مثقّف مخيّمات الإبادة النازيّة... قراءة في حدود العقل

جان أميري | Linkiesta

 

«عند حدود العقل»

كُتب - وما زال يُكتب - الكثير في تعريف المثقّف. ثمّة مثقّف غرامشي العضويّ، وثمّة مثقّف سعيد الناقد، وهناك مثقّف شريعتي الأصيل، وغيرهم الكثير. إلّا أنّني في هذه المادّة لن أحاول تعريف المثقّف من جديد، ولا حتّى إجراء مسح للتعريفات المختلفة؛ فقد خطّت سطور الشبكة عشرات الموادّ عن كلّ مثقّف من هؤلاء وغيرهم. في هذه المادّة، أسعى إلى عرض صورة مختلفة للمثقّف، معتمدًا على تصويره في كتاب جان أميري، المثقّف اليهوديّ، الناجي من مخيّمات النازيّة، بعنوان «عند حدود العقل - At the mind`s limits».

صورة المثقّف عند أميري مختلفة جدًّا عن صور المثقّف في كتابات أخرى؛ لأنّه يجري عليه أقصى تجريد بشريّ ممكن، فهو فعلًا، يرسم الحدود الأخيرة الّتي قد يصل إليها المثقّف قبل انزلاقه من حافة الحياة، أو قبل انزلاقه عند حافة العقل وقفزه إلى أحضان الجنون. قد ندّعي أنّ الفيلسوف الألمانيّ فريدريك نيتشه، هو الوحيد الّذي فعلًا اختار القفز في هذه الأحضان في نهاية حياته، ومن خلال نصوصه، إلّا أنّ أميري يعرض حدود العقل بصورة مختلفة؛ لذلك لن أخوض في تصوير نيتشه وسيرته.

صورة المثقّف عند أميري مختلفة جدًّا عن صور المثقّف في كتابات أخرى؛ لأنّه يجري عليه أقصى تجريد بشريّ ممكن، فهو فعلًا، يرسم الحدود الأخيرة الّتي قد يصل إليها المثقّف قبل انزلاقه من حافة الحياة...

 وُلد جان أميري في فيينّا بالنمسا عام 1912، لأب يهوديّ وأمّ كاثوليكيّة. قُتِلَ والده في إحدى المعارك في الحرب العالميّة الأولى عام 1916، فترعرع تحت كنف والدته، وتربّى على أسس الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة. كانت عائلته، على حدّ تعبيره، "مغتربة عن أصولها اليهوديّة ومندمجة"، وهذا الاغتراب نفسه في سياق الحكم النازيّ، كان مصدرًا ومنبعًا لفكر أميري.

كان أميري طالبًا للآداب والفلسفة في فيينّا، إلّا أنّه سرعان ما فرّ إلى بلجيكا مع صعود النازيّين. شارك في الحراك البلجيكيّ لمقاومة النظام النازيّ، اعتقله «الجستابو» وعذّبه، وسُجِنَ في معسكرات الاعتقال. نجا أميري من معسكرات الاعتقال والإبادة في أوشفيتز وبوخنفالد، وحُرّر في بيرغن بيلسن في نهاية الحرب. عن تجاربه المختلفة في المخيّمات المختلفة، يشاركنا أميري في كتابه المذكور.

 

سيزيفيّة الكيان البشريّ

في الكتاب يقدّم لنا أميري خمسة مقالات مختلفة، تعالج خمسة مجالات يراها مركزيّة في فهم حدود العقل والعقلانيّة البشريّة. المقال الأوّل «عند حدود العقل» - منه أخذت الترجمة الإنجليزيّة عنوانها - يناقش فكرة تعريف المثقّف وحدود ثقافته وفكره، ويركّز على فشل الفكر والثقافة في تقديم أيّ دعم أو مساعدة للسجين المثقّف في معسكرات الاعتقال.

يتناول المقال الثاني «التعذيب»، تجربة أميري الخاصّة في التعذيب، من خلال وصفه الفينومينولوجيّ. يعرض أميري التعذيب على أنّه إرهاق جسديّ وفكريّ من قِبَل مَنْ يُعذِّب.

في المقال الثالث «كم من الوطن يحتاج الإنسان؟»، يناقش أميري مفهوم الوطن/ البيت/ المنزل (Home)، ويعرضه على أنّه الأمن والأمان، وشعور الفرد بأنّ له ماضيًا خاصًّا به. يوضّح أميري في هذا المقال كيف خسر يهود الرايخ الثالث المنفيّون، مع منازلهم وأمنهم، حقّهم في حيازة الماضي والانتماء. هكذا يقدّم لنا أميري تعريف الوطن: الحقّ في حيازة ماضٍ. ذات الحقّ الّذي سُلِبَ منه، إلى جانب إمكانيّة العودة الصادقة إليه.

