عرفات الديك، برّيّة الشاعر

Alison King

عرفات الديك شاعر برّي على الرغم من حياته في المدينة، يلعبُ كثيرًا مع ذاته، ويخرج أحيانًا إلى العراء ليكون وحيدًا، لكنّه يخاف الوحدة، ويخاف التجمّعات الكبيرة كذلك، فيقع في حيرة لا يحلّها له أحد، فيتّخذ من الشعر ملجأً ليهدأ من هذا التساؤل، وربّما هذا تحديدًا ما يجعله شاعرًا في ركن خاصّ، لا يشبه أحدًا، لا لأنّه خطّط لذلك، بل لأنّه يعامل المفردات كما يعامل البشر حوله؛ فثمّة مفردات يحبّها، وثمّة مفردات يراها لا تليق بالشعر، فيغضب من هذه ويحتفي بهذه، ويحشر هذه في زاوية. إنّه، ببساطة، الشاعر الذي يصطاد كلّ شيء، من الغزالة إلى المفردة.

حبس المطلق وإطلاق المحبوس

في مجموعته الأولى 'يصطاد ليلًا'، والتي بُحّت أصواتنا ونحن نصرخ فيه: لماذا لا تصدر مجموعتك الأولى؟ يجترئ عرفات على المطلق فيحبسه في قصيدة، ويجترئ على المحبوس فيطلقه، إنّه يقلب نظام الأشياء في 192 صفحة، تعبّئها ثلاثة أبواب هي 'أنخاب الغابة'، و'إن خاب القلب'، و'أبصر روحي'، وقد صدرت المجموعة عن دار الأهليّة للنشر والتوزيع في الأردنّ عام 2017، بغلاف لزهير أبو شايب ولوحة للبولنديّ رافال أولبنسكي.

كانت عتمةً حين اندفعنا

والحقّ أنّني لم أكن أسرع أخوتي في عبور المجرى

لكنّني كنت أكثرهم حظًّا

في النجاة من الموت

وأقلّهم حظًّا

في النجاة من الحياة

 

هل يمكن أن نعدّ هذه الافتتاحيّة قلقًا وجوديًّا؟

هي كذلك بالتأكيد، شأن الروح التي تحاول استعادة ذاتها من براثن الحياة، الحياة المحدودة بجسد وأمكنة وزمن. وبما أنّ الروح الشاعرة أكبر بكثير من هذه 'المحدوديّات'، فإنّه من الطبيعيّ أن يلجأ الشاعر إلى أسئلة الوجود، يطرحها من دون انتظار إجابة، فقط لأنّه يريد أن يخرج من عباءة الوقت والمكان اللذين يراهما سجنًا لفكرته عن الحياة، ولذلك، بدأ نصوصه بمخاطبة الحياة الثانية، مخبرًا بما رآه في الحياة الأولى.

حبّ الليل

ما الذي يميّز عرفات عن أبناء جيله إذًا؟ هي تلك البرّيّة التي تنضح بها نصوصه، وحياته الشخصيّة إلى حدّ بعيد كذلك، فعلى الرغم من قدرة المدن القويّة على تذويب الشخصيّات التي تعيش فيها، وعلكها مع بقيّة مكوّناتها، إلّا أنّ المدينة لم تستطع أن تفعل ذلك مع عرفات، بل زادت من رابطته مع الجبل والذئب وكلبه الوحيد 'ليل'، الذي رثاه كما يرثي صديقًا قديمًا عندما مات.

