"مرايا الضوء" تسأل في غزّة: ما علاقة الإبداع بالعنف؟

بين الكلمات | Konstantinas Žardalevičius

 

"محاولة للإضاءة على الأمل، الّذي به نستعين على كلّ التراكمات، الّتي خلّفها الحصار المفروض على قطاع غزّة منذ عام 2007 إلى الآن، نحن هنا نقاوم، بالأمل والحبّ والإبداع، حصارًا مفروضًا علينا من قِبَل الاحتلال الإسرائيليّ، ونحاول بكلّ ما أوتينا من قوّة التماسك في وجه الانقسام"، بهذه المقدّمة القصيرة يُفتتح الإصدار الأوّل عن منشورات "مجلّة 28"، تحت عنوان "مرايا الضوء"، والّذي يصدر بعد 13 عددًا من المجلّة الصادرة في قطاع غزّة. يحتوي هذا الكتاب على 17 نصًّا لكاتبات وكتّاب معظمهم من غزّة، ويضمّ نصوصًا عن غزّة لكاتبات وكتّاب من الضفّة والأردنّ، ونصًّا لطالبة تركيّة تدرس في غزّة.

 

للإبداع وجوه

نقطتان لافتتان في هذا الكتاب، الأولى تتعلّق بتناول مصطلح "الإبداع"؛ فما تلخّصه المقدّمة بالإبداع، شكلًا من المقاومة، يظهر في النصوص بشكل أكثر تعدّديّة؛ فالإبداع لدى بعض الكتّاب هو المساحة الفرديّة الّتي يختبئون فيها، في ظلّ ما يحيط بهم من دمار. "المنطقة الآمنة الّتي وجدتها ووثقت بها لتكون ملجَأً مستمرًّا لذاتي"، تقول هند جودة عن الكتابة مثلًا، وهي بالنسبة إلى وسام المدني "المخلّص من قهر المشاعر وإحساس التقصير". تتحدّث المدني عن "الكتابة كأُمّ"، الّتي تخفّف وجع الكاتب.

 

غلاف الكتاب

 

الوجه الآخر لتناول الإبداع تناوله باعتباره ما يُنتج "على الرغم" من وجود حالة الحصار القاهرة؛ فيكتب فنّان "الراب" منعم عوض عمّا تكبّده من عناء، في ظلّ الظروف؛ لأجل إنتاج ما يريده من موسيقى، أو يسري الغول حين يكتب عن الحالة الإبداعيّة في غزّة بهذه الكلمات: "تنبت رغم الماء الشحيح، وتكبر رغم حصار الهواء والغازات السامّة"، أو في وصف تسنيم دحلان لمقالتها بأنّها مقالة "زاحمت دياجير الظلام".

أمّا الوجه الثالث، فهو وجه الإبداع باعتباره إبداعًا من داخل الحالة الغزّيّة؛ أي أنّ العمل الإبداعيّ نفسه لا ينفصل عن الحالة السياسيّة والاجتماعيّة، وهو ليس خارجها ولا هي الّتي تعوّقه، إنّما هي الّتي تصمّمه، ومنها يندفع الإبداع. والمميّز في هذا التوصيف أنّه لا يقتصر على المفهوم الضيّق للإبداع، بكونه 2الفنون والأدب، إنّما يربطه بمنجزات أخرى مثل التعليم الأكاديميّ، ويحوّل الفعل الجماهيريّ إلى فعل إبداعيّ؛ فتعتبر سميّة أبو حيّة المبادرات لجمع الطرود الغذائيّة للعائلات المستورة، ومبادرات تنظيف المشافي، وجمع التبرّعات للمساعدة في رسوم الجامعات. أمّا لمى خاطر الّتي اعتُقلت في تمّوز (يوليو) 2018، والّتي أعاد الكتّاب نشر نصّها "هنالك دائمًا جديد لدى غزّة"، فتعتبر نشاط المقاومة عملًا إبداعيًّا قائمًا بذاته.

