عن "رسائل غادة السمّان" إلى ذاتها: قراءة في النشر

غادة السمّان وأنسي الحاجّ

 

'الرسائل' أحد أجناس الأدب وأنماط الفنون السرديّة، وهو أمر، بطبيعة الحال، ليس خافيًا عن دارس الأدب، وكاتبه، وناقده، ومتذوّقه أيضًا. لكن هذه المعلومة الأدبيّة، متى ما أتت في معرض الدفاع عن نشر غادة السمّان لرسائل أنسي الحاجّ (1937 – 2014) إليها، فإنّها لا تأتي من موقع نقديّ أو ثقافيّ، بل من موقع متعال ومتهافت، مبنيّ على افتراضين اثنين؛ أوّلهما أنّ من اعترض على النشر لا يعلم أجناس الأدب وصنوفه، وثانيًا أنّ من اعترض عليه يعترض على الجنس الأدبيّ؛ وهذان افتراضان في غاية الصلافة والجهل معًا.

 أشير في بعض ما كُتب عن الموضوع، مثلًا، إلى أنّ الفئة الكبرى من رافضي النشر، وكما هي العادة في عالم 'السوشال ميديا'، لا يُظهرون مبرّرات واضحة؛ هم ينضمّون للجوقة التي تقول في شأن رائج، ولا يبدو أنّ كثيرًا من التفكير سبق التهكّمات والهجمات الكثيرة، وهي في شقّ كبير منها تكرار أو تنويعات على هجوم قرؤوه فأعجبهم، وبالتالي ليس ثمّة ما يُناقَش على مستوى ثقافيّ أو أدبيّ هنا، لأنّ هذا الفعل متّصل بديناميكيّات 'السوشال ميديا' وعوالمها الخاصَة، وجمع الإعجابات والتظارف، وإبداء الرأي في كلّ شأن يشغل العامّة.

إنّ من اعترض على النشر من هذا المنظور المتعجرف، 'يغرّد' بما لا يعرف ولا يفقه. لكن ألا يمكن أن نقول أيضًا إنّ من يهلّل للنشر ويدافع عن صنيع السمّان هو، أيضًا، من ضمن جوقة 'ديناميكيّات السوشال ميديا' وفق ما سبق...

إنّ من اعترض على النشر من هذا المنظور المتعجرف، 'يغرّد' بما لا يعرف ولا يفقه. لكن ألا يمكن أن نقول أيضًا إنّ من يهلّل للنشر ويدافع عن صنيع السمّان هو، أيضًا، من ضمن جوقة 'ديناميكيّات السوشال ميديا' وفق ما سبق، لا سيّما إذا نظرنا إلى الخلط بين أصناف الأدب حينما يدافع هؤلاء عن تلك الرسائل، فيقارنونها تارة بكتابات محمّد شكري وتارة بنصوص كافكا (علمًا أنّها ليست 'رسائل أدبيّة')؟ أم أنّ 'السوشال ميديا' و'ديناميكيّاتها' تفرّق بين مثقّف يتبنّى هذا الادّعاء، ومهلّل من 'الفئة الكبرى' التي حكم عليها الأوّل من دون عناء التأمّل، حتّى أنّ زخم تلك 'الفئة الكبرى' ليس لأنّها 'كبرى'، لكنّها، فقط، السوشال ميديا! ببساطة، على 'الفئة الكبرى' أن تكون شاكرة مرّتين؛ الأولى لـ 'السوشيال ميديا' بأن جعلتها 'جوقة' و'فئة كبرى' لا وزن لها من دونها، والثانية للمثقّف الذي منح من عليائه لتلك الجوقة 'لا شيء، على المستوى الثقافيّ والأدبيّ'!

ولعلّ ما لاقاه النشر من رفض واستهجان يجب أن يدفعنا إلى التفكير في حدث 'النشر' لذاته وتداعياته الثقافيّة والاجتماعيّة، لا في أجناس الأدب والسرد فقط. ولنحاول تفكيك الحدث...