أحسّ بوحشة تقتات قلبي

جسدي قلِق

روحي متأهّبة لشيء ما

روحي متعبة

أهبط درج الليل

محفوفًا بالهواجس

يتنفّس البحر

يقمصني الموج

ويهيج

وحيدًا

مسّه الليل منذ قليل

أهداه العتمة

ثمّ مات بطعنة الضوء الأولى

 

هنا يتّضح الوقت الذي يتأمّل فيه عرفات ما يحدث في العالم، إنّه يبدو من بعيد عابثًا، ضائعًا، لا يهتمّ لشيء، غير مخلص لشيء، حتّى لنفسه، لكنّه حين ينفرد بها، إذا كان ما يمكن أن نسمّيه انفرادًا بالافتراض، فإنّه يعود إلى حقيقته القلقة التي تحبّ الليل، لا لأنّه رومانسيّ وجميل بقمر ونجوم، بل لأنّه الوقت الأنسب لأن تكون وحيدًا، الوقت الأنسب لتكون مع ذاتك، وهذا يعطي للحياة معنًى إلى درجة أنّ كلّ ذلك 'يموت بطعنة الضوء الأولى'، وهذا يتماهى تمامًا مع برّيّة الروح، مع رمزها الأكثر وضوحًا، وهو الذئب الذي يعيش وحيدًا في معظم الأحوال، جميلًا، وقلقًا، وجريئًا، وحائرًا.

الانتماء إلى الذئب

الذئب في عرف عرفات ليس صديقًا بعيدًا، بل ليس كائنًا منفصلًا عنه، بل جزء من مكوّنات روحه، فإن كان الصوفيّون يُرجعون كلّ روح إنسانيّة إلى حيوان ما، حسبما يبدو من شكل السلوك وأنماط التعبير الجسديّ لدى كلّ فرد على حدة، فإنّ عرفات في هذه الحالة ينتمي إلى الذئب وينتمي الذئب إليه؛ إنّه عالم الوحدة والقلق الذي لا يمكن فهمه إلّا من داخله، فالخارج خدّاع مثل سور حول مدينة، والمدينة داخلها لا سورها.

عرفات الديك

الهشاشة، الليل، الذئب، الصيد، الغزالة [الفريسة الضروريّة لفلسفة الصيد]، هذه الثيمات التي يرتكز عليها عمل عرفات الأوّل.

يا ربّ

هذا كثير عليّ

أنت أدرى بهشاشتي، وأعلم بمواطن قلقي أجمعها، لا أريد لهذه الفراشات أن تحاصر عيني، خذها كي أراني...

 

أي كائن هذا الذي تقلقه الفراشات وتمنعه من رؤية نفسه؟ بل لماذا تجتمع الفراشات حوله تحديدًا؟ ولماذا لا يستطيع مقاومتها لدرجة أنّها تشكّل أساس دعائه إلى الربّ؟ هذا الضعف القاتل الذي يجعل من الإنسان شاعرًا على ما يبدو.

كلّ الغزالات تنجو

وقلب الصيّاد هذا، الصيّاد المسكين الذي يشفق على الكائنات، لا يحتمل أنين الغزالات فرائس محتملة، لذا فكلّ غزالات عرفات في نصوصه تنجو من الذئب، بل ربّما تكون المعادل الواضح للحياة، بما فيها من قاتل ومقتول، ومع ذلك فهي لا تُقتل في النصّ أبدًا، بل تفلت دائمًا عبر فلسفة توفّرها اللغة.

لديّ ما يكفي من الماء

لأجفّف هذا العطش

قطرة قطرة

لكنّي سأفضّل كالعادة

أن أصطاد به النهر

 

إنّ الفكرة نفسها تتجلّى هنا، في الهروب من كونه صيّادًا، وفي إعطاء الفريسة فرصة للهروب، لكي تستمرّ المعادلة التي تشكّلها الحياة، الدائرة التي تعطي للحياة معناها.

'أعرف المدن من أرصفتها'

وحين يلجأ عرفات للحديث عن المدينة، فإنّه يختار من المدينة ما يناسب تلك البرّيّة المستفحلة في بقيّة النصوص:

أعرف المدن من أرصفتها

وتلك التي تنام أرصفتها

تنام،

ثمّة عسل أسود

ينزّ من تشقّقات الوجوه

ثمّة حبّ بسيط نشيط

مثل عشب بين شقوق الصخور

لا يروّج نفسه لأحد

 

