تسعة خطّاطين يتناوبون على جسد الشّاعر

جدل كبير يدور في الأوساط النّقديّة الشّعريّة الحديثة بخصوص المنطقة الغامضة من الوجدان الّتي يحدث فيها الشّعر؛ فبين الاتّجاهات الحديثة من يجدون الشّعريّة في تغريب الصّورة وفتح المخيّلة على احتمالاتها اللّا نهائيّة، ويذهب آخرون نحو كسر القوالب الكلاميّة في الذّاكرة بالحرفة اللّغويّة، ويرى غيرهم أنّ الإيقاع الموسيقيّ دليل اللّغة إلى فضاءاتها الواسعة، ويعتقد آخرون أنّ استناد النّصّ الشّعريّ على المحمول المعرفيّ من التّاريخ والعلوم والميثولوجيا يقود الشّعر إلى الأعماق الإنسانيّة.

ربّما لم يعد ممكنًا حصر الأساليب والمدارس الشّعريّة الحديثة، إذ يمكننا القول إنّ كلّ شاعر يرى الشّعر من وجهة نظره، وله فكرته الّتي يحاول اختراق اللّغة من خلالها؛ ومع أنّ الأساليب المختلفة استطاعت أن تقدّم نماذج إبداعيّة في بناء القصيدة ومنجزها، لكنّ هذه القراءة أرادت إثارة تساؤل حول الفعل الحسّيّ للشّعر الّذي صار يضعف في كثير من النّصوص الشّعريّة لأسباب لست بصدد دراستها وتحليلها هنا، وكذلك التّساؤل حول الّذي يقرّر شعريّة الصورة. كيف يستطيع المجاز الغامض الانتقال من مخيّلة إلى أخرى محافظًا على مكان رفيع بين الوعي واللّاوعي في المعنى؟

نحو المعنى الوجوديّ

أحاول هنا استخدام نموذج لافت، هو قصيدة 'خطّاطون' للشّاعر قاسم حدّاد، الّتي استخدمت الفعل المضارع بكثافة ملحوظة وبمستويات متعدّدة في توسيع المجاز وفتح آفاقه، مع نموّ حساسيّته داخل النّصّ، وتطوّر فعله الحسّيّ حتّى بلوغ النّصّ اتّصالًا روحيًّا ونفسيًّا مع المعاني الوجوديّة.

بدأ الشّاعر القصيدة بصورة مجازيّة: 'يتناوب تسعة خطّاطين على جسدي'، ولعلّ الرّقم (9) هو صاحب الفضل الأكبر في نفوذ المجاز الأوّل إلى حيّز التّساؤل، لأنّ الرّقم حقيقة مدركة، ما يثير التّساؤل حول هذا الرّقم، إذا كان مصدره المعرفة المسبقة القادمة من المعلومة أو من المعرفة الحسّيّة ودرة القصيدة على عدّ الخطّاطين بحواسّ الشّاعر. لكنّ الفعل المضارع الافتتاحيّ 'يتناوب'، يقود الصّورة منذ البداية إلى مشهديّة تناوب الخطّاطين بفعلهم على رقعة الحسّ المباشرة 'الجسد'، وذلك بأدوات تعجّ بالنّضرة والحياة، هي القصب الطّازج والآيات وحبر الجنّة.

مازوخيّة

وقبل الدّخول إلى أفعال القصيدة، لا بدّ من الوقوف عند كنه الصّورة المجازيّة والتّأمّل قليلًا 'بالخطّ'، وهو ازدواجيّة الشّكل والمعنى وتزواجهما أو التحامهما في كائن واحد صعب الفصل أو التّمييز؛ هذه المنطقة الدّقيقة الّتي أبدع فيها الشّاعر باستخدامه للأفعال الّتي ظلّت إلى آخر القصيدة تشقّ في كائن لا يُشَقّ، فقد ذهبت القصيدة بعد ذلك مباشرة إلى ثلاثة أفعال مضارعة متزايدة في مستوى التّأثير، هي: 'يهتاجون، ويبتهجون، ويفترعون'. بهذه الثّلاثيّة تنتقل القصيدة بسرعة الفعل المضارع إلى مشهديّة صاخبة الحسّ، تفتح توقّعات الإحساس إلى آخرها؛ فماذا يشعر شخص يتناوب على جسده تسعة خطّاطين بقصب طازج مهتاجين ومبتهجين؟ فالخطّاطون 'يهتاجون كتاج الهودج في العرس/ ويبتهجون/ ويفترعون عذاراهم في علانية.'

