"هل يستطيع غير الأوروبيّ التفكير؟"

حميد دباشي

آخر ما يمكن أن يدفعني إلى قراءة هذا الكتاب، أن يكون العنوان شدّني: 'هل يستطيع غير الأوروبيّ التفكير؟' لأنّ الإجابة، وببساطة: نعم. مَنْ تخرّج من جامعة بير زيت، مثلًا، ولم يسمع كلمة 'الاستشراق' أو 'إدوارد سعيد'، فغالبًا لأنّه كان يتغيّب عن محاضراته. حتّى أولئك الذين كانوا يجيبون بــ 'لا، لا يستطيع غير الأوربيّ التفكير'، كانت لديهم طرقهم الحذرة في تمرير ذلك، خشية الاتّهام بالاستشراق.

امتلك مفهوما 'الاستشراق' و'سعيد' طاقة تفسيريّة عاليّة لدى جيل واسع من الأكاديميّين، فإن كان ثمّة نسب بين مفهوم 'الاستشراق' وتيّارات مختلفة من المداخلات السابقة عليه (مثلًا: الجبرتي، أنور عبد الملك، فانون، طلال الأسد)، إلّا أنّ تيّار فوكو وسعيد قد طغى، ما جعل 'سعيد' نفسه يغدو مفهومًا، لأسباب لا مجال لذكرها في مقدّمة ما زالت تحاول أن تشرح 'كيف تقرأ كتابًا لا تحبّ عنوانه'!

سببان يدفعان إلى قراءة الكتاب؛ الأوّل أنّ 'منشورات المتوسّط – إيطاليا' ترجمت الأعمال الثلاثة الأخيرة للإيرانيّ - الأمريكيّ حميد دباشي، وقد اقترح لها عنوانًا موحّدًا 'ثلاثيّة الانتفاضة'، تكريمًا منه لحركة التحرّر الوطنيّ الفلسطينيّ، والكتاب الذي بين أيدينا ثالثها؛ 'هل يستطيع غير الأوربيّ التفكير' (2016)، وهو مجموعة مقالات ومداخلات تتقاطع مع الواقع السياسيّ الذي شهدته المنطقة العربيّة بحمولة فكريّة للكاتب، جعلته يبعث الطاقة التحليليّة لمفهوم الاستشراق مجدّدًا، متجاوزًا الفهم الكلاسيكيّ له، ومقترحًا رؤية متجاوزة لكلّ المنظومة الفكريّة التي كانت ابنة شرطٍ تخلّى عنها، وهو 'حقبة ما بعد الاستعمار'. السبب الثاني أنّ الكتاب يبدأ 'بطوشة'. نعم، لا أبالغ، 'طوشة' حرفيّة مع الفيلسوف سلافوي جيجك. ومَنْ منّا لا يتحمّس لمشاهدة الطوش؟ وبالذات مع جيجك؟! وهو ما سنبدأ به المقال. 

'طوشة' مع جيجك

'حسن، تبًّا لك، من هم هؤلاء المفكّرون ’غير الأوروبيّين‘ الأكثر أهمّيّة؟ دعني أقول إنّني لم أكن منبهرًا للغاية'. يردّ جيجك في سجال مع المدافعين عن مقال دباشي، 'هل يستطيع غير الأوروبيّ التفكير؟'، والذي غدا كتابًا، لاحقًا.  ويكمل جيجك: '... لن أجعل من نفسي رجلًا ينتمي لأيّ ماض كان، بشرتي السوداء ليست مستودعًا لقيم محدّدة. أليس أمامي الكثير من الأشياء الأفضل لأقوم بها، عوضًا عن الانتقام للسود عمّا حصل معهم في القرن السابع عشر؟'

يسائل دباشي جيجك (بعد ردّ الشتيمة طبعًا): 'لماذا يعجز الأوروبيّون عن القراءة حتّى عندما نكتب باللغة التي يفهمونها؟'، ويجيب ساخرًا: 'لأنّ الأوروبيّين يعانون من ’النزعة الأوروبيّة‘ قطعًا، كما أنّ الملّا نصر الدين ظنّ أنّ الموقع الذي ثبّت فيه لجام بغلته هو مركز الكون'.

