يرتدون الأسمال، دون أن تلمس أقدامهم الأرض. لا ملامح لوجهوههم، وعيونهم لا تنظر إلى شيء، وآذانهم لا تسمع شيئًا، كأنهم يسيرون في نومهم. وفي البعيد لاح لي خيال رجل طويل، ركضت نحوه؛ فكان يبتعد كلما اقتربت. وحين يئست من الوصول إليه، جلست على الأرض، فعاد إليّ، كان/ كُنتُ أنا عجوزاً بلحية بيضاء!

وحين نهضت من نومي، استطعت، بالكاد، أن أرى آخر سَريَّة من سرايا الفرسان تغادر تدمر، من باب أنطاكيا، باتجاه الشمال الغربيّ. وحين سألت عن الملكة، علمت أنها ركبت عربتها الحربيّة، وتقدّمت القوّات الذاهبة إلى بيثينيا؛ فبكيت، وشعرت بغصّة مزّقتْ صدري، لم أختبرها، من قبل، ومضيت إلى تمثال اللات، فجثوت على ركبتيَّ، أمامه، وضممت يديَّ متصالبتين إلى صدري، وأنا أبكي:

-  أيتها اللات ساعدينا.. كوني معنا.

وفيما كنت غارقا بحزني، شعرت بظلٍّ طويل يقف خلفي، فالتفتُّ إليه، كان قصيّ، وقد حضر من غار الجبل. نهضت من فوري، وأنا أداري دموعي؛ فمسح على رأسي، ومضى إلى غرفته المظلمة، فتبعته، وكان قد أوقد سراج الزيت؛ فعمّ النور المكان، كما لم يحدث في مرّة سابقة، ولم أتبيّن، حقًّا، أن ذلك النور منبعث من السراج، أم من قصيّ؟!

وقفت أحدّق إليه، دون أن أقول شيئًا؛ فنظر في عينيَّ، مليًّا، وهو يقول:

-  مبارك حنبل، فقد كُشف الغطاء عنه!

قلت:

- هل قُضي الأمر، أيها المبجّل؟

قال:

- لا منجى.

قلت:

- ولم كان ما كان؟

قال:

- لم يكن إلا ما كان.

قلت:

- والآن؟

قال:

- أمّا أنا فسأمضي إلى أرض، لا تصلها خيول الرومان، ولا تطالها سيوف الفرس، وهناك سأبني مدينتي الفاضلة، ولن يُسفَك فيها دم، حتى لو كان دم ذبابة، أو بعوضة، وسأربط أهل مدينتي برباط الفضيلة، وسأدرّعهم بالعدل، وسأَنذُرُهم للسلام، وحتى بعد مماتي، إن ضلَّ أحد من أهل مدينتي، فسيخرج منهم حرّاسٌ للفضيلة، يعيدون الضالّين إلى الطريق القويم!

وحين أنهى جملته الأخيرة، أطفأ سراج الزيت؛ فعمّ الظلام، ومضى خارجًا من المعبد، متوجّها، بسيره البطيء، نحو غار الجبل.

وقفت خارج البوّابة، أتأمّله، وهو يسير في طريقه، بثوبه الأبيض القصير، وقبّعة اللبد البيضاء، فبدا لي، وكأنه يطير، ولا يسير! وحين ابتعد، قليلًا، لم أعد أتميّزه في السراب، فعدوت نحوه، ولم أبلغه! وحين يئست من اللحاق به، ظهر لي طائر الشِّقِرَّاق، فحام حولي بجناحين أرجوانيّين، يومضان كوميض نجم في ليلة حالكة السواد. وبعد قليل اقترب منّي؛ فمددت له يدي؛ فوقف عليها. تفرّسني، مليًّا، وهو يحرّك رأسه حركات سريعة، مع كلّ نقلة لنظراته. تأمّلت بياض رأسه، ورقبته، وصدره، وجناحيه الأرجوانيّين اللذين يشبهان عباءة الأفكل، وحين التقت عيوننا لمحت نظرة أعرفها جيّدًا، ولكنني لا أذكر أين، ومتى رأيتها!

وفجأة، غادر الطائر يدي، متوجّهًا نحو غار الجبل؛ فتبعته، وظللت أتبعه، حتى وصلنا، فاتّخذ له مكانًا على غصن سدرة، قرب باب الغار، أراها للمرّة الأولى! دخلت، وأنا ألهث؛ من شدّة التعب، وكان قصيّ جالسًا على حجر، أمام اللات، غارقًا في ملكوتها، وحين وقفت؛ استدار نحوي باسمًا، وهو يقدّم لي كوب ماء مثلّج، وهو يقول:

- تلك هي أعجوبتي!

شربت الماء البارد؛ حتى ارتويت، فأخذ الكأس من يدي، وعاد إلى ما كان فيه من صمت، وتأمّل عميقين.

انتظرت أن يكلّمني، مجدَّدًا، فلم يفعل. حاولت أن أسأله عن أيّ أعجوبة يتحدّث؟ عن مدينته الفاضلة؟ أم عن طائر الشِّقِرَّاق؟ أم عن الماء المثلّج؟ فلم تخرج الكلمات من فمي. حاولت أن أتقدّم نحوه أكثر، فتيّبست قدماي. تراجعت إلى الوراء، فتحرّكتا، وحين خرجت من الغار لم أرَ الطائر، ولا الشجرة، بحثت عنه في أرجاء المكان، ولم أجده، فعدت إلى المدينة، أسير الهوينى، وحيدًا بلا طائرٍ. وحين وصلت كان الليل قد هبط، واشتعلت السماء بالنجوم والمجرّات، والشهب البعيدة.

تعليقات Facebook