 

أوّلًا: السرد باعتباره اتصال

حسنًا، 'الرسائل' وسيلة اتّصال، أيضًا هذه مسلّمة نتّفق حولها، لكن أن يكون تناول 'الرسائل' مبنيّ على فرضيّة  أنّها ملك 'صاحبها'/ 'المرسل إليه' فقط، فهذا غير صحيح، لا أدبيًّا ولا منطقيًّا، ولا يمكن لأيّ عقل يمارس نوعًا من آليّات التلقّي الفعّال (النقديّ) أن يقبل بذلك؛ فهذه الفرضيّة تقوم على أنّ 'مضمون الرسالة'، فكرة ومشاعر وأحاسيس ومواقف وحبكة وشخصيّات وآراء وتحيّزات وحيوات وحكايات وغيرها من الكيانات المعنويّة السرديّة، هو نفسه 'الرسالة'، كيانًا وامتلاكًا واستحواذًا مادّيًّا ('ورقيّ'، في حالة أنسي وغادة).

 إذ إنّ 'رسائل' أنسي الحاجّ إلى غادة السمّان، فعليًّا، ملك مادّيّ للأخيرة، كونها 'المرسل إليها'، لكن هل مضمون تلك 'الرسائل'، أيضًا، ملك ماديّ لها وحدها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلم انتظرت غادة حتّى وفاة أنسي لتنشر تلك الرسائل كما كان الأمر مع غسّان كنفاني (1936 – 1972)؟ أتراها مؤمنة بنظريّة 'موت المؤلّف' إلى هذه الدرجة؟ وإذا كان كذلك، أيضًا، فلمَ عنونتها بـ 'رسائل أنسي الحاجّ إلى غادة السمّان'؟ أليست، بهذه التسمية، تقرّ وتعترف بما لا يريد المدافع عنها أن يقرّ به؛ بأنّ 'الرسائل' و'مضمونها' لأنسي قبل أن تكون 'إلى غادة السمّان'، لتتصرّف بها على هذا النحو، فقط بعد وفاته؟ أليس هذا العنوان اعتراف، بحدّ ذاته، بملكيّة أنسي للرسائل قبل أن تكون لغادة، ما يبرّر أنّها انتظرت حتّى وفاته؟

فإذا كان 'البعد' أحد تأويلات الموت، فإنّ 'توقيت نشر الرسائل' ينتصر لعامل 'البعد' و'الموت' على حساب أنسي وغسّان، لصالح غادة؛ يقول ابن وهب الكاتب: 'والاسم الرسالة، أو راسل يراسل مراسلة فهو مراسل... وأصل الاشتقاق في ذلك أنّه كلام يراسل به من بعيد'.

'الرسائل' وسيلة اتّصال، تلك مسلّمة، مرّة أخرى، لكن هل تفقد 'الرسالة' معناها وقيمتها وفعاليّتها لو غاب أو إن لم يكن ثمّة 'مُرْسَل إليه'؟ رسومات الكهوف، مثلًا، كـ 'رسالة'، بالمعنى البدائيّ للرسالة، حملت فكرة ما، هي ليست موجّهة إلى أحد عينيّ، وبالتالي فلا مالك لها، أيعني هذا أنّها غير خاضعة لأيّ فاعليّة ولا معنًى للاطّلاع عليها أو حتّى امتلاكها مادّيًّا؟ هل الرسالة التي يلقيها البحّارة في البحر، في قلب زجاجة شفّافة، لا معنى لها لأنّ صاحبها/ مرسلها لم يحدّد 'المرسل إليه'، وبالتالي، 'من يمتلكها' ويستحوذ حقّ التصرف بها؟ أليس هذا المنطق الدفاعيّ القائم على إلغاء وطمس أنسي من 'الرسائل' هو  في ذاته إلغاء لجاذبيّة 'الرسائل' التي أرادتها السمّان حين نشرتها؟ أليس تحديد واستحواذ قيمة 'الرسالة' على أساس وجود 'مرسل إليه' وحقّ التصرّف فيها له، حصرًا، سلوكًا استهلاكيًّا بحتًا، لا يفرّق بين 'الرسالة' و'مضمون الرسالة'، ويجعل منها مادّة للامتلاك والعرض والتداول أكثر منها مادّة قيميّة ذات بعد إنسانيّ؟

