مقالة في الحرّيّة: إجابات ملحّة لأسئلة راهنة

عزمي بشارة

نالت مسائل الحرّيّة في الوطن العربيّ، خلال العقود الأخيرة، اهتمامًا متفاوتًا من العديد من الباحثين والكتّاب والناشطين، وأثارت مواضيعها المتعدّدة والمتشعّبة نقاشات عديدة في المجتمعات، ولا زالت، منها ما يأخذ طابعًا خلافيًّا عميقًا. باتت هذه المسائل، في السنوات الأخيرة، تنال زخمًا واهتمامًا أكبر، وتُعدّ مصيريّة للوطن العربيّ بعد ثورات عام 2011، التي خرجت مطالبة بالتحوّل الديمقراطيّ، حيث كانت الحرّيّة في صلب هذه المطالب. ولهذا، بات الخوض في هذه المسائل، في الوقت الراهن، فكريًّا، ووضع أرضيّة علميّة وعمليّة للنقاشات والمطالب، ضرورة ملحّة، ترسم وجهة الشعوب العربيّة في المستقبل.

في كتابه الصادر عن المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات (بيروت، تمّوز 2016)، بعنوان 'مقالة في الحرّيّة'، يقدّم عزمي بشارة محاولة جادّة ومتقدّمة عربيًّا في هذا المسار، ومتميّزة في فهم مسائل الحرّيّة بوصفها متعلّقة بالأخلاق، كشرط للمسؤوليّة الأخلاقيّة، وباعتبار الحريّة قيمة بحدّ ذاتها. تقوم فرضيّة بشارة في هذه الكتاب، وهو دراسة ألقيت كمحاضرة افتتاحيّة في المؤتمر السنويّ الخامس للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة الذي نظّمه المركز العربيّ في آذار 2016، ووسّعها ونشرها في كتاب، تقوم على أساس أنّ الحريّة كقيمة تعني الحرّيّة كحريّات، من خلال تعريف للحرّيّة مفاده وعي الإرادة والإرادة الواعية في آن.

وعي، وإرداة ومسؤوليّة

يرى بشارة أنّ الحرّيّة معرّفة بالعقل والإرادة، ومشروطة بهما، بقوله 'على الرغم من حلم الإنسان ’بحرّيّة الطيور‘، فالأخيرة ليست حرّة، على خلاف البشر؛ ومن نافل القول إنّهما لا يتوافران في كائنات لا تملك عقلًا وإرادة. فلا حرّيّة في الطبيعة'. في نفس الوقت، يدحض الادّعاء القائل: 'يولد الناس أحرارًا'، كون الحرّيّة كقيمة، ليست معطًى طبيعيًّا، فالإنسان لا يولد حرًّا فكريًّا وجسديًّا وإراديًّا، والمعطى الطبيعيّ الذي يولد مع الإنسان هو التفكير، أي التمييز، وهو عمليّة ذهنيّة، كما يقول الكاتب، وصيرورة تبدأ باكتساب القدرات العقليّة والإرادة؛ فشرط التحرّر هو وعي الحاجة إلى الحرّيّة، أي وعي نقصها، ثمّ فعل شيء من أجل تحقيقها، إذ يكتسب الإنسان الحرّيّة مع نمو الوعي والإرادة.

يبني بشارة تعريفه هذا للحرّيّة، على مسلّمة أساسيّة، وهي ربط الوعي والإرادة بالمسؤوليّة؛ إذ يرى أنّ الإنسان مسؤول، لا عمّا اختاره وقام به فحسب، بل عن نتائج هذا الخيار أيضًا. وهذا يعني أنّ حرّيّة الإنسان تعني المسؤوليّة عن خياراته.