ينقاد الشّاعر بفعل اللّاوعي إلى حرب ضروس مع النّمط، فالمشهد السّابق بسرعته ومباغتته يقود النّصّ إلى ثلاثة مجانين أو مختلّين، ما يدفع القصيدة لتدرأ النّمط عنهم، وتؤكّد بجملة اسميّة أنّ الخطّاطين أصحّاء، ويؤكّد على صحّتهم بفعل مضارع يحمل معنى الاختبار، فهم 'يختبرون صنوف الخطّ بعشق مشحوذ الحرف'، وتعبير 'صنوف الخطّ' يعيد النّصّ إلى احتماليّة الرّقم (9) في بداية القصيدة. أمّا 'العشق مشحوذ الحرف'، فيفتح آفاق المازوخيّة في تلذّذ الجسد بهذا النّوع من الألم، وتعود القصيدة إلى توتّرها بعد ذلك، وتُرْجِعُ الفعل إلى تجلّي المازوخيّة حين تتوتّر أصابع الخطّاطين 'في غنـج من فرط الحبّ'، ويتابع ثنائيّة أفعال جديدة أكثر قسوة وشدّة، هي 'يخترقون، يكزّون'، فهم 'يخترقون اللّحم/ يكزّون على عاج الفضّة'، وبتتابع الحركة يمعن الفعل المضارع التّالي، 'يطفر'، في تصوير الفعل الحسّيّ وخلق بيئته الحراريّة، حين 'يطفر زئبقهم مختلطًا بالصّهد/ على جسد مرضوض بالخيل وشطح الخطّ.'

اقتراحات للغيب

يكمن ذكاء القصيدة في إعدامها لرغبة الوصول إلى جدوى المعنى الواضح، واستثمارها لسؤال المجاز الأوّل في تفجير سقوف الخيال نحو التّواصل المباشر مع الأثر الحسّيّ للأفعال المتتالية؛ فأنت الآن لست مهتمًّا بهويّة الخطّاطين التّسعة، إنّما تدخل جسدك في اختبار اللّذّة الّذي يخلقه الفعل، وقد أصبح المهمّ أنّ الخطّاطين 'يطغون بكحل العين على فودي/ ويرشح خمر الوجد على أطراف محابرهم/ ولهم رقع ينضح ماء الشّهوة فيها.'

يحدث كلّ ما سبق في المساحة شديدة الغموض داخل فعل الكتابة الّذي أخذه الشّاعر نحو عمق أكثر توغّلًا في فنّ الرسم وفنّ الخطّ؛ في هذا الحبر الّذي يتحوّل داخله المعنى إلى كائن خرافيّ خطر وشهيّ، ويكون الشّاعر أرضًا لكتابة تحرث فيه بدل أن يكون كاتبًا أو فاعلًا للكتابة. وهنا يحدث ما يفسّر فعل الأسطرة وقدرة الكلمات على تجسيد المخيّلة في حروف تقدّم اقتراحات للغيب، حتّى 'يتدلّى نصف كلام الله على ثلثيّ طنافسهم'، أي الخطّاطين، واسم الله أوّلٌ معرّفٌ يذكر منذ بداية النّصّ، لكنّه في مكان بعيد عمّا يعرّف به الله، إلّا أنّه إشارة إلى الحقّ، فالخطّاطون المحترفون 'يجلون الثّلث الأسود' بعد ذلك، 'مثل سيوف الحقّ الواضح في جسدي'، أي جسد الشّاعر.

حضور الرّوح

وتتوالى الأفعال المضارعة بعدها حتّى عودة النّصّ إلى الصّورة المجازيّة الأولى، إذ 'يتهجّون الكوفة والبصرة/ ينداحون كخمر الهودج/ يختارون النّاضج من قصب التّذكار/ ويغتصبون الأبكار من الكلمات/ فينهض في جسدي جيش النّوم ونرد اللّيل/ يدبّ البنج الأسود مثل الفتنة/ يستعرون يزفّون عذاراهم في جسد يتغرغر بالرّغبة./ ينهالون يخطّون الخطّ ويبتهلون/ كأنّ الله يكافئهم بالجنّة في جسدي.'

يرجع النّصّ هنا إلى صورته المجازيّة الأولى، مرفقًا بها حمل السّابق من الكلمات بلفظة 'الجلال'، فهم الآن تسعة خطّاطين أجلّاء، ومنطقتهم لم تعد الجسد فقط، لأنّ الرّوح دخلت إلى الحلبة، تؤيّدهم بمحو ما يخطّون، رغبة منها بالتّسامي والتّعالي، ولو على حساب الجسد، فيضطّرب الخطّاطون ويختلطون بوحي الحرف، ينزّون الدّم ويمتزجون بشفرتهم في قصب مختلج الأوداج على جسد يشبق في ليل ضحاياه.

وهكذا تستمرّ القصيدة في الصّعود الرّوحيّ حتّى بلوغ المجد، لكنّه مجد الجسد، الجسد الذّاهب في الشّطرنج وزهر النّوم.

تعليقات Facebook