 أليست قيمة 'رسائل أنسي الحاجّ إلى غادة السمّان' في أنّها 'رسائل أنسي الحاجّ' قبل أن تكون 'إلى غادة السمّان'؟ بمعنى آخر، أليس انتظار وفاة أنسي الحاجّ، أو لنكن أقلّ قسوة، أليس توقيت نشر 'الرسائل' بعد وفاة أنسي اعتراف ضمنيّ بأنّ 'صاحبة الرسائل' ليست وحدها صاحبة 'الرسائل'؟

في ما يتعلّق 'بتوقيت' نشر الرسائل، فهو ليس عبثيًّا ومنقطعًا عن كاتب الرسالة، فتوقيت الإعلان عن 'الرسالة' – الأدبيّة - جزء أساسيّ منها ومن مضمونها، وهذا ما يمكن استخلاصه من مقولة للعلّامة القاضي أبو خليفة الفضل، يقول فيها: 'وصل كتابك، أعزّك الله، مبهم الأوان، مظلم المكان، فأدّى خيرًا ما القرب فيه بأولى من البعد، فإذا كتبت، أكرمك الله تعالى، فلتكن كتبك مرسومة بتاريخ، لأعرف أدنى آثارك، وأقرب أخبارك، إن شاء الله تعالى'؛ ولعلّ هذا تحديدًا ما يوضح لنا الغرض من توقيتي نشر 'رسائل أنسي الحاجّ' و'رسائل غسّان كنفاني' إلى غادة السمّان، من إمعان في قتلهم وإسكاتهم وانتزاع 'مضامين الرسائل' منهم وحقّهم فيها.

فإذا كان 'البعد' أحد تأويلات الموت، فإنّ 'توقيت نشر الرسائل' ينتصر لعامل 'البعد' و'الموت' على حساب أنسي وغسّان، لصالح غادة؛ يقول ابن وهب الكاتب: 'والاسم الرسالة، أو راسل يراسل مراسلة فهو مراسل... وأصل الاشتقاق في ذلك أنّه كلام يراسل به من بعيد'.

 

ثانيًا: عن أنسي وغسّان وسارتر وأنيس؛ معًا

يشير أحدهم إلى أنّ معارضي النشر ومهاجميه ينطلقون من تصوّرات ذاتيّة عن أصحاب تلك الرسائل، ويعني أنسي وغسّان. كيف ذلك، ونفس هذا المبدأ هو ما ألغى الفارق بين 'الرسائل' و'مضمون الرسائل'، وجعل الاثنين واحدًا، ذاتًا واحدة؟

وإذ نتّفق مع أنّ معارضة النشر والهجوم عليه يجب ألّا ينطلقا من تصوّرات شخصيّة عن 'أصحاب الرسائل'، إلّا أنّ ما يفعله المدافعون عن النشر، لا يختلف كثيرًا من حيث كونه قمعًا مقابلًا لمن كتب تلك 'الرسائل'.

ولنقارن مع حالات أخرى؛ ففي الثمانينات نشرت الكاتبة الفرنسيّة سيمون دي بوفوار (1908 – 1986) كتابًا أسمته 'وداعًا سارتر'، ضمّنت فيه بعضًا من رسائل زوجها الفيلسوف الفرنسيّ، الراحل جان بول سارتر (1905 – 1980) إليها؛ أثمّة تشابه بين ما فعلته دي بوفوار وبين صنيع غادة؟

 

ولنقارن مع حالات أخرى؛ ففي الثمانينات نشرت الكاتبة الفرنسيّة سيمون دي بوفوار (1908 – 1986) كتابًا أسمته 'وداعًا سارتر'، ضمّنت فيه بعضًا من رسائل زوجها الفيلسوف الفرنسيّ، الراحل جان بول سارتر (1905 – 1980) إليها؛ أثمّة تشابه بين ما فعلته دي بوفوار وبين صنيع غادة؟

لا نرى تشابهًا، بل تضادًّا قيميًّا. ببساطة، سارتر في حياته أصرّ على إظهار هذا الحبّ والارتباط بسيمون زوجته، ووصفها في كثير من المواضع بأنّها 'ملهمته'، لذا فالإعلان عن هذه العاطفة وهذا الارتباط كونهما من مضامين رسائل سارتر إلى سيمون، جاء موافقًا لما أراد هو في حياته أن يعلنه. هل حدث هذا في حالة أنسي مثلًا؟ يقول مقرّبون ممّن عملوا معه في سنواته الأخيرة، إنّه لم يُشر يومًا إلى تلك العلاقة التي عبّر عنها في 'رسائله' إلى غادة، ولم يأتِ عليها في أيّ نصّ من نصوصه – وفق علمنا -، ألا يجعل هذا من تلك المقارنة باطلة، لا سيّما أنّ النشر جاء على غير ما أراد أنسي طيلة حياته، ولهذا اضطّرّت غادة أن تنتظر موته؟

