التّحريض على علي مواسي: الصّمت صديق الذّل

مشهد من فيلم "عُمَر" لهاني أبو أسعد

بعد مبادرة لعرض الفيلم الفلسطينيّ 'عمر' للمخرج هاني أبو أسعد في إحدى مدارس باقة الغربيّة بتنظيم وإرشاد الأستاذ والشّاعر علي مواسي، شهدت المدرسة محاولة اعتداء على الأستاذ بدعوى أن الفيلم يحتوي على مشاهد 'إباحيّة' رغم أنه جرى تشويش هذه المشاهد. لكن إلى جانب هذا التّحريض، قامت بعض المواقع الإخباريّة بتغطية مُوجهة مستخدمة خطاب المحرّضين الذي يغطي الخبر بطريقة تحريضيّة غير حيادية. وفي هذه الأجواء المشحونة بالتّهويل والتّضخيم، وبقراءات ضيقة، أضيق من خرم الإبرة، تم اتخاذ إجراءات إقصائيّة ضد الأستاذ علي مواسي.

سلوكيات التّرهيب المتكررة

أمام هذا المشهد المتكرر لمحاصرة الفنّ الفلسطينيّ في الداخل من على منصات مختلفة، وعلى اختلاف ضحايا الاستبداد الفرديّ والجّماعيّ باسم الحقيقة المطلقة والعقيدة الواحدة، من منع مسرحية 'وطن ع وتر' في عكّا وقرى ومدن أخرى، مرورًا بمنع عرض فيلم 'السّيد المسيح' في سخنين، والتّحريض على عرض الدبكة في أم الفحم، ووصولًا لأحدث المشاهد المكررة في باقة الغربية. علينا الحديث عن استعادة خطابنا الوطنيّ- الاجتماعيّ التّقدميّ ليأخذ دوره المناسب في تعزيز المشهد الحضاريّ والمشهد الثّقافيّ والتّربوي في ميادين البلاد.

القضية لا تنحصر بالكتابة المعنّفة، وبالتّحريض والدّفاع عن أستاذ وناشط ثقافيّ وسياسيّ، إنما تتجاوز الحالة العينية المحددة لننطلق منها وإليها لطرح تساؤلات وطروحات تساهم في إعادة بناء مجتمع يحترم الأغنية والفيلم والمسرحية. أخلاقيًا وأيديولوجيًا نحن ملزمون بالتّضامن مع الأستاذ علي مواسي، ولكننا إلى جانب ذلك ملزمون بالبحث عن علل عجزنا، عن أسباب تردي الرؤى الاجتماعيّة تجاه الحياة الثّقافيّة. علينا توثيق العلاقة ما بين احتمالات خروجنا من مأزقنا الاجتماعيّ العنفيّ وبين ازدهار مشهدنا الثّقافيّ جنبًا إلى جنب مع بلورة مشروع وطنيّ نهضويّ. مشهدنا الثّقافيّ ليس وليد السّاعة، إنه نتاج كفاح طويل لشعراء ومسرحيين وكتّاب أمام آلة البطش العسكريّ والاحتلاليّ. مشهدنا الثّقافيّ هو حلقة من حلقات تطور الإبداع في عالمنا العربيّ. في كلّ الظّروف التّاريخيّة العاصفة والمتقلبة  لبلادنا العربيّة عامّة وباختلاف الديانات، ظلت الموسيقى، الأغاني والقصائد بمجونها، بتعابيرها العاطفيّة والجّسديّة تحتل مكانًا في الوجدان العربيّ.

في بغداد الإسلاميّة، ظلّ البغداديّون يحتفلون بمهرجان النّيروز دون أن يجرؤ أحد على إلغاء هذا المهرجان الثّقافيّ الزاخر بقصائد العشق والحبّ والشّرب. لقد ساهمت التّعابير الثّقافيّة في تشكيل سد خطابيّ وتوعويّ أمام مدّ الاحتلالات الخارجيّة وأمام قوى الرّجعيّة في الداخل.

المتربصون من هنا وهناك

إن الهجوم المُنظم ضد الأستاذ مواسي يعكس هجومًا على مجهود فلسطينيّ لدفع عجلة الإنتاج السّينمائيّ العربيّ في ظل حملة حكومية إسرائيليّة لمحاصرة تطور سينما فلسطينيّة، وقد شهدنا هجومًا سلطويًا تحريضيًا وعقابيًا ضد فيلم 'ڤيلا توما'  للمخرجة سهى عرّاف. وبالنظر إلى حالتي الهجوم، نرى بكل وضوح  قواسم مشتركة: رفض التّعدديّة الفكريّة، رفض المشهد الثّقافيّ في حال لم يخدم ويكرّس رؤية القوى المهيمنة، التّهديد والعقاب للقائمين على الإنتاج، الملاحقة. في كلتا الحالتين، نجد ادعاء امتلاكهما للحقيقة المطلقة المُستبدة، في كلتا الحالتين يتم حشد الرأي العام لتصبح بعض شرائحه جاهزة لتحويل العنف الكلاميّ إلى عنف جسديّ.

