ما وراء المنعطف: الحيرة الهوياتيّة الفلسطينيّة

مرآة مكسورة | دانييل جاندا

مراجعة كتاب:

أن تكون فلسطينيًّا: تأمّلات شخصيّة في الهويّة الفلسطينيّة في الشّتات.

ياسر سليمان (محرّر). دار جامعة إدنبره للنشر، 2016.

Being Palestinian: Personal Reflections on Palestinian Identity in the Diaspora

Yasir Suleiman (Editor), Edinburgh University Press (2016).

......

ما بين حرب أو قصف، مفاوضات أو انقسام ومصالحة، وشتّى مستجدّات فلسطين اليوميّة، والتّركيز المحليّ والعالميّ على رقعة الأرض هذه، يستحوذ على وعينا الانطباع بأنّ القضية الفلسطينيّة محصورة، جغرافيًّا، هنا؛ نحن نمثّلها، وهي تمثّلنا. وننسى، في ضجيج الأحداث، أنّنا نشكّل في الحقيقة أقلّية الشّعب الفلسطينيّ. يعيش أكثر من ثلثي الفلسطينيّين خارج حدود فلسطين الانتدابيّة في لجوء وشتات ونسيان، وإذا استذكرنا هذه الحقيقة، يختلف الجواب على سؤال: 'ما يعني أن تكون فلسطينيًّا؟' عن الرّدّ المتوقّع في هذه الأرض. هذا ما يحاول أن يقدّمه الكتاب قيد المراجعة هنا.

تعبير خام

يجمع الكتاب 102 من الـتّأمّلات الشّخصيّة لفلسطينيّين يعيشون في ثلاث دول؛ المملكة المتّحدة، وكندا، والولايات المتّحدة، في محاولة للإجابة على سؤال التّجربة الفلسطينيّة دون الخوض في نظريّات وتحليلات أكاديميّة، مكتفيًا بالتّعبير الخام عن التّجربة الشّخصيّة في ألف كلمة.

لا تحكي المداخلات 'الرّواية الفلسطينيّة' للصّراع، إنّما تحكي عن التّجربة الفلسطينيّة المعيشة، وهكذا فهي تعكس للقارئ مرادفات لأحاسيس وتجارب. أن تكون فلسطينيًّا هي تلك المرادفات، والتّفاوتات الدّلاليّة الفارقة فيما بينها. تفرض التّجربة الفلسطينيّة تداعيات النّكبة نفسها على الأفراد في الحياة اليوميّة، وفي جميع أنحاء العالم. أن تكون فلسطينيًّا 'شتاتيًا' يعني التّرقّب الدائم.

'الشتات هو الحنين لما يبقى بلا اسم، صدى موسيقى ضائعة. هو في العادة ليس ذاكرة. هو أسًى. هو الرّجال أثناء طفولتك مُنْحَنينَ بقلق نحو نشرة الأخبار في التّلفزيون. يشتمون ويدخّنون ويقصقصون بزر القرع بين أسنانهم بينما يسيطر على الشّاشة سياسيّون وجيوش. هؤلاء الرّجال هم عائلتك. أب، عمّ، ابن عمّ. تنضجين وأنت تستمعين لكلامهم عن الحروب واللّاجئين، والبيوت المتروكة في الخلف. يتكلّمون عن مدن عبر المحيط، وتتعلّمين أنّ [لفظ] البلاد هي طريقة مرادفة للقول: تذكّري'. هلا عليّان (في المجموعة).

اللّا أكاديميّة

ثمّة اهتمام فلسطينيّ عامّ بالهويّة الفلسطينيّة، وكأكاديميّ، أرى أنّ لا - أكاديميّة هذا الكتاب تشكّل مصدر قوّته الأول، والّتي تنجلي في التّعبير الحسّيّ أو الشّعوريّ للهويّة. يركّز الباحثون في العلوم السّياسيّة والاجتماعيّة، بعامّة، على استطلاعات الرّأي أو تحليل أنماط التّصويت للاستدلال على التّوجّهات السّياسيّة والتّغييرات في الخطاب القوميّ، وأخيرًا انعكاساتها على الهويّة، لكنّ التّركيز على 'المواقف' وتهميش 'المشاعر' (الأحلام والمخاوف والتّصوّرات والمخيّلة)، ينتقص الكثير من فهم تطوّر الهويّة.

ابتعد محرّر الكتاب، البروفيسور ياسر سليمان، مدير معهد الدّراسات الإسلاميّة في جامعة كامبردج، عن المنهجيّة الأكاديميّة والاتّساق التّحريريّ، وأعطى المشاركين حرّيّة التّعبير. في حين لم يشارك سليمان في نصّ بالكتاب، واقتصرت مشاركته على تدوين التّجربة الفلسطينيّة، أي في مبادرته إلى تحرير الكتاب وجمع المداخلات في المستوى الأوّل، فالكتاب بحث عن الذّات الفرديّة - الجماعيّة الفلسطينيّة.

