وزارة الثقافة الفلسطينيّة: محاولات الوصاية من الخارج

StephenReed

يمكن اعتبار هذه المداخلة مرافعة لصالح المؤسّسة، وشكلًا من أشكال الاحتفاء بالخراب العامّ، ذلك لأنّها تبدو حيّزًا مشتقًّا عنه، وجزءًا مستمدًّا منه. إلّا أنّ استعمال المشكلة في سياق كامل من الفوضى والجنون والهزل، دليل أكيد على عمقها وحدّتها، وبهذا يصبح أخذها على محمل الجدّ ضرورة من ضرورات التغيير. إذ ليس من الترف في هذه البلاد المحتلّة والمنتهكة - كانت وصارت تسمّى فلسطين كما تقول الجملة الشعريّة/ الشعاراتيّة - أن تُناقَش فيها الثقافة على نحو يتغمّدها بالرحمة والرفق، حيث تعتلّ وتموت، ويرفدها بالعناية والعطف حيث تفتقر وتعوز.

سياسات أمنيّة وتغوّل سلطويّ، لا أمن ثقافيّ!

ليس من المعقول أن تعلن سلطة عن حاجتها إلى عصابة، أو مافيا، أو قطّاع طرق، لأنّها تفقد بذلك شكل النظام وروح الدولة، لكنّها، في المقابل، سوف تعلن عن حاجتها لأجهزة أمنيّة "محترمة" تؤدّي أدوار المذكورين أعلاه، مجتمعين. أمّا الفرق بين الحالتين: اللبوس القانونيّ والصبغة السياديّة. ولأنّ لدينا، في فلسطين المحتلّة، سلطة تحت احتلال، فإنّ الحالة الأمنيّة سوف تعني أساس وجود هذه السلطة، إذ لا خيار لها سوى ضمان استمراريّتها باستمرار أدائها الوظيفيّ تجاه وجودها/ وجود الاحتلال.

ولذلك، كانت الثقافة الفلسطينيّة الرسميّة من متعلّقات الأمن، فالمواقع الثقافيّة لا تشغلها إلّا الأسماء المجازة حركيًّا وسلطويًّا وأمنيًّا، والانتخابات في الاتّحادات والنقابات العامّة لا تحدّد مواعيدها وأسماء الفائزين بها إلّا بموافقة الأمن؛ تقدّست أسراره وتحالفاته. ويمكن تشكيل وفد ثقافيّ رفيع يزور وفدًا ثقافيًّا في دولة مجاورة (وزارة الثقافة والدفاع الحربيّ السوريّ، مثلًا) من باب التأكيد على دور مثقّف السلطة في تدعيم خطابها وتبرير بشاعاتها، في وقت يشعر فيه الاتّحاد العامّ للكتّاب والأدباء الفلسطينيّين بأنّه لا يمثّل كاتبًا واحدًا، بقدر ما يمثّل نفرًا من كتّاب متهالكين، وعجائز سائمين، وشعراء "مقاومة" مستقيلين؛ ثلاثة من داخل الأرض المحتلّة، ونحو سبعة من المنافي يتبادلون الجوائز مع بعضهم، وتشملهم أوسمة ديوان "الرئاسة" وعطاياها ومكرماتها. ولأنّهم "يرفضونها ويقاطعونها!" يزايدون على الجميع باسم فلسطين والمقاومة والوطن، فالتطبيع، لديهم، من صناعة المثقّفين الذين لا تكرّمهم سلطة التطبيع!

أحلاف وقوى ومناصب

يحسب لوزارة الثقافة الفلسطينيّة إنجازاتها في العامين الماضيين، إذ كان لتولّي الدكتور إيهاب بسيسو حقيبتها أثر كبير في كسر نمطيّة المؤسّسة، وتفعيل دورها، وكانت للإدارات العامّة في الآداب، والتراث، والفنون نشاطات لافتة وأعمال ناجزة في هذه الحقول، ما لفت النظر إلى أنّ التغيير ممكن.

