البوعزيزي ... حكاية شرارة تُوقَد كلّ حين

صورة للشهيد محمّد البوعزيزي في كفّ أمّه | جيورجوس مصطفايس

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

منذ أواخر عام 2010، وكلّما انطلقت الجماهير العربيّة في حراك احتجاجيّ سياسيّ أو مطلبيّ، جاء العديد من التعليقات الّتي تَرِد على ألسنة الناس، أو في فضاءات التواصل الاجتماعيّ، بما يردّ هذا الحدث الاحتجاجيّ إلى الفعل المؤسّس، ونقصد بالفعل المؤسّس تلك الحادثة الّتي يمكن اعتبارها بمنزلة الشرارة، الّتي قامت على إثرها ثورات الربيع العربيّ؛ فانكسر بفضلها حاجز الخوف في نفوس الشعوب العربيّة، فتابعت خروجها في موجات ثوريّة وحراكات احتجاجيّة أخرى، لن يكون ما نشهده آنيًّا في الجزائر والسودان والعراق ولبنان آخرها.

إنّها شرارة البوعزيزي الّتي لا ترِد على الألسنة، أو في فضاءات التواصل الاجتماعيّ المختلفة، إلّا بصفتها الشرارة الّتي ما زالت متّقدة ولم تنطفئ. تلك الشرارة الّتي جاءت في تونس في تاريخ 17 كانون الأوّل (ديسمبر) 2010، عندما قام شابّ يُدعى محمّد البوعزيزي، يبلغ السادسة والعشرين من عمره، بإضرام النار في جسده أمام مقرّ ولاية سيدي بوزيد، وذلك في تعبير احتجاجيّ صريح على قيام شرطة الولاية بمصادرة عربته، الّتي كان يبيع عليها الفاكهة والخضار، وبعد تلقّيه صفعة من قِبَل شرطيّة في مقرّ الولاية، ومنعه من مقابلة أحد المسؤولين في الولاية لتقديم شكوًى وتظلّم[1].

 

بحث عن المعنى في الموت

إنّ إضرام البوعزيزي النار في جسده فعل حاسم وفارق، وهو فعل يستحقّ العودة إليه، بصفته فعلًا مؤسّسًا لثورات بل موجات ثوريّة جاءت بعده وانبنت عليه. ثمّ إنّ العودة إلى هذا الفعل تثير العديد من الأسئلة حوله؛ فهل انتحار البوعزيزي يشبه كلّ فعل انتحاريّ يحدث في هذا العالم؟ وهل يصحّ أن نصِفه بأنّه إستراتيجيّة انسحابيّة يائسة من معترك الحياة؟ وهل هو فعل عبثيّ مفرَّغ من أيّ معنًى أو مغزًى يمكن أن يتضمّنه أو يشير إليه؟

هو فعل يستحقّ العودة إليه، بصفته فعلًا مؤسّسًا لثورات بل موجات ثوريّة جاءت بعده وانبنت عليه. ثمّ إنّ العودة إلى هذا الفعل تثير العديد من الأسئلة حوله...

وفي سياق الإجابة عن الأسئلة السابقة، يمكن القول إنّ إضرام البوعزيزي النار في جسده، أو الإقدام على الانتحار، لم يكن فعلًا عبثيًّا قطّ، وإنّما كان فعلًا له أبعاد معنويّة ودلاليّة صريحة وواضحة؛ فالبوعزيزي استخدم فعله ذاك ليعبّر عن حالة رفضه للظلم والقهر الواقع عليه؛ إذ جاء تعبيره عن حالة رفضه واحتجاجه تلك، في شكل تجسيد دراماتيكيّ مأساويّ، متمثّلًا في إقدامه على الانتحار عبر حرق جسده وإضرام النار فيه.

وإنّ هذا التجسيد الدراماتيكيّ المأساويّ لحالة رفض الظلم والقهر الواقع، يأتي بما يُدلّل على أنّ البوعزيزي كان يشعر داخله، بعد ما تعرّض له من انتهاك من قِبَل الشرطة، بذلك النوع من القلق الوجوديّ الّذي يميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات، ويشعر إبّانه بأنّه كائن سطحيّ بلا فائدة أو جدوًى أو معنًى[2]، وإنّ هذا الشعور بافتقاد الجدوى هو ما دفعه إلى اختيار طريق الموت، علّه يجد فيه الجدوى والمعنى؛ فالانتحار هنا بمنزلة صرخة لتأكيد الوجود، وإيقاظ المعنى، أو البحث عن المعنى في الموت[3].

 

من أجل الحياة

وفي سياقات أكثر عموميّة من حالة البوعزيزي، يمكن القول إنّ الأفعال الانتحاريّة المشابهة لفعل البوعزيزي، الّتي يقوم فيها شباب عادةً بالإقدام على الانتحار – بالحرق أو الشنق أو غيرهما - تعبيرًا عن سخطهم واحتجاجهم العلنيّ على الوضع القائم، إنّما هي أفعال لا تعبّر عن اعتراض ضدّ واقعة الحياة ذاتها، بل تعبّر عن فرط حرص على الحياة ورغبة مفرطة فيها، وكأنّهم من فرط حرصهم على الحياة ينتحرون، ومن فرط كرههم للموت يُقدمون عليه[4].

