مثل صياد بري: تأملات في فلسفة دولوز

جيل دولوز

 

يتماهى الإنسان مع الكتابة، كأنّها ملخّص لتكوينه وقت كتابته. ولأنّ الفكر الإنسانيّ غير قابل للثبات؛ فإنّ تركيبة الإنسان لا تتوقّف عند حدّ يمكن الخلاص إليه، مثل محاولة دائمًا ما تكون فاشلة في عدّ الخطوات الّتي يمشيها المرء في عمره. تواصل سيرورة الأشخاص من حولنا - كما الأشياء - التشكّل والتنميط الجديد، هنا تكمن الفلسفة الّتي تبني تاريخها من خلال فكرة التبدّل الدائم للحال.

إنّ القراءة أو الحوار مع الفيلسوف أو الأديب، تشكّل منعطفًا في طريق المتلقّي المتأمّل، ولقد كانت للفيلسوف الفرنسيّ جيل دولوز (1925 - 1995) رؤية خاصّة للأشياء والمفاهيم من حوله، فهو يعطي أقدامًا انشطاريّة للّغة؛ إذ تنقل الأفكار إلى أمكنة غير ملموسة من قبل، تلك الخطى الّتي تنقلك إلى عالم من الدهشة، والفرار من المصيدة المحيطة بالمألوفات.

 

هذيان الكاتب

دولوز الّذي يخرج ليقابل الأشياء، لا ليقابل الناس، يؤكّد أنّ الكتابة يجب ألّا تكون شأنًا ضئيلًا للفرد، ويصف ذلك بالمأساة؛ فيقول: "مَنْ يعتقد أنّه من الممكن أن يكتب رواية عن جدّته المريضة، أو عن قصّة حبّ خاصّة به، فلن تكون هذه رواية على الإطلاق"، فهو يريد إيصالنا إلى فكرة الكتابة عن مشاعر العالم الجمعيّة، فيكتب الكاتب ليصل الحدّ الأقصى للغة، وحتّى يصل إلى الحدّ الّذي يكتب فيه عن الحيوان، فالكاتب يكتب من أجل القرّاء، وبدلًا عنهم"، وقد استعان بقول آرتو: "أكتب من أجل الأمّيّين؛ من أجل الحمقى". هذا لا يعني أنّهم سيقرؤون، لكنّه يكتب عنهم ولهم.

دولوز يشجّع على الهذيان المطلق للكاتب؛ إذ يهذي عن العالم، وليس عن عائلته الصغيرة، فالحياة لديه أكثر من شيء شخصيّ، والمرء يكتب لأنّ شيئًا يسري داخله، أو ثمّة أشياء، الكتابة صيرورة هذه الأشياء.

دولوز يقدّم طريقة مبتكرة، بأن يقيم الإنسان علاقة حيوانيّة بالحيوان، مثل صيّاد برّيّ يعرف ما يهمّ الحيوان في البيئة المحيطة به، بل يشبّه دولوز الكاتب بالحيوان في ترصّده الدائم للأشياء؛ فالحيوان يأكل طعامه، وعينه وحواسّه كلّها تنظر إلى الخلف، إنّها حالة الخوف المستمرّة من انقلاب الأشياء في وجهه، ويستغرب كيف يفتّش الحيوان عن ركن يموت فيه! وكيف للإنسان ألّا يعرف ذلك! وتلك الّتي يجب أن تكون أقلّ مهارة لدى الكاتب.

 

الأدب

وعن مستوى الأدب، يستعير دولوز بمثال طرحه نيتشه؛ أنّ شخصًا يطلق سهمًا للفضاء، أو جَمْعٌ يفعلون ذلك، ويسقط في نهاية المطاف، ثمّ يأتي شخص ليلتقطه، ويدفعه إلى مكان آخر، ويقول دولوز: "إذن، هكذا يحدث الإبداع، هكذا يتجدّد الأدب؛ بالمرور من خلال فترات صحراويّة".

ويقدّم دولوز طرحًا خاصًّا في تعريف الأسلوب، إذ يقول: "إنّه عمليّة حفر لجحر صغير للغة أجنبيّة داخل اللغة"؛ فالكاتب مطالَب بشقّ طرق جديدة من استخلاص ذاته بشكل جديد، لم تعرفه اللغة من قبل. وعن الأسلوبيّ العظيم، يقول دولوز: "هو الخالق للجملة".

حتّى الشيخوخة، يعطيها دولوز طريقة غريبة في التعاطي؛ فإنّ المرء عنده، حين يصل إلى الشيخوخة، في ظلّ عالم مليء بالحروب والفيروسات المتعفّنة، فهذا إنجاز عظيم، ويُشير إلى المعنى الوحيد للشيخوخة، هو الوجود، فقط لا غيره. إنّه لمن الرائع أن يطلق الناس سراحك، كما يحدث في الشيخوخة.