يذكر بشارة مثالًا يستقيه من مشاهد اللجوء الحاليّة، حول استعداد الناس للموت والتضحية من أجل الحرّيّة، يقول: 'صور جحافل البشر الراكبين مخاطر البحر في برد الشتاء، حيث عائلات بالكامل تحت رحمة مهرّب وقوارب متهالكة حُشِرَت فيها بغية الوصول إلى برّ الأمان على شاطئ ما في الشمال. إنّهم يرومون الأمن والأمان، وربّما حياة أفضل. هذا صحيح، لكنّهم لا يعرّضون أنفسهم لخطر الموت بحثًا عن الأمن وحده، بل أيضًا عن الحرّيّة، ومنها التحرّر من الخوف. ولا أقصد الخوف الراهن من الموت الفوريّ المحدق بهم، الذي يواجهونه بين الأمواج، بل الخوف المستمرّ ’العاديّ’ في أثناء العيش في الوطن، حيث خبروا حياة في ظلّ خوف دائم ولا يريدونه لأبنائهم'. 

نقاش مع المحافظين

يدحض بشارة التصوّر السطحيّ الفجّ للحرّيّة، كحقّ الفرد المجرّد في فعل ما يشاء وتحقيق ما يرغب فيه، وهو، بتعبير الكاتب، 'فهم الحرّيّة الذي يُولع المحافظون بترويجه، لتسخيره في تصوير الحرّيّة أنّها سيادة الحماة والهوج والانفلات والفوضى، ولأنّ بموجب هذا التصوّر تكون السلطة المطلقة دواءه الشافي'.

كما يؤكّد، أيضًا، أنّ هذه 'الحرّيّة'، التي تصف اندفاعًا بلا حواجز لتحقيق الرغبات والغرائز، تناقض تعريف الحرّيّة المرتبط بالعقل المميّز عن الغريزة، فهذه 'الحرّيّة الطبيعيّة'، بمعنى التحرّك بخطّ مستقيم ومن دون قيود نحو تحقيق الرغبات، تعني في المجتمع نفي 'حرّيّات' من النوع عينه، منسوبة إلى الآخرين، محذّرًا من أنّها تهدم أيّ قيمة اجتماعيّة من شأنها أن تعرقل تحقيق الرغبات أو تقيّدها، ومن ثمّ تمنع نشوء مؤسّسة اجتماعيّة من أيّ نوع.

ينتقد بشارة بعض المثقّفين الذين يرون أنّ مهمّتهم الرئيسيّة في ما يتعلّق بسؤال الحرّيّة، هي رفض القدريّة الدينيّة التي تمثّل عائقًا أمام تطوّر التفكير العربيّ في الحرّيّة، معتبرًا هذين الطرح والجهد قديمين لا تجديد فيهما، وأنّ القضيّة مع التفكير القدريّ الدينيّ ما عادت مسألة نظريّة، إذ حُسِمَت منذ فترة طويلة، وأنّ ما ينتظر الحسم، فعلًا، قضايا اجتماعيّة وسياسيّة، يساهم حسمها في وضع حدٍّ لانتشار هذا النوع من التفكير. ويسأل: هل طَرْحُ سؤال القدريّة الدينيّة كعائق رئيس أمام الحرّيّات في ظلّ استبداد علمانيّ، هو جهد أكثر جذريّة في عصرنا من جهد النهضويّين في عصرهم؟

في نفس الوقت، ينتقد بشارة  المثقّفين الإسلاميّين الذين يكثرون من إبراز مساوئ الديمقراطيّة في الغرب، 'وزيف الحرّيّة التي تدّعي أنّها تحرسها'، متسائلًا: هل التركيز على مساوئ الديمقراطيّات في الغرب من باحث يعادي الاستبداد العلمانيّ ويؤيّد الاستبداد إذا كان يرتدي رداء الدين، هو موقف جذريّ من الحرّيّة؟ ثمّ يجيب بأنّ من يدّعي كشف 'زيف الحرّيّة' يقوم بذلك لأنّه يعارض الحرّيّات الشخصيّة والمدنيّة والسياسيّة، أصلًا، لا لأنّه يدافع عن 'حرّيّة حقيقيّة' ما.