هو نفس ما يمكن قوله حول كتاب 'رسائل الحبّ والحزن والثورة' للمفكّر المصريّ الراحل عبد العظيم أنيس (1923 – 2009)، الذي ضمّ رسائله إلى زوجته عايدة ثابت، وقد خاض معها قصّة نضال مميّزة، يقال إنّها مصدر وحي الفيلم الشهير 'حبّ في الزنزانة' (1983).

ولنا أن نتوقّف، بإشارة بسيطة، إلى مقارنة صنيع السمّان بما فعله صديق كافكا الذي خالف وصيّة الأخير ونشر نصوصه بعد موته؛ فتلك النصوص ليست موجّهة لعنوان محدّد، ولا هي رسائل شخصيّة عن دواخل الكاتب وتعلّقه بشخص ما. كما تتهافت مقارنة صنيع السمّان مع نشر محمّد شكري لمذكّراته بكلّ ما فيها، لأنّه، ببساطة، صاحب تلك المذكّرات، وهو صاحب الحقّ فيها الوحيد.

 

ثالثًا: ذكوريّة غادة السمّان

ثمّة مَنْ يقول إنّ معظم النقد (أو حتّى الرفض) لنشر 'رسائل أنسي الحاجّ إلى غادة السمّان'، أسبابه ذات صلة بذكوريّة المجتمع وطليعته، وهو قول يجافي أساسيّات التفكيك الجندريّ للظاهرة، ويبدو أنّه لا يفرّق بين الجنس كبيولوجيا والجندر كمنظومة أفكار وخطاب، وهذا الخلط كان كافيًا لموضعة غادة ورسائلها موضع الأنوثة الضحيّة، لمجرّد أنّها أنثى، وليس عبر تأمّل خطابها.

إسكات الصوت الأساسيّ في 'الرسائل'، وهو الكاتب أنسي، وغسّان من قبله، لحساب أنويّة غادة السمّان، ما يجعل مركزيّة غادة تقارب في الرسائل مركزيّة مراسليها وتتفوّق عليهم، بحكم موتهم وإسكاتهم، والسلوك الأنوّي ذكوريّ فحوليّ بامتياز.

فمن ضمن ديناميّات النوع الاجتماعيّ، حدّدت ساندرا بِم، الباحثة في علم النفس الجندريّ، المركزيّة الذكوريّة (Andocenterism) والتقاطب الجندريّ (Gender Polarization)، وقد انبنى نشر هذه 'الرسائل' والخطاب الذي تنطلق منه عمليّة النشر، على فكرة أساسيّة مفادها: إسكات الصوت الأساسيّ في 'الرسائل'، وهو الكاتب أنسي، وغسّان من قبله، لحساب أنويّة غادة السمّان، ما يجعل مركزيّة غادة تقارب في الرسائل مركزيّة مراسليها وتتفوّق عليهم، بحكم موتهم وإسكاتهم، والسلوك الأنوّي ذكوريّ فحوليّ بامتياز.

مركزيّة غادة في تلك الرسائل ونشرها وعرضها على الملأ لم تكن لتتحقّق دون شرطين اثنين؛ أوّلهما طمس الآخر السرديّ بالموت المادّيّ، وحصر دوره/ حقّه في السرد بتلك الرسائل المنشورة، ضمن ما تريده غادة حصرًا. وإلّا، كيف ندري إذا كانت تلك 'الرسائل' هي كلّ ما أرسل أنسي أو غسّان إلى غادة؟ ماذا لو ثمّة رسائل تشكو قسوة المحبوب أو جفاءه؟ من ضمن مجموعة الرسائل التي أرسلها غسّان، مثلًا، كانت تلك التي يشكو فيها من بطاقة بريديّة أرسلتها له من لندن ولا تقول فيها إلّا 'شو برد'. ثمّة، إذن، نوع من الاستنطاق القسريّ والانتقائيّ لغسّان من خلال بعض رسائله لغادة، ما يعزّز، فقط، مركزيّة غادة، طرفًا في السرد.