يبدو جيجك غير قادر على رؤية الوقائع القادمة من خارج أوروبا، حتّى إن رآها، فهو يسرع لإعلان وفاتها (كما أعلن عن وفاة الثورة المصريّة صيف عام 2012). لماذا هذه العجلة في الحكم على حركة جماهيريّة ما زالت في طور التشكّل؟ لأنّها تقع خارج الخريطة التي من الممكن أن يتعلّم منها جيجك؛ إنّها من 'هناك'، من 'عالم ما غير أوروبّا'. لكنّ دباشي لا يكتفي بالقبض على مركزيّة أوروبا وقد تجسّدت في جيجك، بل يقترح دفنها، لأنّها أصبحت خلف الوقائع الجديدة، تلك التي تضعنا أمام 'عالم' ليس من خارج أوروبّا فحسب، بل وجريء بما يكفي لإعادة تشكيل العالم نفسه.

ثمّة نصوص مشابهة كتبها جيجك بعد تاريخ كتابة دباشي لمقالة الردّ المضمّنة في الكتاب (كُتِبَت عام 2010). إليكم، مثلًا، مقاله بعد أحداث باريس، بعنوان: 'في أعقاب أحداث باريس: على اليسار التمسّك بقيمه الأوروبيّة 2015'، داعيًا فيها اليسار إلى التمسّك بالقيم الأوروبيّة، تلك المدعوّة إلى تقديم نموذجها حتّى يتّبعها الجميع. 'ليس لديهم أدنى فكرة عن قيم أوروبّا في التعدّديّة والتسامح'، هذا ما يقرّره جيجك لاحقًا حول اللاجئين السوريّين.

لدى جيجك مداخلات لافتة تبدو مزيجًا خلّاقًا من هيجل وماركس ولاكان، وهو مشروع حياته، بالإضافة إلى مداخلات في السينما والسياسة وفيزياء الكمّ، وصولًا إلى نكته المضحكة ('من لا تضحكه نكتة؟! اللاجئون!' هكذا كتب مرّة). تناقضات غريبة يقع فيها جيجك، وليست مشكلتنا، طبعًا، حلّ تناقضاته.

عالم جديد

بتعبير شاعريّ وجميل، يصف دباشي فصول العالم الآخذ بالتشكّل مع الربيع العربيّ، وقد ضمّ لها الاحتجاجات التي شهدتها إيران عقب انتخابات 2009. '... إنّها تسير أقرب للرواية منها للملحمة وفق تنامٍ حواريّ - حسب باختين - لسرديّة تملك شخصيّاتها اعتباراتها الخاصّة بها وفق نهايات مفتوحة'.

يكتسب الربيع العربيّ عند دباشي موقع استعادة الثقة في أهمّيّة الانتماء إلى العالم الجديد، ومكانًا جديدًا نطلّ منه على أنفسنا ونعيد تعريفها، كما نطلّ على الآخرين منه بعد أن نعيد تعريفهم؛ لذلك تجده يتتبّع يوميّات الربيع في مقالاته لتكتسب قيمة تأريخيّة، ليس للتاريخ نفسه، بل لتاريخ تفاعل 'الأمل' مع 'السياسة' في كتابات المثقّف.   

يرصد دباشي الوقت الذي تتزحزح فيه عناصر الآخر، 'العالم المهيمن'، وترخي 'جغرافيا التحرّر' قبضته، ليسقط منها التناقض الأيديولوجيّ المتمثّل بمقولتي 'الغرب' و'الإسلام'؛ ذلك التناقض الذي اعتاشت عليه قوى الهيمنة في الجانبين، والذي استنفد الشروط المعرفيّة الخاصّة بإنتاج أيديولوجيّات ما بعد الاستعمار نفسها، إلى غير رجعة.