ويشير بشارة في معرض نقاشه إلى القوى السياسيّة المنظّمة التي تطرح نفسها بديلًا من قادة الدول، وترغب (بدرجات مختلفة) في فرض نمط حياة على الناس، وتسعى إلى الخلط بين المجالين الخاصّ والعامّ من منطلقات دينيّة؛ ما يتيح لها التدخّل في سلوك الناس اليوميّ، مثل مأكلهم وملبسهم. ويصف هذه القوى بأنّها 'تفرض نمط حياة على الناس بالإكراه، حتّى وهي في المعارضة، كأنّها سلطة اجتماعيّة احتلّت الفراغ الذي أخلّته الجماعات العضويّة، كالقبيلة والعائلة الممتدّة والجماعات القرويّة الأهليّة، واستولت على عرش العرف والعادة في مجتمع الجماهير'.

وقد تستغلّ هذه القوى، في مراحل معيّنة، إتاحة أنظمة استعماريّة واستبداديّة الحرّيّات الشخصيّة مع قمعها للحرّيّات المدنيّة والسياسيّة، لتصنع ردّة فعل محافظة على المستوى الشعبيّ، تتضمّن مواقف مناهضة للحرّيّات الشخصيّة، فتُزيح تلك القوى طاقة رفض الاستعمار أو النظام الحاكم إلى معاداة الحرّيّات الشخصيّة، كقضيّة أصالة وهويّة وطنيّة.

ويشير، أيضًا، إلى أنّ ثمّة حركات تفكّ الارتباط بين القوميّة والتحرّر، وتحوّل الهويّة إلى أيديولوجيا، وتستخدم رصيد المرحلة التحرّريّة في الماضي (ضدّ الاستعمار) ضدّ التحرّر في الحاضر، فتبدو نزعة التحرّر الاجتماعيّ والفرديّ كأنّها خيانة للأمّة.

نقد الرأسماليّة والاستهلاكيّة

لا يناقش بشارة أسئلة عربيّة راهنة في الحرّيّة فقط، بل يخوض في قضايا تشغل المجتمعات حول العالم، لا سيّما تلك التي تشهدها الدول الليبراليّة التي حقّقت شوطًا متقدّمًا في قضايا الحرّيّة. وهي قضايا مهمّة عربيًّا، أيضًا، لأنّنا قد نواجهها، ومنها ما واجهناه حقًا، في ظلّ النظام الرأسماليّ الذي يحكم العالم، في عصر العولمة وتطوّر وسائل التواصل والإعلام خاصّة.

يقول بشارة في هذا السياق، إنّ المجتمع الرأسماليّ الاستهلاكيّ الحديث طوّر أدوات أخرى للسيطرة على الفرد ومنعه من ممارسة سيادته على نفسه وعقلنة إرادته، منها أدوات الإعلام وتعميم ثقافة التضليل، وحجب المعلومة التي تجعله، ربّما، يقرّر قرارًا معيّنًا، وتدفّق المعلومات التي من شأنها دفع الفرد إلى اتّخاذ قرارات أخرى. ويضيف: 'ما عادت حرّيّة الإنسان مهدّدة من نظام الحكم وحده. ومن نافل القول إنّه يمكن مقارنة أحوال ابن الطبقة الوسطى في نظام ديمقراطيّ، ودرجة الحرّيّة التي يتمتّع بها، مثلًا، بالوضع الذي يجد فيه نفسه أحد رعايا النظام الاستبداديّ. لكن حتّى ابن هذه الطبقة الذي يقدّم في النظام الليبراليّ أنموذجًا للإنسان الحرّ، يخضع لأنظمة الرقابة الحديثة فائقة التطوّر، التي تستطيع أن تتغلغل في خصوصيّاته الدقيقة، كما يخضع للتنافس الاستهلاكيّ مع أقرانه، وتستعبده متطلّبات مستوى المعيشة ودفع الأقساط لسداد قروض البيت والسيّارة، وتقيّده متطلّبات العائلة والأبناء'.