هذه النقطة الأخيرة، كما ظهرت في مقال الأسيرة لمى خاطر، تُلقي الضوء على جانب جدليّ في الكتاب؛ فقد صدر ضمن تعاون مع مشروع "فوائد ثقافة اللاعنف"، في مؤسّسة "بال ثينك للدراسات الإستراتيجيّة"، عنوان هذا المشروع قد يُثير بالنسبة إلى القارئ تساؤلات حول ما تفترضه المقالات من علاقة بين الإبداع والثقافة من جهة، والمقاومة المسلّحة للاحتلال باعتبارها واحدة من المزايا الفارقة في الشأن الغزّيّ.

 

سؤال العنف

تظهر في الكتاب نصوص عدّة، ترى بالكتابة والثقافة نقيضًا للعنف، ورغم أنّها تتحدّث عن "العنف" بعامّة، ودون الدخول بماهيّة العنف المقصود. مثلًا، في هذه الجُمل من مقال وسام المدني: "دور القلم ليغدو الفارس الثائر في محاربة الفساد والظلم، ردّة فعل شرعيّة بعيدة كلّ البعد عن إراقة الدماء، وهذا الدور أكثر ما فتنني في الكتابة، فأنا أحد هؤلاء المنادين بنبذ العنف أيًّا كانت أسبابه، لِمَ نُريق دمًا بشريًّا، بينما يمكننا صنع التغيير عبر الفنّ والعلم والثقافة؟"، أو مثلًا في نصّ ناصر عطالله، حيث يعتبر العنف "مخالب تغرس البؤس في خاصرة الوجود"، و"ضدّ الحياة"، و"وحش يحوّل الجنّة إلى صحارى قاتلة"، أمّا "ثقافة اللاعنف" فهي "ترسم دوائر النور"، و"حُبّ مطلق يدخل المنازل"، و"الطفولة تضحك".

 

 

في الوقت ذاته، نرى نصوصًا أخرى مثل نصّ الأسيرة خاطر، ونصّ الطالبة التركيّة رقيّة ديمير، الّتي تعتبر - في سياق إنجازات الطلبة الغزّيّين في مجال التعليم - أن "لا داعي لذكر النجاح من الناحية العسكريّة، وطبعًا لا ننسى مقاومة الشعب القويّة، الّتي تُعدّ من أجل حرّيّته"، أو نصّ محمّد أبو رمضان، الّذي يتحدّث عن أهل غزّة، و"إدهاش العالم يومًا بعد يوم، بقدرتهم على الثبات والدفاع عن قضيّتهم الإنسانيّة العادلة".

 

إجابتان

ويَظهر فرق جدّيّ بين هذين النوعين من النصوص، من حيث التشديد على مصدر الكارثة الّتي تعيشها غزّة؛ فنرى في النصوص الّتي تربط بين الإبداع ومقاومة الاحتلال حضورًا أكبر لإسرائيل، باعتبارها مصدرًا للكارثة، بينما نرى أنّ النصوص الّتي تضع الإبداع نقيضًا للمقاومة، يتلاشى منها ذكر الإسرائيليّ مباشرةً، ويزداد التلميح إلى دور "المجتمع" أو السلطة داخل غزّة، في هذا الوضع الكارثيّ.

بمعزل عن الموقف الشخصيّ من الربط بين الإبداع والمقاومة، أو الإبداع والعنف – وهو موقف يرفض تسطيح العنف، ونزعه من أسبابه وظروفه وسياقه وأخلاقيّته، حين لا يواجه الإنسان عدوًّا جزّارًا - إلّا أنّ ما يُسجَّل لـ "مجلّة 28"، أنّها استطاعت أن تحوّل هذا الكتاب إلى مساحة للتعدّديّة والاختلاف والحوار بهذا الشأن، في قالب جماليّ وصادق ومحتوٍ.

 

 

مجد كيّال

 

صحافيّ وروائيّ. وُلد في حيفا عام 1990 لعائلة مهجّرة من قرية البروة. صدرت له رواية "مأساة السيّد مطر" عن الدار الأهليّة، ودراسة "كيف يتغيّر النظام الصهيونيّ؟" عن مركز "مسارات".

 

 

 

 

تعليقات Facebook