الحاضر الشّفويّ

تكمن قوّة الكتاب الأخرى في تركيزه على الحاضر؛ فعلى نمط 'التّاريخ الشّفويّ' لأحداث النّكبة والتّهجير، يعرض هذا الكتاب 'الحاضر الشّفويّ' للشّتات والتّجربة الفلسطينيّة المعاصرة. إنّ التّشابه بين تجلّيات الهويّة الفلسطينيّة المعاصرة داخل فلسطين وفي الشّتات لافتة للاهتمام. تُظهر دراسة الرّوايات الفلسطينيّة في العقود الثّلاثة الأخيرة 'خطاب جَمْعَنَة' لدى الفلسطينيّين في إسرائيل؛ تظهر الجَمْعَنَةُ في 'فلكلرة النّكبة'، أي كتابة السّرديّات الفولكلوريّة حول حياة الفلسطينيّين قبل عام 1948 وعمليّة حقن هذه ‏السّرديّات بسرديّات تاريخيّة عن النّكبة، تشير جميعها إلى استحضار النّكبة في عمليّة لمّ الشّمل الفلسطينيّ الهوياتيّ العابر للقارّات. ما يجمع هذه التّعبيرات هو التّوافق على الماضي ومكانة النّكبة حدثًا أساسيًّا في تاريخ الهويّة الفلسطينيّة.

من جهة أخرى، بينما يجتمع الفلسطينيّون حول النّكبة، معانيها وتجلّياتها، تجمعهم الحيرة من الغربة والاغتراب. يكمن التّعامل مع الاغتراب في اللّجوء إلى الحنين، لكنّه لا يعرض حلًّا للحاضر والمستقبل. تتجلّى الحيرة أيضًا في ترقّب ما سيأتي - حالة الفلسطينيّين اليوم. لا ندري ما يخبّئ المنعطف وراءه، لكنّنا نعرف من نحن ومن أين أتينا.

'بالنّسبة للشّباب الفلسطينيّين، تعكس المرآة المكسورة وضع نضالنا الرّاهن من أجل تحرير فلسطين. جيلنا هو مجرّد شظايا زجاج مشوّه مغبّر ومتشقّق، عادةً ما يجرحنا. بعضنا، مثل إخوتنا وأخواتنا في مخيّم اليرموك في سوريا، وفي غزّة، يموتون منه. ومع ذلك، نركّز على الإطار حول المرآة ونتناقش على جماليّته. نريد أن نجمّله، كي يستحقّ إعادة إحيائه. ننغمس في صنع الزّركشات الذّهبيّة البالية والباذخة لتلائم أطراف المرآة المتعرّجة. نتناقش حول أنسب الحيطان لاستضافتها، ونتجادل لمن نتيح أو نمنع النّظر في انعكاسات أنفسهم فيها، وأيّ انعكاسات المرآة أكثر أصالة. هذه المرآة بذاتها الّتي لا نستطيع التّعرّف على أنفسنا فيها، والّتي تجرحنا أطرافها، هي نفسها المرآة الّتي من الظّاهر أنّنا لا نستطيع التّخلّي عنها.' لبنى قطامي (في المجموعة).

بوادر وعي جديد

يستهدف الكتاب في الأصل القرّاء من 'غير الفلسطينيّين'، مقدّمًا للقارئ الغربيّ غير الخبير والملمّ مدخلًا لفهم القضيّة الفلسطينيّة، وربّما التّعاطف معها، إلّا أنّ الكتاب مهمّ للقارئ الفلسطينيّ أيضًا، لأنّه يذكّر الفلسطينيّين الّذين لا يزالون يعيشون في وطنهم، أنّ التّجربة الفلسطينيّة تتعدّى نطاق هذه المساحة الجغرافيّة، وتتجاوز الانقسام بين حماس وفتح، والاحتدام بين الجبهة والتّجمّع، وهدم البيوت في القدس، وتهجير النّقب المستمرّ.

بالإضافة إلى ذلك، ينتقل الكتاب إلى سرديّة معاصرة للتّجربة الفلسطينيّة العالميّة. بكلمات أخرى، بالإضافة لمضمون التّأمّلات الشّخصيّة الواردة فيه، تعكس فكرة الكتاب، أصلًا، الحاجة والمبادرة له، القراءة الفلسطينيّة المعاصرة لقضيّتنا، والّتي تحمل في طيّاتها بوادر وعي جديد.

تعليقات Facebook