 

غلاف كتاب أميري

 

في مقاله الرابع «الحقد»، يكشف عن مشاعر الحقد الشديدة تجاه النازيّ، وتعقيد مشاعره تجاه العالم الّذي وقف متفرّجًا، دون أيّ تدخّل. يلقي أميري في هذا المقال المسؤوليّة على العالم في ما حصل في الحرب العالميّة الثانية، ويعطي نفسه شرعيّة الحقد تجاه النازيّ.

أخيرًا، في المقال الخامس «حول ضرورة أن تكون يهوديًّا واستحالته»، يعكس أميري ظروف يهوديّته. إنّه يشاركنا الموقف المستحيل لليهوديّ غير المؤمن - اليهوديّ المندمج، وكيف يجبره مصيره وواجبه على أن يكون يهوديًّا، ما دام شخص واحد معادٍ للساميّة يعيش في العالم. يرمز هنا أميري إلى موقفه اللامبالي من الحراك الصهيونيّ، ويتمركز حول أنّه مَنْ أُرغم على اليهوديّة، دون إيمان فيها.

من خلال عرضه لواجب الكيان والحضور اليهوديّ، يذكّرنا أميري بنصّ ألبير كامو، «أسطورة سيزيف»، فيه يعرض الكيان البشريّ ككيان سيزيفيّ، ويتساءل عن مصداقيّة الاستمرار بالحياة وردع الانتحار. أميري نفسه، اختار الانتحار في النهاية، وزرع رمزيّات لهذه الإمكانيّة في كتابه. كامو يقترح على الإنسان السيزيفيّ اختيار مواصلة الحياة؛ لأنّها أكبر تحدٍّ ممكن لعقاب الآلهة لسيزيف، فما قد يستفزّ الآلهة أكثر من سيزيف سعيد؟ إنّها الثورة اللامتناهية ضدّ العقاب الإلهيّ. كامو يقول: "الطريقة الوحيدة لمواجهة عالم غير حرّ، هي أن تصبح حرًّا لدرجة أن يصبح كيانك نفسه عبارة عن قانون تمرّد".

 

التوقّف عن العقلانيّة

عودة إلى المقالة الأولى - عند حدود العقل – فيها يتعامل أميري مع الأسئلة الأساسيّة للمشاكل النفسيّة والوجوديّة لحياة المخيّم، وحالة المثقّف فيها. أميري يستخدم المقارنة كأداة مركزيّة لرسم حدود العقل ومفهوم المثقّف في معسكرات الاعتقال والإبادة المختلفة، فهو يقارن المثقّف مع غير المثقّف، يقارن مثقّف داخاو (الّذي كان يملك مكتبة في السجن) بمثقّف أوشفيتز وغيرهما. ويسأل أميري: "هل ساعدت الخلفيّة الفكريّة والثقافيّة سجين المعسكر في اللحظات الحاسمة؟ هل جعلوا البقاء على قيد الحياة أسهل بالنسبة إليه؟" ويجيب من خلال تجربته: "كنت سأرفض كلّ الرفض كتابًا من الأدب الكلاسيكيّ، كبديل لحزمة الطعام".

عقلانيّة الحرّاس النازيّين أدّت بهم في النهاية إلى العقلانيّة اللاعقلانيّة الطاهرة، إلى مصداقيّة منطق الإبادة. هنا يفضّل المثقّف التصالح مع الموقف، ويختار، ربّما بعقلانيّة، التوقّف عن العقلانيّة!

في هذه المقولة وغيرها الكثير، يعرض أميري الحالة المستحيلة للمثقّف اليهوديّ الّذي تضرب جذوره في الثقافة الألمانيّة، وكيف أصبح كلّ شيء في تاريخه، عمليًّا، ملكيّة حصريّة للعدوّ. "الإرث الروحيّ والجماليّ قد انتقل إلى ملكيّة العدوّ الّتي لا جدال فيها، ولا مساءلة لها".

تؤدّي الطبيعة الفكريّة والعقلانيّة للمثقّف في المعتقل، مشاكل أكبر من غير المثقّف؛ لأنّه في كلّ موقف في فترة اعتقاله، يحاول أن يفهم ما يدور حوله بالأدوات الذهنيّة الّتي يملك - العقلانيّة. لكن عقلانيّة الحرّاس النازيّين أدّت بهم في النهاية إلى العقلانيّة اللاعقلانيّة الطاهرة، إلى مصداقيّة منطق الإبادة. هنا يفضّل المثقّف التصالح مع الموقف، ويختار، ربّما بعقلانيّة، التوقّف عن العقلانيّة!