هنا تبدو ملامح التجربة البرّيّة واضحة حتّى في قلب حضارة المدينة وأرصفتها، لكي يبقي عرفات على علاقته بالتفاصيل التي تشكّل المشهد البرّيّ غير الممسوس، ليس على المستوى المادّيّ فقط، بل على مستوى الملاحظة والتأمّل فيها؛ فمن ينتبه إلى عشبة بين شقوق الصخر في رصيف المدينة إلّا الذي افتقدها في مشواره اليوميّ من ساحات الصراع اليوميّ وإليها، متجلّية في الصوت والفوضى، عكس الهدوء والنظام الذي تتمتّع به الفصول والطبيعة في الأماكن التي ما زالت على حالها منذ خلقت الأرض.

تساؤلات ضروريّة

أمّا إيمان عرفات، فهو الإيمان الذي يشكّ بكلّ شيء، ويؤمن بكلّ شيء، إنّه ليس صلبًا بما يكفي ليكون شهيدًا، وليس ضعيفًا بما يكفي لكي يكفر...

هي غربة أخرى قبل أن نعثر على وعاء آخر

 

هذه التساؤلات التي يطرحها عرفات الديك تساؤلات ليست مشروعة فقط، بل ضروريّة لفهم الحياة، إذا كان من الممكن فهمها، ضروريّة لكي لا نقع فريسة للجاهز والمضمون والمريح، فالروح المستريحة لا تكتب شعرًا.

يبذرك العمر

قمحًا في مخيّلتي

وتكبرين

 

الوجع الإنسانيّ

في الباب الثاني من الكتاب، ينتقل عرفات ليكون أكثر قربًا من الحياة اليوميّة، ليلامس الوجع الإنسانيّ لذاته وللآخرين، وإن كنت أؤمن أنّ الشاعر لا يعبّر عن الآخرين إلّا بمقدار ما يلتقي وجعه الشخصيّ مع وجعهم، فلا يوجد وجع جمعيّ إلّا ناتجًا عن مجموعة أوجاع فرديّة:

جوع الرجال

للحرب والنساء معًا

وجع النساء

بالرجال والحرب معًا

حبّ

 

وهنا يلخّص عرفات مأساة الحياة البشريّة، ليس فقط في بلاده التي تعاني قتلًا يوميًّا، ولا في زمنه الذي يشهد هذا الانفجار في الموت والموتى، بل في كلّ البلاد وكلّ الأزمنة، فهي الرغبة البشريّة إذًا في جمع التناقض بين الحبّ، والحرب، والنساء، والرجال، والأرض، والسماء، هي الفعل وردّ الفعل الذي تنتج عنه كلّ المتناقضات الوجوديّة: الموت والحياة، العمى والبصيرة... إلخ، لكنّه حتّى في الحديث عن الحبّ الذي يميّز الباب الثاني، تقفز مفردات الغابة في قصائد 'عشّاق الغابات'، و'أنتِ'، و'أحدهم يفكّر بك الآن'، و'خامة روحي'، و'نرسم الشجرة'، ليخلق الرابط الذي لا بدّ منه مع ذاته الأولى، وإن كان هذا الخلق مقصودًا أو غير مقصود، فلا يغيّر شيئًا في معادلة الشعر.

نصّ غير واثق

يحاول عرفات أن يثبت ولاءه للشعر في نصّه الظريف، 'لا تحبّي شاعرًا'، لكن ظنّي الشخصيّ، أنّ عرفات غير مخلص للقصيدة، ويتعالى عليها أحيانًا، وهذا ليس ذمًّا ولا مدحًا، إنّه تدليل على صراعه الدائم معها، ومحاولته تجاهلها لأنّها تخترق روحه، وهذا الصراع، ربّما، ما يجعل عرفات في حالة تردّد دائم تجاه الشعر، يمشي ويكتب دون ثقة كبيرة بما يكتب، والنصّ غير الواثق هذا، في رأيي، هو ما يخلق محاولة التجدّد الدائمة، فلا يوجد مقتل لشاعر أقوى من ثقته بما يقول وما يكتب.