كما أنّ الطبيعة الثقافيّة من المرحلة الاستعماريّة، التي '... ولدتنا فكريًّا بدءًا من سيزر مرورًا بفانون وحتّى سعيد، أخذت مجراها، لم يعد النظام المعرفيّ ينتج أيّ معرفة ذات مغزى'. ويشرح دباشي: 'الاستشراق كوسيلة لإنتاج المعرفة ليس واقعًا، وليس مشروعًا مغلقًا، لقد كان نتاجًا للحظة معيّنة في تاريخ الاستعمار الأوروبيّ، وهو اليوم يتغيّر ويتداعى مع مصير الإمبرياليّة. إنّ المعرفة الاستشراقيّة التي كانت تفرزها الجامعات الغربيّة حلّت مكانها ’دراسات المناطق‘ ومعارف سريعة معدّة للاستهلاك مرّة واحدة، تنتج في مطابخ مراكز البحوث الأمريكيّة والأوروبيّة التي تخدم الإمبرياليّة، ويتعاون معهم ’الخبراء المحلّيّون‘ من مثقّفي ’الطابور الخامس ما بعد الحداثيّ‘'. هذه توليفة الاستعمار الأخيرة في إنتاج المعرفة الاستشراقيّة الجديدة، ولذلك تحتاج منّا إلى تعاطٍ مغاير.

هل يستطيع 'الإسلاميّون' التفكير؟

يستمرّ دباشي في تفكيك الأفكار التي غدت صورًا أيديولوجيّة مستنفدة، تحكي عن التاريخ أكثر ممّا تصف الواقع، ومنها الثنائيّة الوهميّة 'العلمانيّون' و'الإسلاميّون' المهيمنة على المشهد السياسيّ المصريّ. وللدقّة، فإنّ دباشي يفكّك منها عنصرًا واحدًا، وهو 'الإسلاميّون'، أمّا 'العلمانيّون'، فإنّهم لن يصبحوا كذلك حال اختفاء 'الإسلاميّين'!

يحاول دباشي سحب الإسلام من تمثيل 'الإسلاميّين' له، وإرجاعه إلى فضائه الفطريّ، ويقلق من خطرهم على الديمقراطيّة في مصر. ولو أنّه انتظر لما بعد الانقلاب، لتبيّن له، ربّما، أنّ الديمقراطيّة آخر ما يميّز خصوم الإسلاميّين عنهم.

يصف دباشي الإخوان المسلمين بأنّهم 'المنتج النهائيّ لذلك التطوّر الاستعماريّ'، وهو ما يعني، ضمنًا، أنّهم خارج العالم الجديد الذي تشكلّه الثورة المصريّة. ويستمرّ التحليل نفسه في تركيا، معتبرًا 'انتفاضة حديقة غيزي' بداية التغيير ضدّ 'الدولة العميقة' التي تخفّت وراء الواجهة الديمقراطيّة! وهنا تبدو قدم دباشي اليسرى، كما لو كانت تتأخّر في 'عالم قديم' فرّت منه قدمه اليمنى؛ أي من عالم قديم يرى 'الشرقيّين' غير جديرين بالديمقراطيّة، إلى عالم يرى 'النوع' الجدير بها من 'الشرقيّين'.

حين يعدّد دباشي المفكّرين خارج أوروبّا، في معرض ردّه على سؤال الكتاب، فإنّه يسرد أسماء عديدة لمفكّرين تختلف مواقفهم من الديمقراطيّة، بل بعضهم يقف ضدّها، فسلّة 'الجنوب' لديه تتّسع لهم، بينما تضيق بالإسلاميّين الذين يبدو أنّهم لا يستطيعون التفكير.

هل يستطيع الإسلاميّون التفكير؟ لو قبلنا بالعدّة المفاهيميّة الخاصّة بالكتاب، وهي عدّة تسحب الامتياز من الأوروبيّ في تعريف التفكير، فليس لنا، بالمقابل، أن نحتكره؛ أمّا نتائج هذا التفكير، فهناك يقع ميدان صراع السياسة.

 

طارق خميس




 صحافيّ وباحث، خرّيج الإعلام والعلوم السياسيّة من جامعة اليرموك الأردنيّة، وحاصل على درجة الماجستير في الدراسات العربيّة المعاصرة من جامعة بير زيت الفلسطينيّة. يكتب في عدد من المؤسّسات الإعلاميّة الفلسطينيّة والعربيّة، ويهتمّ بالفكر والفلسفة.

تعليقات Facebook