 

الرغبة والصداقة

ويحاول دولوز وضع الرغبة في نسقها المتفجّر، الّذي يوصلها إلى حالتها البنائيّة، كما يجب أن تكون؛ فالرغبة لديه تركّب في سياق متكامل، فالإنسان لا يرغب في شخص، بل في مجموع، تلك المرأة الّتي تريد فستانًا، فإنّها تتخيّل سياقًا متكاملًا، من حيث اللون والشكل والمكياج، يُشبع حالتها الخاصّة، ويُبدي فكرته عن أنّ الرغبة تؤسّس لنفسها، ما يجعل عوامل عدّة تتفاعل، وينتقد أنّ التحليل النفسيّ، دومًا يحيلنا إلى العامل الأوحد، كالأب والأمّ... إلخ. ويتساءل: "أين تمرّ رغبتي بين آلاف العظام في الجمجمة؟ أين تمرّ رغبتي في القطيع؟ هل أنا على حافته؟ هل أنا في المركز؟"، كلّ هذه ظواهر للرغبة. هكذا هو دولوز، الموضوع الفلسفيّ لديه لا يحيل إلّا إلى إحداثيّات فلسفيّة.

في الفلسفة يجب أن تكون صديقًا للحكمة، لا حكيمًا، وهنا يعبّر دولوز عن السرّ في إقحام الصداقة بالفلسفة، ويسأل: "ماذا يعني أن نتقاسم شيئًا مشتركًا مع شخص؟"، ويدعو إلى البحث عن لغة مشتركة مع الصديق، تلك الّتي تستمرّ بالحركات لا بالكلمات وحدها؛ فالأمر متعلّق بالتقاط الإشارات الّتي يطلقها الشخص الآخر تجاهك. ويقول: "يكفي الناس فقط أن يكون لهم سحر من خلال جنونهم، هذا ما يصعب فهمه، هذا النوع من الناس لا يمكن أن ينهار".

ويبهرك دولوز في شرحه المكثّف بطريقة البحث عن الصديق؛ فهو يحثّك على التقاط الجذر الصغير أو البذرة للجنون داخل الشخص، وإن لم تنل ذلك فلن تحبّه!

 

الفيلسوف خالق

وعن مساحة أخرى يبحث الفيلسوف، من خلال طرحه المشكلة بشكل مغاير؛ فيقول دولوز: "الفيلسوف ليس شخصًا يتأمّل، ولا يفكّر، إنّه شخص يخلق، لكنّه يخلق شيئًا من نوع خاصّ جدًّا، إنّه خلق المفاهيم وصناعتها، ذلك الخلق يكون دومًا دالّة لمشكلة".

وماذا يكون الفنّ غير تلك المساحة من الأحاسيس، الّتي تغرّد مثل طائر يعلو رأس السماء؟ أين تذهب تلك الشبكة من الأحاسيس، حين يموت صاحبها؟ هذا السؤال يحثّ الفنّ دائمًا على طرحه. تلك الرؤى المتسرّبة عبر نظرات دولوز إلى مرايا لا تعكس وجهه، بل وعيه العالق في التأويل؛ وهنا يقول: "لا تتقدّم الأفكار عبر دروب سابقة"، ويؤكّد ما يعتمل في عقله بالقول: "لا شيء يحفّزني، مثل القراءات المتعدّدة للشيء نفسه".

تلك رسالة الفنّ في تحرير الفرد من قفص ذاته، والإسهام في إيصاله إلى اللحظة القصوى، على أن يشعر كأنّما لم يصلها من قبل، ويمكن الطائر أن يحلّق بجناحين؛ هذا هو الأسلوب المتّبع إلى قراءتين لنفس الشيء. ويكون ما يكونه الفنّان، مثل شخصيّة حوض من النعناع، لا تعرف من أيّ ورقة تأخذ صفته، إنّه التباين في التركيب، في حال ثبّتنا كلّ ورقة في إحداثيّة؛ فما بالك لو كان الهواء كثيفًا، فيتمكّن من الوصول لتحريك جنونيّ؟ وقد عبّر دولوز عن ذلك بالقول: "الفنّان مَنْ يستطيع أن يحرّر للمرء حياة، حياة قويّة، حياة أكثر من شخصيّة، ليست حياته".

 

مقاومة الحماقة

دولوز – فيلسوفًا - يتنقّل بين أصابع اللغة اللانهائيّة، ليصنع مفهومًا فلسفيًّا يشطر الجمجمة، طامحًا إلى عادة تفكير جديدة في كلّ مرّة، ويطارد الفكرة الّتي تهرب منه في الكتابة؛ إذ إنّها لم تكن قد تطوّرت بشكل كافٍ، فتختفي لوجود بعض الثغرات فيها.

ويرى تولوز أنّ الفلسفة  لا تحطّم الحماقة بل تقاومها، إذ تمنعها من أن تكون هائلة، بقدر ما يمكن أن تكون لو لم توجد الفلسفة، وقد أبدى ارتياحه من أنّ الفلسفة مستمرّة، ما دام ثمّة ما يُقال، وأنّ فكرة موت الفنّ وموت الفلسفة غير متخيّلة، لكن من الممكن أن يُغتال كلاهما في أماكن معيّنة، لكنّهما مستمرّان في أماكن أخرى.

 

 

حسام معروف

 

شاعر ومحرّر. عضو هيئة تحرير مجلّة 28 الغزّيّة، ويدير أنشطتها. يدير صفحة بيانات الأدبيّة على 'فيسبوك'. عضو مؤسّس في التجمّع الشبابيّ من أجل المعرفة 'يوتوبيا'. حاصل على جائزة متحف محمود درويش عن قصيدة النثر (2015)، وجائزة مؤسّسة بدور التركي للتنمية الثقافيّة (2015) والتي صدرت في إطارها مجموعته الشعريّة، 'للموت رائحة الزجاج'.

 

 

تعليقات Facebook