مسا... فات

NPS Photo | Tim Rains

 

مجموعة من القصص القصيرة جدًّا، صدرت عن وزارة الثقافة الأردنيّة، تقع في 97 صفحة من القطع المتوسّط، للكاتب الفلسطينيّ الأردنيّ سمير أحمد الشريف.

تنشر فسحة – ثقافيّة فلسطينيّة بعضًا من نصوص المجموعة بإذنٍ من كاتبها.

 

*****

 

معارضَة

خرج من السينما المتهالكة جدرانها، زَحَمَه البول، لم يجد غير الجدار المعتم ملطّخًا بإعلانات الناخبين، احتار على مَن يبول، لم يتمالك نفسه وهو يطرطش الجهات الأربع، ابتسم مرتاحًا وهو يجرّب اللعبة من جديد.

 

تعب

وقف يستردّ أنفاسه بعد مشوار قصير، نظر لظلّه الممتدّ، ضربه برأس عكّازه الهرم، وصله صوت احتجاج: "ارحموا عزيز قوم ذلّ".

 

إعياء

عاد من عمله يتأرجح تعبًا، مشّط بعينيه كوكبة الناس الّذين تجمهروا، سأل بحركة من رأسه، تبرّع أحدهم صارخًا:

سارق النهار يوقع الحدّ على سارق الليل.

 

رسم

في الحصّة، بحثتْ عن ألوانها، رسمتْ بيتًا تشتعل فيه النيران، وجسمًا غير محدّد الملامح، قالت للمعلّمة إنّ إطفائيّةً لم تتمكّن من الوصول إليه...

ظلّتِ الطفلة تبكي لعبتها حتّى أوقفها نداء الجرس.

 

استكشاف

من خلف الطاولة، راقه هدوء ملامحها والتماعة سرّيّة تنوس في عينيها، ظلّ يؤخّر دوره استمتاعًا بما يرى حتّى نهاية الدوام، هاله أن تنحني على عكّازتين تستعين بهما على شلل ساقيها.

 

إنسانيّة

راجع تقارير تفتيت البلاد وزَرْع الفوضى وتقويض الدول سريعًا، ليلحق بمؤتمر الرفق بالحيوان.

 

انتماء

أمر سائقه الشخصيّ أن ينتظره ريثما يستلم مستحقّاته من المعونة الوطنيّة.

 

دموع

نظر تلميذ الصفّ السابع في وجه أمّه، لم يجرؤ على الكلام، اعتزل إخوته وكتب في فراغ دفتر النسخ:

أرجوك يا عيد، لا أريد أن أرى دموع أمّي مرّتين.

 

مواجهة

مررتُ بي لحظةً، قلتُ لي: كيفك يا أنا؟

تطلّع بي مستغربًا ثمّ تركني ومضى.

 

اختناق

عندما قفز النمر من اللوحة الّتي يضع الفنّان رتوشها، لم يحرّك الرسّام ساكنًا، غير أنّه أحسّ بخيط ساخن ينساب تحته بهدوء.    

 

استدراك

أدركتْ متأخّرةً، تلك الّتي دخلتْ سوق الإبداع، أنّ التصفيق الّذي كان يملأ القاعة كان لرموشها الاصطناعيّة.

 

براءة

تنحنح، حكّ لحيته الخيط على صفحة وجهه وهو يدلي ببيانه الصحافيّ:

بعتُ على إشارات المرور، جمعتُ العلب الفارغة، تاجرتُ بالكتيّبات والمساويك وزجاجات العطور على أبواب المساجد بأثمان مضاعفة، فهل أكون مارستُ التجارة بالدين؟

           

بكاء

 ذات ولَه، ألحّتْ أن يختار لها من أغاني العاشقين، لم يُخِب ظنّها، قدّم لها شريط "الطفل في المغارة وأمّه مريم وجهان يبكيان".

 

ورطة

المرأة الجديدة وضعتْ على صفحتها صورة مراهقة، ألصقتْ باسمها كلّ صفات الإبداع، وغرقتْ في مغامراتها مطمئنّةً لجهل زوجها بتقنيّات العصر، ابنها الّذي وصل لكلمة سرّها ركبه الذهول وهو يفكّر كيف يوقف المأساة.