مقارنة مثيرة أخرى يجريها أميري، هي مقارنة المثقّف الملحد واللاأدري بالسجين المؤمن، فيها أيضًا تغلب كفّة الأخير. حالة السجين المؤمن أفضل كثيرًا من حالة معظم السجناء، وخاصّة من حالة السجين المثقّف في نظر أميري، "لقد نجوا بشكل أفضل أو ماتوا بكرامة أكثر من رفاقهم المثقّفين غير المتديّنين أو غير السياسيّين، الّذين كانوا في الغالب أفضل ثقافة وتعليمًا بشكل غير محدود، وأكثر ممارسة في التفكير الدقيق". ويضيف: "إنّ المؤمن ليس أسيرًا لفردانيّته، بل هو جزء من استمراريّة روحيّة لا تنقطع في أيّ مكان، ولا حتّى في أوشفيتز، فهو أبعد عن الواقع، وأقرب إليه من رفيقه الملحد".

 

فقدان التسامي

في نهاية المقال، يختتم أميري بقوله إنّ ما عاشه المثقّف في المخيّمات، كان في الواقع، تجريده من التسامي، وإعادته بشدّة وقسوة إلى العالم المادّيّ الحقيقيّ. هذا التسامي الّذي ميّز رؤيته للعالم، وجعله - بل عرّفه كمثقّف – غدا وجوه مستحيلًا. في التسامي، يقصد أميري، تلك القدرة بالانفصال عن الجسد والتعالي إلى مكان منفصل عن الذات، ليكشف المجتمع أمام المثقّف من نظرة الطير.

هذه الفكرة تتكرّر في سياقات عدّة في مقالات أميري الأخرى المقدَّمة في الكتاب، وتحوّل سؤال الفلسفة الأزليّ بين النفس والجسد، إلى سؤال الفكر والجسد أو العقل والجسد. الجروح والندبات النفسيّة والفكريّة مقارنة بندبات التعذيب على الجسم. "حدود جسدي هي أيضًا حدود ذاتي. سطح بشرتي يحميني من العالم الخارجيّ". ويضيف في مكان آخر - "مَنْ تغلّب عليه ألم التعذيب يختبر جسده كما لم يفعل امرؤ من قبل". الجوع والألم وجميع المشاعر الجسديّة تجرّد المثقّف وتجبره على فقدان تساميه، وفقط حينذاك يمكنه الوصول إلى التسامي الطاهر.

إنّ ما عاشه المثقّف في المخيّمات، كان في الواقع، تجريده من التسامي، وإعادته بشدّة وقسوة إلى العالم المادّيّ الحقيقيّ. هذا التسامي الّذي ميّز رؤيته للعالم، وجعله - بل عرّفه كمثقّف – غدا وجوه مستحيلًا.

الحضور الجسديّ في العالم كيهوديّ، هو أحد الأمور الّتي تشغل أميري في المقالتين الرابعة والخامسة، حيث يقول: "ثمّة مواقف في الحياة يكون فيها جسدنا هو ذواتنا بالكامل ومصيرنا بالكامل. كنت جسدي ولا شيء آخر: في الجوع، في الضربة الّتي تلقّيتها، في الضربة الّتي وجّهتها... كنت أنا جسدي، كان جسدي هو كرامتي الجسديّة والميتافيزيقيّة في آن واحد... في اللكمة، كنت نفسي – لنفسي ولخصمي".

 

اللّغة حيث تشلّ المثقّف

فكرة أخرى تكرّرت في جميع المقالات، هي مسألة اللغة ومساءلتها. أو عمليًّا، فكرة الحدود المطلقة للغة. وما للمثقّف غير اللغة؟ يوضّح أميري كيف تشلّ لغة المثقّف كيانه في المخيّمات وتميّزه عن باقي السجناء، بالذات باللحظات الّتي يحتاج فيها إلى التماهي مع المجموعة. حالته المعرفيّة والمصطلحات الّتي يستخدمها تبقيه بعيدًا عن الآخرين. في حين يحاول هو تعريف ما حوله واختراق الأسر بتحرير لغته، لا يردّ عليه الآخر إلّا بكلمات مثل «اللعنة» و«خرا». وعمليًّا، ليس هناك أيّ كلمات أخرى في اللغة لوصف حالته، غير كلمات لغة غير المثقّف.