ثانيًا - عدم نشر مراسلات غادة نفسها إلى أنسي وغسّان، ما يضمن اتّجاه عاطفة الحبّ والعشق إلى مركز واحد فقط، يضمن لنفسه السيطرة على السرد والتحكّم في قيم مثل الحبّ، لصالح مركزيّته وموقعه في الخطاب، مؤسّسًا له ومتحكّمًا فيه.

ثمّة تقاطب جندريّ في ما يتعلق بعاطفة الحبّ، على نحو قمعيّ؛ فقد بنت السمّان، وبشكل فرديّ ومركزيّ وسلطويّ، صورة ثابتة وصلبة لغسّان وأنسي، وذلك من خلال نشرها الانتقائيّ لتلك 'الرسائل' من الرجلين، وكذلك توقيت النشر بعد ضمان انتزاع حقّ الردّ منهما بالموت، وحرمانهما إيّاه. تلك الصورة التي ربطت بينها وبينهما رأسيًّا على نحو قمعيّ، تطغى على تساؤل مشروع جدًّا: هل كانت غادة هي الوحيدة التي كتب لها غسّان رسائل حبّ، وكتب لها أنسي قصائد غزل؟ أم أنّ هذا التقاطب الجندريّ حوّل غادة إلى 'إله' له الحقّ في أن يحيي الموتى ويضع على ألسنتهم قصائد غزل وحبّ له هو حصرًا، كما يريد دون غيره؟ أليست تلك هي الفحولة في أشدّ صورها مركزيّة وأنويّة؟

 أمّا القول إنّ من يرفض صنيع غادة يمنع عنها حرّيّة تقرير مصيرها وعلاقاتها والهوى والإعلان عنها كما شاءت وكيف ومتى شاءت، إنّما يدافع عن استحواذ الذكور على هذا الحقّ في مجتمعنا الأبويّ. ثمّة قول صحيح في ذلك، لكنّه لا يعني أن تتحوّل هي ذاتها (غادة) إلى ذكر فحل يمنح حقّ الكلام ويمنعه، فقط ليمجّد ذاته؛ تلك، أيضًا، ذكوريّة وأبويّة يجب ألّا نقبل بها، ولو باسم الأدب ومقاومة الذكر 'الألفا'.

 

رابعًا: الشاعر والشهيد والضحيّة الأنثى

يجب ألّا نقدّس شعراءنا وشهداءنا أكثر من إنسانيّتنا وجماليّتنا وأوطاننا، وإلّا فقدنا كّل هذا معًا، وفقدنا فاعليّة الشهيد والشاعر النقديّة والجماليّة، في زماننا ومكاننا. فإذا كان رفض نشر الـ 'رسائل' نابعًا من فكرة أنّ في ذلك إساءة للشهيد والشاعر، فهذا في حدّ ذاته قتل لهما؛ فمن حقّهما أن يحبّا ويعشقا ويراسلا ويتغزّلا بمَنْ أرادا، وانتزاع هذا الحقّ منهما انتزاع لشعر الشاعر وشهادة الشهيد.

تشير رجاء بن سلامة في كتابها 'العشق والكتابة' (2003) إلى أنّ أكثر صور العشق صلابة وصلافة تلك التي تمنح الحقّ في الكلام كيف ما أراد المعشوق ومتى أراد وأين أراد، حصرًا.

 لكن من ناحية أخرى، يجب ألّا يُخرس الشهيد والشاعر لحساب المعشوقة ومركزيّتها، فتُمنح هي حصرًا حقّ الكلام عبر استنطاق الشاعر والشهيد كيف ومتى وما أرادت. تشير رجاء بن سلامة في كتابها 'العشق والكتابة' (2003) إلى أنّ أكثر صور العشق صلابة وصلافة تلك التي تمنح الحقّ في الكلام كيف ما أراد المعشوق ومتى أراد وأين أراد، حصرًا.