 

شطرنج

مجّ الأب نفس الشيشة وهو يرتّب رقعة الشطرنج شارحًا لابنه قواعد اللعبة:

هذا الجنديّ كبش فداء... مقيّد الحركة، وهذا الوزير يتحرّك بحرّيّةٍ ويأكل من جميع الجهات.

تفرّس الولد وجه أبيه طويلًا، وعلامة تعجّب ترسمها عيناه.

 

لعاب

أمام عربة الحلوى، مضغ المتسوّل أمنياته المهاجرة.

 

رفض

 المرأة الّتي أكتبها لم يعجبها حال النصّ المائل، تمرّدتْ، صرختْ، وقفتْ محملقةً بعيون تنفث غضبًا، سمعتُ الكثير من تقريعها قبل أن تنسلّ من بين الحروف وتمسك بالقلم وتكتب نهايةً تليق بها.

 

دروس

في درس النضال الأوّل استحضر خارطة الإنسانيّة، بعد أن ابيضّ شاربه تقلّصت الخريطة لعالمه العربيّ، ما إن أصبح العكّاز رفيقه حتّى مُسخت الخريطة لخيط يمتدّ مسلولًا بمحاذاة البحر، يلملم جراحه ويرسم في خياله قاربًا يغصّ بالهاربين.

 

حلم

أمام اللوحة الّتي يعلو فيها الموج ضاربًا أسوار المدينة، تمنّى أن يسحبه الماء إلى الأعماق الّتي احتوت حبيبته.

 

محاولة

 ظلّ الغصنان يحاولان أن يتصافحا في الأعالي، غير أنّ مخبرًا  أمعن في قصّهما شكًّا في ذاك اللقاء المريب.

 

تحذير

لعقت البقرة وجه وليدها بحنوّ، هامسة:

لا تنخدع بعنايتهم الزائدة، فحليبي ولحمك هدفهم المنظور.

 

اعتراض

تجمّع الممثّلون على الخشبة يحيّون جمهورهم الّذي صفّق لهم بإعجاب، قبل أن تتحرّك ستارة الإغلاق، ظهر شكسبير محتجًّا:

لقد شوّهتم نصي.

 

حنين

عند الثامنة، يصادف خروج زوجها ببذلته وعطره وسيّارته، وصول عامل النظافة، تغتصب ابتسامةً وهي تلوّح بيدها وقلبها يدقّ وهي تسمع صرير عجلات عربة النظافة تقترب دون أن تعرف سببًا وراء ذاك الحنين.

 

ابن كلب

كلب السيّدة المذبوحة ترفًا، ولا يفارقها في أحرج الأماكن والأوقات، دخل المرسم، وعلى غير توقّع، هجم على التمثال الّذي يُعلن عن عريه بشموخ، ارتبكتْ، نظرتْ حولها وتنهّدتْ:

ابن الكلب، حمداً لله أنّه لا ينطق.

 

دعاية

تقدّم الصفوف ليصلّي على جنازة خالته، تمتم طويلًا ثمّ استدار:

ما اسم المرحومة؟

 

مبدأ

سلّم من صلاته عجِلًا، وقف أمام الوافد الّذي أتمّ عمله، مدّ يده المرتجفة يناوله أجرته، استفسر العامل مستهجنًا خصم نصف المبلغ، أجابه بصلف:

رُبع المبلغ لأنّني لم أبلّغ عنك وأنت بلا تصريح، والنصف الثاني حلوان فيلّتي الجديدة.

 

 

سمير أحمد الشريف

 

 

قاصّ أردنيّ فلسطينيّ يقيم في الأردنّ. عمل على مدار عقود في الإعلام والتربية والتعليم. صدر له عدد من مجموعات القصصيّة، مثل: "الزئير بصوت مجروح" (1994)، و"عطش الماء" (2006)، و"مرايا الليل" (2011). يكتب المقالة الثقافيّة والنقديّة في عدد من المنابر الأردنيّة والعربيّة. 

 

 

تعليقات Facebook