"قمح في قطن": لعب جدل القاسم على الحوافّ

قطن | جينيفير سميث

أوّل تجربة لخلق الحياة مررنا بها صغارًا، كانت تجربة وضع حبّات من القمح في طبق فيه قطن مبلول، وبعد أن نراقبها أيّامًا، نراها تنبت ويصبح لها سيقان وجذور، لكنّ الفرق بين حبّات القمح التي تولد في قطن مبلول، وتلك التي تنبت في أرض عاديّة، أنّ القمح في القطن لا ترسخ جذوره، فيكفيك أن تحرّكه بإصبعك ليخرج مع جذوره، أو يخرج بالقطن الذي يحتويه، ولذلك، فهو دائمًا قلق ومرتبك وغير مستقرّ. ومن هنا ندخل إلى عالم جدل القاسم في كتابها الأوّل "قمح في قطن"، الفائز بجائزة القطّان للكاتب الشابّ مناصفة عام 2015.

الكتاب صادر عن الأهليّة للنشر والتوزيع في الأردنّ عام 2017، ويقع في 144 صفحة من القطع المتوسّط، وصمّم غلافه الشاعر زهير أبو شايب، ولوحة غلافه لآورورا دي لا مورينيري من فرنسا.

التحرّر من الخوف

تعطي جدل القاسم بعدًا جديدًا لقصيدة النثر، ليس فقط بالتحرّر من الأفكار المسبقة، فهذا أصبح من سمات كتّاب الجيل الجديد في فلسطين، وربّما في العالم العربيّ، لكن على مستوى محاولة التحرّر من الخوف، والمحاولة دائمًا محفوفة بالمخاطر، ولا سيمّا حين يكون الخوف نابعًا من الداخل، خوف القمحة من أن لا تعثر على تربة لجذرها، وخوف الذهاب دون ترك أثر.

هذا الخوف الذي يميّز الشعراء عادة، يمكن أن يؤدّي إلى طريق من اثنتين، إمّا التطامن مع الحياة وتقديم التنازلات من أجل العيش بأقلّ قدر من الألم، أو الوقوف في وجهها ومحاولة تفسيرها بصفتها ظاهرة طبيعيّة، مثل الريح والمطر، والطريق الثانية أكثر صعوبة وخطورة، وهي الطريق التي اختارتها جدل كي تخوض مغامرتها عبرها.

في خزانتي لا ملابس لي

في خزانتي بياض قطنك

 

تسرق جدل القطن كي تصنع ذاكرتها، وكأنّ الحياة تعتمد على مقدار ما في خزانتك من قطن، سواء كان هذا القطن ملكًا لك، أو أنّك سرقته من حبيب أو صديق، المهمّ أن تمتلئ الخزانة بالقطن، لأنّها من دونه فارغة، وحيدة، حزينة، باردة، ومع ذلك فهي تعطي القطن أبعادًا أكثر ممّا يبدو عليه للوهلة الأولى، فالقطن هو ما تُصنع منه الملابس، دليلًا على الحياة، وهو ما يمتصّ دم الجرح، وهو ما يوضع في ثقوب الموتى قبل دفنهم أيضًا، وهو ما تُحشى به الوسائد ليمتصّ أحلامنا وأفكارنا، وهذه التنويعات في رؤية القطن كائنًا مستقلًّا، يتصرّف وفق السياق، لا يمكن أن يأتي إلّا عبر رؤيا تأمّليّة عميقة في الأشياء، فإن كنت شاعرًا حقيقيًّا، فأوّل سمة من سماتك ألّا تمرّ عليك الأشياء مثلما تمرّ على الآخرين.