إذا كان السرد الذكوريّ في مسائل كالحبّ والعشق والهوى قد استحوذ على دور السارد والإله الكاتب، وأخرس الأنثى وجعلها خاضعة له ولسرده، فيجب ألّا يكون منح حقّ السرد نفسه للأنثى، إخراسًا لذواتنا الأخرى في السرد، أكانت المذكّرة أو الشاعرة أو الشهيدة أو القارئة، أو حتّى المختلفة في الرأي، وإلّا بات السرد الأنثويّ ذكوريًّا فحوليًّا هو أيضًا.

 

خامسًا: عن الاستباحة

يقول غي ديبور (1931 – 1994) في كتابه، 'مجتمع الاستعراض' (1967): 'لا يمكن فهم الاستعراض/ التمثّلRepresentations) ) على أنّه إساءة استخدام عالم الرؤية، إنّه، بالأحرى، رؤية للعالم صارت فعليّة، وجدت ترجمتها الماديّة. إنّها رؤية للعالم صارت متشيّئة'. أي أنّ الصور التي تعيد إنتاجها السمّان بشكل مركزيّ، وانتقائيّ، وقمعيّ، يجعل منها 'شيئًا' مشتهًى ومعشوقًا فقط، ويجمّد موت الشاعر والشهيد في نماذج متشيّئة حصرًا، لإعادة إنتاج المعشوقة/ غادة. ولعلّ هذا الجانب من إعادة اختلاق المعشوقة من خلال الشاعر والشهيد، لم يكن ليلقى رواجًا ودفاعًا لولا فضاء الشبكات الاجتماعيّة القائم في أساسه على الاستباحة، أو حسب الادّعاء: ما الضرر في جعل الخاصّ عامًّا؟ 'ففي المجتمعات التي تسود فيها شروط الإنتاج الحديثة، تقدّم الحياة نفسها بكاملها على أنّها تراكم هائل من الاستعراضات/ التمثّلات Representations))، كلّ ما كان يُعاش على نحو مباشر يتباعد متحوّلًا إلى تمثيل'، ولعلّ هذا، تحديدًا، ما دفع البعض إلى إلغاء مضمون الرسائل واختزالها في مادّيّتها المتمثّلة في امتلاك غادة لها، كتمثيلات.

في العالم الواقعيّ المقلوب رأسًا على عقب، يكون ما هو حقيقيّ لحظة من اللحظات فقط، ولتصدير تلك اللحظة وجبت استباحة أنسي وغسّان الواقعيّين بالموت، وإنتاج تمثّلات عشقيّة للسمّان، حصرًا، من خلالهما، شاعرًا وشهيدًا، وكم هي مغرية لأيّ 'أنا' مركزيّة تلك الثنائيّة الجماليّة والمقاومة! فـ 'الاستعراض لا يستهدف بلوغ شيء سوى نفسه'.

 

أخيرًا؛ مقولات لا تستحقّ التوقف

من مظاهر الاستهلاك في الثقافة والتعامل مع الفكر والأدب كأنّه سلعة مادّيّة، وأنّ القارئ مشترٍ فقط، القول إنّ الكتاب كالقناة التلفزيونيّة، لك حريّة أن تشتريه أو/ أن تتابعها، ولك ببساطة ألّا تشتريه و /أو ألّا تتابعها باستخدام جهاز التحكّم عن بعد! وتلك من تداعيات متلازمة قوم نوح على بساطتها وعفويّتها، وهم الذين إذ أغمضوا أعينهم عن نوح وسفينته أقنعوا أنفسهم حينها أنّه غير موجود، وصدّقوا أنفسهم!

 عدم شراء كتاب 'رسائل أنسي الحاجّ إلى غادة السمّان' لا يعني أنّ فعلًا أدبيًّا وثقافيًّا كهذا قد انتهى، فكما أسّست 'رسائل غسّان كنفاني إلى غادة السمّان' صورة الأخيرة والشهيد، كذلك 'رسائل أنسي' إليها، لكنّ المنتفع من تلك التشكيلات هو فقط من استحوذ على حقّ السرد، وشكرًا للموت، هو المنتصر الوحيد في تلك الرسائل.

 

عبد الله البيّاري

 

 

طبيب وباحث أكاديميّ فلسطينيّ، متخصّص في النقد الأدبيّ والدراسات الثقافيةّ، وله مقالات وبحوث منشورة في صحف ومواقع ومجلّات عربيّة.

 

تعليقات Facebook