كما يحذّر بشارة من الحرّيّة التي تعني، ربّما، تعميق الفجوات الطبقيّة إذا كان يمارسها قطاع صغير من المجتمع فحسب، إذ يرى أنّه أصبح من الضروريّ تعديل مفهوم الحرّيّة الاقتصاديّة وحرّيّة الملكيّة للمساهمة في المصلحة العموميّة، كما أصبح من الضروريّ تعديل مفهوم المساواة كي تكون مساواة في الحقوق والحرّيّات وممارستها، وتوفير أوضاع مادّيّة حياتيّة تمكّن الأفراد من ممارستها. فبسبب الفقر والحرمان وانعدام المساواة في فرص التعليم، لا سيّما التعليم الجامعيّ، والخصخصة المتزايدة للتعليم، وكذلك ارتفاع تكلفته باسم الجودة، لا يتمكّن الناس من ممارسة حرّيّاتهم، لأنّ شروط ممارسة الحرّيّة لا تتوزّع بالتساوي.

أمّا ما يخصّ نقد المشهد الاستهلاكيّ، فيعتقد الكاتب أنّه بسبب كثرة المعلومات التي يتلقّاها الإنسان عن نفسه، ما عاد قادرًا على رؤية نفسه، وممارسة السيادة عليها، وهو أمر يمكن أن يودّي إلى أن يغدو الإنسان، داخليًّا، عبدًا لشهواته وغرائزه، بل يمكن أن يجعله قايض ممارسة حرّيّته الخارجيّة بتلبية بعض شهواته.

أحد الأمثلة التي يوردها بشارة على ذلك، صناعة وهم الحرّيّة في أوقات الفراغ، إذ يقول: 'ليس صدفة تسمية وقت الفراغ خارج ساعات العمل في العصر الحديث ’الوقت الحرّ‘ (Free Time)، لأنّ الإنسان يمكنه التحكّم بنفسه خارج زمن العمل ومكانه. فأصبحت الحرّيّة تكمن في البحث عن معنى في التسلية وتزجية الوقت والمغامرة والبحث عن غير المألوف خارج نطاق العمل، ما يوهم الإنسان بالحرّيّة ويمنحه معنًى لحياته، فلا معنى للحياة دون حرّيّة. لكنّه ما عاد وقتًا حرًّا، فصناعة أوقات الفراغ وتنظيمها للمواطن، أصبحت من أهمّ فرص التأثير في خياراته وإرادته والتحكّم بها من المؤسّسات الاقتصاديّة والإعلاميّة والسياسيّة التي تبيعه وهم الحرّيّة'.

يرى بشارة أنّ نقد المشهد الاستهلاكيّ ومؤثّراته الصوريّة والصوتيّة من أهمّ تحدّيات النزعة التحرّريّة في عصرنا.

أفكار لأسئلة عمليّة

ما يميّز هذه الدراسة، أنّها لا تتعامل مع الحرّيّة كقضيّة نظريّة فلسفيّة في الفكر الليبراليّ المعاصر فقط، بل كونها مسألة سياسة ومجتمع واقتصاد وقانون. وإن أفرد الكاتب للمسألة الفلسفيّة عددًا من الفصول، فإنّ القارئ يجد فصولًا أخرى متعلّقة بمسائل الحرّيّة الكبرى في المجتمعات العربيّة في أيّامنا، تكمن أهميّتها في كونها أجوبة غنيّة لنقاشات دائرة، ولأسئلة عمليّة كبرى.