تحوّل

تلعب جدل القاسم على الحوافّ، كمن يرقص على حبل بين قمّتين، تخشى عليها من السقوط، لكنّها تفاجئك في جملة أو كلمة أخيرة، فتفسد عليك توقّعاتك:

بعد سنتين في البحر

فقدتُ صدفتي

بسبب كائن طائش

ظنّ أنّي أصلح وجبة سريعة

لأمعائه

جسدي نجا

وهكذا صرت كائنة بشريّة

هذه العلاقة مع الحياة بمجملها، تراها جدل متكاملة، تتحوّل فيها الأشياء من شكل إلى آخر. هذه الجدليّة التي أثبت العلم حقيقتها منذ زمن بعيد "الأشياء لا تفنى ولا تخلق من عدم". نرى أنفسنا كائنات بشريّة بعامّة، ومخلوقات أرقى من بقيّة المخلوقات على الكوكب، بينما تختلف رؤية الشاعر، ليس فقط على المستوى الفلسفيّ، بل على مستوى الحياة ذاتها، فأنت كونك كائنًا بشريًّا تعدّ مخلوقًا آخر كان ذات يوم أرقى منك، فنزل مستواه الحياتيّ ليصبح بشريًّا، والبشر لا يتصرّفون بالطبيعة التي خلقوا عليها، بل يفكّرون، ويبتدعون، ويتصرّفون بناء على رؤى ومصالح وحسابات، وهذا يدخل حياتهم في تعقيدات لا تدخلها حياة الكائنات الأخرى، فالكائنات الأخرى على سبيل المثال تقتل لتأكل، أو لتدافع عن نفسها، أمّا البشر فيقتلون لمليون سبب آخر.

تناقضات

تناقضات الوهم البشريّ لا تعبّر عنها جدل بمفردات متناقضة، بل بأحاسيس متناقضة، فالكثافة، مثلًا، نقيض الخفّة على نحو ما، لكنّها لا تستعمل المفردة التي تدلّ على النقيض، فالكثافة نقيضها النور الذي يرمز في أحد جوانبه إلى الخفّة، والسكينة التي تسعى إليها لتقتلها نقيض للسكينة المؤقّتة التي يسعى إليها المتعبون، إنّها تبحث عن السكينة الدائمة، ولا سكينة دائمة إلّا في الموت، في القتل، لكنّه ليس القتل الذي يخلّف الدم، ولا القتل الذي يمكن إثباته بصفته جريمة، بل القتل الذي يطلبه شاعر يريد أن يدخل لحظة ويبقى فيها، شاعر يريد أن يثبّت الزمن في تلك اللحظة التي تدخل فيها كثافته في نور روح الآخر:

ها أنا واضعة كثافتي في نور روحك

واضعة نورك في المسافات الشقيّة

واضعة المسافات أجزاء من الجنون

لعلّي

أصيب من السكينة

شيئًا يقتلني

 

حفيدة عشتار

تنتقل جدل تدريجيًّا إلى عمق الثقافة التي ولّدتها الحضارات على هذه الأرض، فتلجأ إلى نشيد الإنشاد الذي لسليمان، الواقع ضمن أسفار التوراة، والذي تحكي الدراسات كثيرًا عن كونه نشيد عشتار، ولعشتار امتداد دائم في نساء الأرض التي ولدت أسطورتها:

حبيبي يا بنات أورشليم

حبيبي جميل كحنّاء العروس

وقامته كصنوبر الغابات

فمه كرز

كتفاه حقول قمح

وعيناه لوزتان

صدره سهل حوران

وقد اختارت جدل أن تكون حفيدة الجدّة الأكثر تأثيرًا في عالم الأسطورة الشرقيّة، عشتار، التي بكلّ قوّتها وجبروتها، كانت عنوانًا للخصب والحبّ، وتتمثّل في نفسها ذلك، وتتحدّث بلسان جدّتها الإلهة، كأنّها اختصرت مقدّمات كثيرة من المفترض أنّنا نعرفها سلفًا، مثل شجرة العائلة التي أتت من عشتار إلى جدل، وهذا الحنين مصحوب بقوّة هائلة إلى جواره، وهي قوّة خلق الحياة التي تمتلكها المرأة وحدها، وعلى الرغم من كلّ تلك القوّة، ومظاهر السيطرة، إلّا أنّها لا تريد حبيبًا في قفص، فتختار له حرّيّته ليمنحها الحبّ من دون قيود:

حبيبي يا بنات أورشليم

حرّ كجموح وعل في الغابة

جدل القاسم في أمسية إطلاق كتابها بمتحف محمود درويش

وهنا تظهر الأنثى التي تَخلق وتُخلق من خلقها ذاته، الأنثى التي تأخذ لتعطي، وتعطي لتأخذ، خارجةً عن نمط الأنثى التي تعطي من دون مقابل، والأنثى التي تفني نفسها من أجل الآخرين، لكنّها هنا تعطي وتعطي، وتأخذ وتأخذ، لأنّ من حقّ مَنْ يعطي أن يأخذ، ولأنّ دورة الحياة لن تكتمل إلّا بالأخذ والعطاء.

وفي الشتاء أجلس وحيدة ككرسيّ في الحديقة

أحاول تذكّر أصلي

ما شكل شجرتي

ما نوعها

كم كان عمرها حين قطعني الحطّاب الشرّير

أين مضى بقيّة إخوتي

أنا خشبة تعيسة

تحلم أن تتناثر رمادًا

بعد مرور المواسم

وفي تأمّل صغير لتركيبة المفردات، لا نجد فرقًا بين جدل والشجرة، فهي في جملة واحدة دمجت ذاتها بالشجرة المقطوعة: "كم كان عمرها حين قطعني الحطّاب الشرّير." عمرها، قطعني، كأنّها هي ذاتها، وهذا الضمير المتحوّل هنا هو ما يقلب الجملة من خبر إلى شعر، فلو قالت "حين قطعها"، لتحوّلت الجملة إلى تقرير.

نصوص إضافيّة

على مستوى التجريب في الشكل، وضعت جدل مجموعة من الهوامش تبدو قبل قراءة النصّ تفسيرًا لبعض ما ورد في النصّ، لكنّها ليست إلّا نصوصًا تكميليّة يمكن قراءتها بصفتها إضافة للنصّ الأصليّ، أو نصوصًا مستقلّة، إذ إنّها تخلق عالمًا يضيء جوّ النصّ ولا يشرحه. فربّما نستبعد العلاقة بين النساء الفقيرات، مثلًا، الواردات في هامش نصّ "مكافآت"، والنصّ ذاته، لكن بقليل من التعمّق، يمكننا أن نربط بين النصّ والهامش، أو أن نفصلهما بسهولة، بل ويمكن أن نذهب أبعد من ذلك، أن نضع المتن في الهامش والهامش في المتن، وهذه اللعبة متقنة لكي يشترك القارئ في صناعة الصورة الشعريّة، بدلًا من أن يتلقّاها كتلميذ في مدرسة، وهذا من ما يميّز فنّ الحداثة بعامّة، والشعر بخاصّة، إنّه يشبه الدائرة المغناطيسيّة المفتوحة التي تجذب القارئ إليها، وتتفاعل معه ويتفاعل معها لينتج رموزه وإسقاطاته الخاصّة، التي قد تكون بعيدة عن المعنى الذي رمت إليه جدل، فما من صورة محدّدة على كلّ متلقّ أن يكوّنها حين يقرأ العبارات ذاتها، فنحن نستقبل العبارات بما لدينا من ثقافة وتجربة في الحياة، وبما أنّ التجارب والثقافات مختلفة، فهذا يعني أنّ النتائج التي تخرج من قراءة العبارة الشعريّة ستكون مختلفة كذلك.

الأنثى القبيحة!

تنتقد جدل الكثير من العادات الاجتماعيّة التي تمرّ بنا يوميًّا، لكنّه ليس الانتقاد الصحافيّ الذي يسعى إلى التناقض مع المفهوم السائد على نحو عنيف وصادم، بل الانتقاد الذي يحمل في داخله التساؤل. يصل هذا الانتقاد/ السؤال ذروته في نصّ "صفة":

لا أفهم لماذا أنا قبيحة [قبيحة]