الشباب أمثال البوعزيزي يُقدمون على أفعال الانتحار "الفردانيّ" أو "الوجوديّ"، ولا يكون مقصدهم منها إثارة الرأي العامّ أو تثوير الجماهير؛ أي أنّهم، بحسب عالم الاجتماع الفرنسيّ إميل دوركايم، لا يُقدمون على شكل "الانتحار الإيثاريّ"

وإنّ هؤلاء الشباب جميعهم يمكن النظر إلى جيلهم، باعتباره أوّل جيل يُقدم على الانتحار كما لو كان "شهادة". إنّهم أوّل الشهداء؛ لا شهداء دين أو وطن بل "شهداء حياة"، إنّهم يُقدمون على موتهم الخاصّ بالتركيز والالتفات الكلّيّ إلى الحياة، دون أن يوجّهوا أنظارهم إلى أيّ آخرة أو وطن، وكأنّهم بذلك يؤسّسون لبراديغم جديد يخلو من أيّ مضمون هويّاتيّ، سواء أدينيًّا كان أم وطنيًّا، عنوانه الصراع على شكل الحياة[5].

إنّ الشباب أمثال البوعزيزي يُقدمون على أفعال الانتحار "الفردانيّ" أو "الوجوديّ"، ولا يكون مقصدهم منها إثارة الرأي العامّ أو تثوير الجماهير؛ أي أنّهم، بحسب عالم الاجتماع الفرنسيّ إميل دوركايم، لا يُقدمون على شكل "الانتحار الإيثاريّ"، الّذي يقوم به الإنسان ليعبّر عن حالة تكامل استثنائيّة مع مجتمعه؛ فيأخذ انتحاره في هذه الحالة طابع التضحية من أجل مصلحة المجتمع العليا[6].

إنّ انتحارهم – حسب دوركايم أيضًا - يدخل ضمن شكل "الانتحار الأنانيّأـ"، بما هو انتحار ناجم عن تفكّك المجتمع وضعف الاندماج فيه، وغياب الشروط الاجتماعيّة الضروريّة من أجل شعور الإنسان بحياته وأمنه واستقراره فيه[7]. إنّه انتحار يحدث في ظلال حالة مجتمعيّة مفكَّكة، يغيب عنها التنظيم الاجتماعيّ وأشكال الحركة الاحتجاجيّة والاجتماعيّة المنظَّمة، الّتي تطالب بحقوق الأفراد والجماعات، وإنّه انتحار يحدث فرديًّا في أشدّ حالات تشتّت المجتمعات وتشرذمها.

 

الحسّ الإيثاريّ يتحرّك

لكنّ هذا الانتحار، وفي بعض الحالات الّتي تعيش فيها المجتمعات حالات قهر وظلم جماعيّة، يأتي كمن يُوقظ الحسّ الإيثاريّ في نفوس أفراد مجتمع المقهورين، يذكّرهم بمجتمعهم وموضعهم فيه مواطنين لهم حقوق؛ وهو ما يدفع بهم إلى إعادة تنظيمهم الاجتماعيّ، والخروج في حركات احتجاجيّة واجتماعيّة للمطالبة باستعادة موضعهم وحقوقهم المُستلَبة.

هذا الانتحار، وفي بعض الحالات الّتي تعيش فيها المجتمعات حالات قهر وظلم جماعيّة، يأتي كمن يُوقظ الحسّ الإيثاريّ في نفوس أفراد مجتمع المقهورين، يذكّرهم بمجتمعهم وموضعهم فيه مواطنين لهم حقوق

ويمكن القول إنّ هذا ما حصل في حالة البوعزيزي؛ فانتحاره الفرديّ الّذي جاء تعبيرًا احتجاجيًّا عن شكل حياة القهر والظلم الّتي يحياها، حرّك في نفوس جماهير مجتمعه، وغيرها من جماهير المجتمعات المقهورة، حرّك حسّهم الإيثاريّ بأنّهم يشكّلون جزءًا لا يتجزّأ من المجتمعات الّتي يعيشون فيها، وأنّ عليهم رفض واقع الظلم والقهر الّذي تعيش فيه تلك المجتمعات؛ وهو ما دفعهم إلى إعادة لملمة تنظيمهم الاجتماعيّ، والخروج في حراكات احتجاجيّة وثوريّة عارمة، ملأت الميادين، ووجّهت صرخاتها لرفض الواقع القائم، وذلك عبر حناجر حيّة تصدح بحقّها في الحياة، وتشبه حنجرة كلّ موت يُرتكَب قصدًا لأنّه يبحث عنها!

........

إحالات:

[1] عزمي بشارة، الثورة التونسيّة المجيدة: بنية الثورة وصيرورتها من خلال يوميّاتها، ط1 (بيروت: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، كانون الثاني/ يناير 2012)، ص 199-200.

[2] تيري إيجلتون، معنى الحياة: مقدّمة قصيرة جدًّا، ترجمة شيماء طه الريدي، ط1 (القاهرة: مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014)، ص 22.

[3] عزمي بشارة، مرجع سابق، ص 193.

[4] فتحي المسكيني، الهجرة إلى الإنسانيّة، ط1، مج1، (منشورات ضفاف، منشورات الاختلاف، 2016)، ص222.

[5] المرجع السابق، ص 222.

[6] لطفي الإدريسي، إميل دوركايم: ظاهرة الانتحار، الحوار المتمدّن، 7/3/2010، شوهد في 05/01/2019، في: https://bit.ly/2W8g4md

[7] المرجع السابق.

 

 

إسراء عرفات

 

 

كاتبة وباحثة من نابلس. خرّيجة قسم العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة، وحاصلة على الماجستير في التخطيط والتنمية السياسيّة من الجامعة نفسها. مهتمّة بقضايا الفكر والفلسفة، وتكتب في مختلف المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

 

تعليقات Facebook