يؤطّر بشارة أسئلته حول الحرّيّة والسعي إلى الحرّيّات وتحقيقها وصونها، بوصفها 'حقوق مواطنة'، في إطار الدولة فحسب، ومنها الحرّيّة الشخصيّة التي يصبو إليها الفرد كي يختار نمط حياته ومهنته ومكان إقامته وعقيدته الدينيّة، وغيرها. كما يرى أنّ التحرّر من الطغيان من دون تأسيس للحرّيّات ونظام يحمي هذه الحرّيّات، ربّما يؤسّس لطغيان جديد، أو فوضى مؤقّتة تقود إلى طغيان، أو إلى فوضى وحروب أهليّة طويلة الأمد. كما يرى أنّه ما عاد يكفي الحديث عن نظام قائم على مبدأ الحرّيّة، فقد باتت هذه المقولة وحدها مثيرة للتوجّس، كما لم يعد ممكنًا التزيّن بمبدأ سيادة الشعب. ومثلما تبقى سيادة الشعب تعبيرًا فضفاضًا من دون تنظيم قواعد مشاركة الشعب في صنع القرار فعلًا، بالانتخابات وغيرها، كذلك لم يعد ممكنًا الحديث عن الديمقراطيّة كسيادة للشعب تقوم على مبدأ الحرّيّة، من دون ضمان مؤسّسي للحرّيّات الشخصيّة والمدنيّة والسياسيّة، عبر مبادئ دستوريّة وقوانين وإجراءات.

يؤكّد الكاتب أنّ الحرّيّات في عصرنا إنجازات يفترض أن يتمتّع بها المواطنون، شرط أن يتحلّوا بالوعي والمسؤوليّة اللازمين لاحترام حرّيّات الآخرين والمصلحة العامّة، كما تتبلور في الأعراف والقوانين. ويضيف أنّه ليس مقصودًا بالوعي اللازم لممارسة الحرّيّات السياسيّة، درجة أكاديميّة في هذا الموضوع العلميّ أو ذاك، بل المقصود هو الوعي بالمجال العموميّ، وبواجبات الفرد وحقوقه، والتعرّف إلى معنى حرّيّات الآخرين. ويتألّف الوعي المطلوب توافره من القدرة على ربط الاستقلاليّة الذاتيّة للفرد بمصالح المجتمع كلّه، والاقتناع بجدوى المشاركة السياسيّة للتأثير في مصير المجتمع والفرد، واحترام حقوق الآخرين وحرّيّاتهم كمواطنين، واحترام حكم القانون والمساواة أمام القانون، وحكم الأغلبيّة وحقّ الأقليّة في أن تصل، بدورها، إلى الحكم، ورفض إملاء الرأي السياسيّ على الآخرين بالقوّة، أو استخدام جهاز الدولة لهذا الغرض.

ويولي بشارة دورًا مهمًّا لمشاركة المؤسّسات الاجتماعّة والسياسيّة كلّها، ومنها الأحزاب، في هذه المهمّة، أي مهمّة صوغ الوعي بالمسؤوليّة عن الحرّيّة؛ فباستطاعة المؤسّسات والاتّحادات على أنواعها أن تساهم في تنشئة المواطن وتعويده ممارسة الحريّات وتحمّل المسؤوليّة. ثمّ يتساءل: أيّهما أسبق، ممارسة الحرّيّات السياسيّة أم درجة الوعي بالمسؤوليّة؟ ويجيب: 'ثبت أنّ حرمان المواطنين المطلق من ممارسة العمل السياسيّ والنقابيّ والتنظيميّ، بشكل عام، يمنع نشوء مثل هذا الوعي'.

كما يولي أهمّيّة للداعين إلى النضال لتحقيق الحريّات، فهم يتحمّلون، في نظره، مسؤوليّة التمييز بين القوى التي تدعو للتغيير من أجل تأسيس الحرّيّات، وتلك التي تدعو من أجل تأسيس استبداد بديل.