هذا التساؤل عن المرأة التي يدلّ كلّ شيء فيها على الجمال، المؤمنة، المؤدّبة، الحنونة، المتسامحة، القنوعة، لكنّ شعرها خشن، ولا لحم على خصرها، لذا فهي قبيحة في نظر الجميع على الرغم من كلّ صفاتها الأخرى، وهذه محاولة لتغيير مفهوم الجمال في العرف المجتمعيّ، كأنّ السؤال يُلقى بطريقة أخرى: هل كنتم تفضّلونني جميلة الوجه والجسد، وكافرة، ووقحة، وقاسية، وحقودة، وجشعة؟ هل كان هذا سيرضيكم أكثر؟

ارتباك

في أبواب الكتاب الخمسة: فرش، سقيا، حلج، نسيج، تلبيس، المرتّبة وفق ترتيب نموّ، وحصاد، وتصنيع القطن، تداعب جدل القاسم كلّ ما يمكنها أن تفكّر فيه وفي نقيضه، تكتب مادحة ذاتها، ومنتقدة ذاتها، تمتدح حبيبها وتخضع له، وتنتقده بشدّة وتثور عليه، تدخل إلى عالم الآلهة والأساطير، إلى جنون الفتيات المراهقات، وحكمة العجائز المئويّات.

لا تدّعي جدل هنا اليقين في أيّ جملة من جمل الكتاب، إنّها مرتبكة إزاء الحياة، لكنّه ليس الارتباك الضائع، بل ارتباك من المعطيات التي تقدّمها الحياة لنا، فيربكنا اختيار وجهتنا، تمامًا مثل أن يخيّرك أحدهم بين رحلة إلى البحر أو رحلة إلى الغابة. هذا الارتباك الجميل الذي يأخذ منك شيئًا حين يعطيك شيئًا آخر، هو الارتباك الذي يصنع الشعر، هو الارتباك الذي يجعل من الشعر عالمًا يمكن أن يُفسّر على كلّ محمل ممكن.

مأزق

وعلى الرغم من الاقتصاد في اللغة عند جدل في كثير من النصوص، إلّا أنّه كان من الممكن اختصار شيء من التعبيرات في بعض النصوص، والتي وضعتها جدل لتوضيح ما هو واضح، لكن هذا مغفور تمامًا مع العمل الأوّل، ولا سيّما أنّ هذا العمل وضع جدل في مأزق يخصّ عملها الثاني، فكثيرًا ما نغفر للعمل الأوّل بعض ضعف هنا أو هناك، لكن إذا خرج العمل الأوّل قويًّا، فهذا يضع الكاتب أمام تحدّ حقيقيّ في عمله الثاني.

جدل مولودة في صوفيا، العاصمة البلغاريّة، عام 1983، لأمّ سوريّة وأب فلسطينيّ، تحمل ثلاث قراءات للعالم منذ ولادتها: سوريا، فلسطين، بلغاريا، وتقيم حاليًّا في رام الله، وهذه قراءة رابعة، وتحمل شهادة الماجستير في الديمقراطيّة وحقوق الإنسان من جامعة بير زيت.

ثمّة الكثير ممّا يمكن أن يقال عن "قمح في قطن"، وكلّ ما قيل أو سيقال، لن يغني عن قراءة الكتاب، فكلّ مَنْ سيقرأ، سيخرج بانطباع مختلف، ربّما يتّفق مع ما قلت، أو يختلف، لكن في النهاية، ما هو المشهد الثقافيّ إن لم يكن هذه الاختلافات والاتّفاقات؟ وما هو الشعر، إذا لم يكن هو ما يثير فينا كلّ تلك الأسئلة عن الله، والحبّ، والعالم، والموت، والحياة، وبالدرجة الأولى عن أنفسنا؟

 

خالد جمعة

 

شاعر فلسطينيّ وكاتب للأطفال يقيم برام الله. يعمل محرّرًا للشأن الثقافيّ في وكالة "وفا". له تسعة إصدارات شعريّة، وعشرون إصدارًا في أدب الأطفال، وأعدّ مجموعة من المسرحيّات، كما كتب أكثر من 100 أغنية لحّنها أهمّ الملحّنين الفلسطينيّين. تُرجمت بعض أعماله إلى لغات عالميّة عديدة.

تعليقات Facebook