في هذا السّلوك التّرهيبيّ، تحاول هذه الفئات، نظريًا وعمليًا، سلخنا عن مركبات هويتنا الثّقافيّة والقوميّة. من يبدأ بمحاربة فيلم فقد قام بعنونة كل تراثنا السّينمائيّ تحت عنوان 'الإباحيّ'، فيهيء الأرض لشرعنه مصادرة ذاكرتنا وحاضرنا من أفلام مخرجين كبار، أمثال  يوسف شاهين، حسن الإمام والعقاد، من ممثلين وممثلات كبار، ستصبح فاتن حمامة ونورا وسهير رمزي رمزًا للإباحيّة العربيّة! من يحارب فكرة الفيلم ويغرق في هوس القُبلات سينتقل لتحكيم قبضته وفرض رقابة على الفكر القوميّ النّاصريّ والفكر الماركسيّ والأفكار الوسطيّة الإسلاميّة باعتبارها جميعًا كفرًا ومفسدة للعقيدة الإسلاميّة. مرة أخرى يلتقي أصحاب هذا السّلوك التّرهيبيّ مع السّلوكيّات القديمة المتجددة للحكومات المتعاقبة في البلاد للهيمنة على النتاج الفنّيّ والسّينمائيّ والأدبيّ. إنه الخطّ المنسجم بين شقي الهيمنة، من فصل رجا إغبارية من سلك التعليم لنشاطه الوطنيّ السّياسيّ  وحتى فصل علي مواسي لنشاطه الوطنيّ والثّقافيّ والاجتماعيّ المتنور والجريء.

هل نصحو؟

أمام هذا المدّ 'الدّاعشيّ' المُتنامي المبطن بممارسات 'سلميّة عنيفة'، كفصل معلم من سلك التّعليم، هل يُعقل أن  يبقى حراكنا السّياسيّ والحزبيّ والثّقافيّ في حالة صمت وخمول، أمام قيام مجموعات في عدة قرى ومدن عربيّة بالتحريض والاعتداء على الأنشطة الثّقافيّة والتّربويّة بادعاء أنها تمسّ بالدين وبالأخلاق؟ هل نترك خشبة المسرح ونلتزم دور المتفرج؟ هل يُعقل أن نُسلِّم بأن يصبح مقص الرقابة في أيادي هذه المجموعات مقصًا شرعيًا، هل يُعقل أن نتقبل إمساك هذه المجموعات بمقياس القيّم والأخلاق، وأن توزع العلامات لهذا النشاط أو ذاك؟ هل يعقل أن نواصل الصّمت أمام المسّ الجّسديّ ببعض النّاشطين في المجال الثّقافيّ؟

لقد تحوّل تاريخنا الفلسطينيّ، وإنتاجنا الأدبيّ والمسرحيّ والسّينمائيّ لحالات تستدعي الرّقابة تحت مجهر بعض التّيارات الإسلاميّة. لقد تحوّلت انتماءاتنا الفكريّة لموضع شك واتهام في صميم شرعيّة وجودها أمام التّيارات الرّجعيّة.

إن قبلنا ورضخنا لمسميات وحجج منع النّشاطات سيكون رضوخنا كارثيًا. إذا انتقلنا لمرحلة الدّفاع عن النّفس وتبرير النّشاطات وشرعنتها بنفس مقاييسهم هم وملائمتها لمعاييرهم، سنخرج جميعا خاسرين، خسارة في العمق. في المدارس والمسارح والمراكز الثّقافيّة، تقوم مجموعة من الأساتذة والفنانين المبدعين بالعمل على بناء جيلٍ مثقفٍ تقدميّ يمتلك هُويّة فلسطينيّة صريحة وواضحة، وبالمقابل تنمو وتمتد مجموعات ظلاميّة لتقف عائقًا أمام عملية البناء هذه. ما ننظر إليه، نحن، من منظار وطنيّ وقوميّ وليبراليّ وفنّيّ وإبداعيّ وتوعويّ في النّشاطات الثّقافيّة، يراه البعض  بمنظار  مختلف جذريًا،  تسيطر عليه مفاهيم الجّنس المرضيّ. من يفرض رقابته على فيلم ومسرحية، بدأ منذ زمن بفرض مفاهيمه ومقاييسه على اللباس والشّراب والأعراس.

الصّمت صديق الذّل. وكلمة الحق الحرّة أفضل من دفن رؤوسنا في الرّمال، كالنعامة، ولكننا لسنا كالنعامة، نحن بشر.

اقرأ/ي أيضًا: حول الخلاف​ الاجتماعي​/ نمر سلطاني

تعليقات Facebook