ويحّذر ممَّن يعارض منح الناس الحرّيّات المدنيّة والسياسيّة، الذي يدّعي، عادة، عدم تأييد الظلم، بل يقابل الحرّيّة بقيمة أخرى، مثل الوطنيّة أو الاستقرار والحفاظ على الأمن. فهو يتّهم مطالب الحرّيّات المدنيّة والسياسيّة بأنّها مؤامرة خارجيّة، ملوّحًا براية الوطنيّة مقابل رايات الحرّيّة. ويقول في هذا الخصوص: 'يبرّر المستبدّون وأنصارهم رفضهم تحقيق الحرّيّات بمخاطر الفوضى والفتن، ويؤكّدون الاستقرار باعتباره قيمة، لكنّهم يعنون في الواقع استقرار نظام حكمهم وقبول الناس واقع الظلم، وتهديدهم بالقمع والردود التي سيستدعيها'.

لا يخفي بشارة كون ممارسة الحرّيّة قد تؤدّي إلى أخطاء، وربّما إلى كوارث. لكن، لتصحيح المشكلات الناجمة عن استخدام الحرّيّة، سنحتاج إلى حرّيّة، مثلما نحتاج إلى عقل لتصحيح أخطاء العقل.

الحرّيّات الفرديّة

يتحدّث بشارة عن المطالبة باحترام الحرّيّات الفرديّة، أي في الشؤون التي أصبحت تُعَدّ شخصيّة وخاصّة، والتعهّد بذلك، بوجوب أن تكون جزءًا من البرنامج السياسيّ لأيّ حركة ديمقراطيّة، بالإضافة إلى الصراع الذي لا بدّ من خوضه على المستوى الاجتماعيّ للذود عن خصوصيّة المواطن.  كما يؤكّد أنّه لا تصحّ مساومة الحرّيّات المدنيّة والسياسيّة بحماية نظام الاستبداد بالحرّيّات الشخصيّة، فالنظام الذي يتدخّل في كلّ صغيرة وكبيرة في حياة الناس اليوميّة الخاصّة، بذريعة تطبيق تعاليم الدين أو غيرها، لا يمكنه الثبات على التزامه تجاه الحرّيّات المدنيّة والسياسيّة؛ فلكي يكون قادرًا على التدخّل على هذا المستوى، سيجد نفسه مضطّرًّا، عاجلًا أم آجلًا، إلى قمع الحرّيّات المدنيّة والسياسيّة أيضًا.

يشير الكاتب إلى أنّ ضغطًا يُمارس على الحرّيّات الشخصيّة، مصدره العرف والعادة والبيئة الاجتماعيّة والثقافة المهيمنة، وقد تتدخّل الدولة لتعزيز هذا الضغط بوصول قوًى تحمل أيديولوجيا دينيّة ترغب في تطبيقها كمشروع دولة، وهو ما يعدّه أمرًا منافيًا لحرّيّة الخيار الأخلاقيّ، ولا يمكن تخيّل ديمومة هذا التدخّل من دون قمع الحرّيّات المدنيّة والسياسيّة. الأمر الذي يؤدّي، وفق بشارة، إلى انتشار النفاق الاجتماعيّ؛ وهو نوع من الكذب والتحلّل الأخلاقيّ، وله إسقاطات عنيفة تضعف قيمًا مثل الصدق والإخلاص والدقّة وحسن العمل، مقابل ازدهار مظاهر المجاملة الكاذبة والخداع والنفاق. كما يُعَرّض، أيضًا، الحرّيّات المدنيّة والسياسيّة للخطر، إذ لا يمكن الحفاظ عليها على أساس قمع الحرّيّات الشخصيّة، فهي جزء من الحرّيّات الفرديّة، والفرد كائن واحد متكامل يصعب منحه حرّيّات سياسيّة مدنيّة وحرمانه من الحرّيّات الشخصيّة في الوقت ذاته.