وفي نصّ 'سيناريو الماء'، يقدّم عرفات تجربة جديدة، فتكرار مقطع 'الماء يجري'، بين كلّ مقطع وآخر، يعطي فعلًا صورة لسيناريو يمكننا رؤيته على شاشة خيالنا، يمشي، ويتدحرج، ويسقط، ويقف، ويعيد تركيب ذاته وتركيبنا كذلك.

صوفيّة وأسطورة

في الجزء الأخير من الكتاب، ينتقل عرفات إلى عالم أقرب من الصوفيّة، وكأنّه في البابين الأوّل والثاني كان يمهّد للباب الثالث الذي يقف فيه وحده على باب التأمّل مخاطبًا وهمًا بعيدًا، أظنّه هو الذي يريد أن يكونه، وفي كلّ النصوص هو وحيد يخاطب وحيدة أو وحيدًا، أو نفسه، ليخرج من تجربة العلاقة مع الطبيعة، وتجربة الحديث عن المشاعر التي بدأ بها الكتاب إلى التجربة الأعمق، في رأيي، في رؤى كلّ شاعر، وهي تجربة استنباط الحياة من المشاهد التي تمرّ على العابرين مرور الكرام. هذا ما يمكن أن نضعه تعريفًا للصوفيّة في جانبها الإنسانيّ، وليس الدينيّ، كما جرت العادة.

ولا حاجة لي إلى كثير من الأمثلة للتدليل على استفادة عرفات الثقافيّة من الأسطورة، ومن التاريخ الدينيّ والكتب المقدّسة، وسأورد مثالًا واحدًا على ذلك، مثالًا ذائبًا في ثنايا الكلام، وهذا طبيعيّ لشاعر يهضم ما يقرأ ولا ينقله نقل الواسطة:

هزّي عليّ غصن الكلام

وعلّميني على مهل

كيف في نومي أنام

 

تجربة عرفات في كتابه الأوّل ذات أبعاد إنسانيّة فردانيّة خالصة، لكنّها ليست تلك الفردانيّة الأنانيّة التي لا تُعنى بغير ذاتها، بل تلك الفردانيّة التي تقدّم رؤيتها الخاصّة للعالم، وللمواقف، وللطبيعة، وللمشاعر، حتّى لو تأثّرت هذه الفردانيّة بمجموعة من المكوّنات، فإنّها تقدّم، في النهاية، المنتج النهائيّ لهذا التأثّر باسمها هي، وهي مسؤولة عنه، ولقد نجح عرفات في خلق هذا الانسجام في عالم داخليّ متناقض إلى حدّ الوجع؛ لقد اصطاد الليلُ عرفات، قبل أن يستغلّ عرفات هذا الاصطياد ليعيد اكتشافه من الداخل، ويقدّمه بصياغة أخرى مختلفة، تعد بالكثير في المجموعات القادمة.

 

خالد جمعة

 

شاعر فلسطينيّ وكاتب للأطفال يقيم برام الله. وُلد في رفح عام 1965 لأبوين هُجّرا من قرية حتّا. يعمل محرّرًا للشأن الثقافيّ في وكالة 'وفا'، كما عمل رئيسًا لتحرير مجلّة 'رؤية' البحثيّة، وسكرتيرًا لتحرير مجلّة 'عشتار' الأدبيّة. شغل عضويّة اتّحاد الكتّاب الفلسطينيّين، وهيئة تحرير مجلّة 'الغربال'، وفرقة الجنوب للفنون الشعبيّة. له تسعة إصدارات شعريّة، وعشرون إصدارًا في أدب الأطفال، وأعدّ مجموعة من المسرحيّات، كما كتب أكثر من 100 أغنية لحّنها أهمّ الملحّنين الفلسطينيّين، مثل سعيد مراد وعودة ترجمان ومحمود العبّادي. تُرجمت بعض أعماله إلى الإنجليزيّة والفرنسيّة والإسبانيّة والبلغاريّة وبعض اللغات الأخرى.

تعليقات Facebook