في المقالة عن التعذيب، يزداد الأمر سوءًا حين تتحوّل اللغة إلى محدودة ومشلولة، سواء كانت لغة مثقّف أو كاتب أو شاعر أو أيّ لغة أخرى. لا يمكن اللغة تعريف التعذيب بأيّ شكل من الأشكال، وهذا المنع يجعل الألم والأسى لا يوصفان. ومرّة أخرى تخون المثقّف لغته وتعيده إلى جسده، وكأنّه لم يتسامَ عنه قطّ.

في نقاش مفهوم الوطن، يوضّح لنا أميري كيف تخون اللغة اليهوديّ؛ لأنّ لغته الألمانيّة، لغته الأمّ، تصبح هي نفسها اللغة الّتي عليه أن يخفيها ويختبئ منها. ويضيف أنّه في الوقت الّذي توقّفت فيه اللغة الألمانيّة عن أن تكون نفس اللغة في عهد الرايخ الثالث، أصبحت لغة تتكيّف مع الوضع السياسيّ الحاليّ الجديد. أقتبس: "هناك، في الوطن المعادي، أخذ تطوّر اللغة مجراه. ليس أنّها كانت لغة جميلة وخسرت جمالها هناك، ليس ذلك الأمر، لكنّها أصبحت لغة تشمل كلمات قاتلة، مثل قذائف العدوّ، ونشاط العدوّ... بل حتّى مع اندماجها بلغة عامّيّة نازيّة – أصبحت هي لغة الواقع". وفي اقتباس آخر، يقول أميري: "كلّ لغة هي جزء من واقع كامل، يجب أن يكون للفرد حقّ ملكيّة راسخ لها...".

إلزام المثقّف بالانفصال عن إمكانيّة الكيان الثقافيّ، وخاصّة في سياق الزمن - مكان الأميري، هو الإعدام الحقيقيّ، هو تحويل المثقّف إلى مهزوم.

من المثير للاهتمام للغاية دراسة هذه الإشارات إلى اللغة، في ضوء النظريّات الأنثروبولوجيّة، مثل قراءة فيينّا داس [Veena Das] للغة الألم، وحدود اللغة عند الحديث عن الفقدان. وأكثر من ذلك، في ضوء القراءات الفلسفيّة للغة، مثل قراءة فيتغنشتاين [Wittgenstein]، الّذي يجادل بأنّ اللغة هي خالق أكبر للواقع. وأنّ فكرة وجود حقيقة في حدّ ذاتها، دون التفكير فيها، هي مجرّد وهْم لا معنى له. لذا؛ فإنّ السؤال الّذي يطرح نفسه هو كيفيّة التوفيق، بين هذا الادّعاء وادّعاء أميري حول خيانة اللغة.

 

تجربتا إعدام

في النهاية، ما تستخلص إليه تجربة أميري، هي أنّه قد مرّ بتجربتين من الإعدام (أو الإبادة، في هذا السياق)، وهي تجربة إعدام لغته، وتجربة إعدام الوقت. إلزام المثقّف بالانفصال عن إمكانيّة الكيان الثقافيّ، وخاصّة في سياق الزمن - مكان الأميري، هو الإعدام الحقيقيّ، هو تحويل المثقّف إلى مهزوم. وعمليًّا، من خلال قراءة نصّ أميري، يمكننا مساءلة حدود الفكر والثقافة، وحدود العقل والأخلاق، في السؤال: أين تبدأ؟ وأين تنتهي؟ أين تجد الأمل؟ وأين تقع في اليأس والهزيمة؟ في أيّ نقاط لا يعود المثقّف قادرًا على الثقافة؟ ومتى تخونه نفسه ليوظّف لغة غير المثقّف ليلخّص الحال في قوله – «خرا» مثلًا أو «بولشِت»؟

كتاب أميري، ككتابات كثيرة لنجاة الرايخ الثالث من اليهود، لم يُتَرْجَم إلى العربيّة، لكنّني أظنّ فيه كنزًا ثقافيًّا ولاثقافيًّا في ذات الحين، لا بدّ من قراءته والانكشاف عليه بطريقة أو بأخرى، وخاصّة في سياق محدوديّة التثقيف والتثقّف.

 

 

لؤي وتد

 

 

 

باحث ومحاضر في ثقافة الأطفال والشباب، طالب دكتوراه في "جامعة تل أبيب"، في مجال "أدب الأطفال العالميّ والفلسطينيّ"، محرّر موقع "حكايا".

 

 

تعليقات Facebook