تساؤلات ختاميّة

من المفيد والمهمّ، في هذه الأيّام التي تصادف ذكرى انطلاق الثورات العربيّة عام 2011، وبعد كلّ ما شهدناه في الأعوام الستّة الأخيرة، وما آلت إليه الثورات من تعثّر وانتكاسة وحروب وانقلابات، مع بعض النجاحات أيضًا، أن نعيد التفكير والقراءة والتقييم. ولعلّ هذا الكتاب من العناوين البارزة والمطلوبة لإنجاز مهمّة كهذه الآن، دون الوقوع في فخّ التسميات أو النصائح على شاكلة 'الوصفة السحريّة'، أو ما قد تحمله عناوين كتب التنمية البشريّة، مثل 'سبعة أفعال من أجل تحقيق النجاح'، فلا وصفة سحريّة للنجاح في التحوّل الديمقراطيّ.

يقول بشارة، وكأنّه يتساءل خلال ندوة في تونس قبل أيّام: 'العرب مطالبون، اليوم، بإقامة أنظمة ديمقراطيّة في فترات زمنيّة وجيزة، تستوعب جميع القيم التي يتطلّب تحقيقها فترات طويلة لدى المجتمعات الغربيّة، والتي توصّلت إلى ذلك بعد مخاض صعب ومؤلم'، وذلك في معرض حديثه عن التراكم التاريخيّ الذي ربط الديمقراطيّة بالليبراليّة في الدول الغربيّة، وهو قول يقودنا للتساؤل حول الأولويّات في هذه المرحلة.

بالطبع، لن يتمكّن العرب من إقامة أنظمة ديمقراطيّة في فترات وجيزة، وإن اعتقدنا، خلال نشوة الأشهر الأولى من الثورات، بأنّ هذا الحلم سيتحقّق قريبًا، إلّا أنّه بات اليوم سؤالًا في الممارسة. وإن كان هذا الإنجاز لن يتحقّق، من وجهة نظر بشارة، إلّا عندما تحمل النخب ثقافة ديمقراطيّة عميقة، ولا تخون مجتمعاتها، سواء على المستوى النظريّ أو مستوى الممارسة، فما هي أولويّات النخب؟

هل هو تحرير 'مأزق الحرّيّة في المخيال العربيّ المرتبط بشكل مستمرّ بلحظة الثورة ضدّ المستعمر لا غير'؟ كما يقول بشارة في الكتاب، أم مواجهة القوى التي انخرطت في الثورة، لكنّها تعدنا باستبداد جديد؟ هل الاتّفاق على الحدّ الأدنى والأساسيّ بين القوى السياسيّة من أجل الإطاحة بالاستبداد يفي لتحقيق الحرّيّات السياسيّة والمدنيّة والفرديّة، مستقبلًا؟ ألن تقوم مساومات تهدّد ضمان بعض الحرّيّات، على اعتبار أنّ المرحلة غير مؤاتية لطرحها، إذ يتحوّل النقاش من نقاش مبدئيّ قيميّ حول الحرّيّة، إلى نقاش مساومة ومحاصصة؟

وإذا كانت عمليّة التحوّل الديمقراطيّ مرتبطة بامتلاك النخب لثقافة ديمقراطيّة عميقة، فأين المساحة اليوم في الوطن العربيّ لهذه النخب كي تتشكّل، في ظلّ اشتداد الثورة المضادّة والقمع الدمويّ الذي نراه، وخسارة عدد كبير من هذه النخب، قتلًا وسجنًا ونفيًا؟ هل المهجر ساحة مناسبة؟ كيف سنبني وعيًا لازمًا لقضايا الحرّيّة، في ظلّ حرمان المواطنين في العديد من الدول العربيّة، من العمل السياسيّ والنقابيّ والتنظيميّ؟

أسئلة عديدة تُطرح بعد قراءة الكتاب، وفي ظلّ المرحلة العربيّة الراهنة.

 

ربيع عيد

 

 

صحافيّ فلسطينيّ ومحرّر في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة. يعمل في الصحافة منذ عدّة سنوات. كتب في العديد من المواقع والصحف العربيّة، كما عمل رئيسًا لتحرير صحيفة فصل المقال. حاصل على بكالوريوس العلوم السياسيّة، ويدرس لنيل ماجستير الإعلام والدراسات الثقافيّة.

تعليقات Facebook