إلّا أّن المتابع لواقع الحال الآن، يلحظ بوضوح محاولات أحلاف زواج السلطة بالأمن، والمناصب المركزيّة، ورجالات "الشلّة" في الوصاية على المؤسّسات، والاتّحادات، والمتاحف، ومنها وزارة الثقافة. محاولات محكومة بعقليّة السيطرة، ومشحوذة برغبة الاستحواذ.

أدب الشباب والشيوخ: معركة الأبوّة وحمولات الوصاية

ليس لـ "أدب الشباب" توصيف واضح في المشهد الثقافيّ العربيّ، وكذلك الفلسطينيّ. المصطلح يُوظّف، عادة، كيفما اتّفق، إذ لا غرابة أن يستعمله "الكهول والشيوخ" لتحقيق ما يشبه التمايز مع "اليافعين والشبّان". ولا غرابة، أيضًا، أن تستعمله المؤسّسات البيروقراطيّة التي تعكف على مسابقات كرنفاليّة، تحدّد، سلفًا، أعمار المتنافسين الذين تزجّ بهم في معارك "إبداعيّة" لا طحن فيها ولا غبار.

في السياق نفسه، يحدث أن يبلغ قاصّ فلسطينيّ الأربعين أو الخمسين من العمر؛ فينعته أقرانه الذين يكبرونه بقليل بـ "المبدع الشابّ!" ويحدث أن تستضيف معارض الكتب العربيّة ندوات تُعنى بـ "أدب الشباب"، فيهرع إليها، ويحاضر فيها عدد من "الشباب" المأسوف على شبابهم.

هذا يشبه التندّر على حال "المجلس الأعلى للشباب والرياضة"، ذلك الذي عيّنت فيه السلطة الفلسطينيّة، قبل سنوات، مجموعة من الطاعنين في السنّ، تقابله مجالس متهالكة كثيرة شبيهة في عديد من الدول العربيّة، وكأنّ البنية الهرمة للنظام العربيّ الرسميّ تنسحب إلى ثقافة تُخلّق، بدورها، أيقونات هرمة من جنسها.

وسط كلّ هذا، يجد كلّ كاتب جديد، يمكن له أن يشبّ عن الطوق، نفسه محاطًا بجدر محصّنة، خارج حدودها، يبدو رهانه متّصلًا بمواجهة الرغبة في الوصاية عليه. رغبة تصاحبها مظاهر ماضويّة، تستدعي، في مخيالها الرحب، صورة الأتباع والمريدين الذين يقدّمون الطاعة والولاء لشيوخ مدارسهم الجاثمين على صدورهم، كتنظيم مدجّج بالشروط والمشارط، حيث لا ولادة جديدة من دون أن تنتزع اعترافًا منهم، ولا شرعيّة، وبالتالي، لا وجود من دون أن تصطبغ تلك الولادة بمساحيق الشيب وألوان الحكمة.

وهنا نسأل، لماذا تؤجّل انتخابات الاتّحاد العامّ للكتّاب والأدباء الفلسطينيّين؟ مَنْ يختطف الاتّحاد؟ كيف يمكن إنقاذ وزارة الثقافة الفلسطينيّة إذ يأتي وكلاؤها، كلّ مرّة، من خارج البيت، وبقرارات "عليا"؟ ما شرعيّة هذه الانتدابات التي تصادق على تعيين "مخاتير" "وأدعياء" تبعًا لتوصيات لجان فصائليّة هرمة؟

ربّما على وظيفيّة الثقافة أن تنتهي، أمّا وظيفيّة السلطة فالمعركة معها طويلة.

 

علي أبو عجميّة

 

من مواليد مدينة الخليل، حيث يعمل ويعيش. حاصل على البكالوريوس في الهندسة الكهربائيّة من جامعة بوليتكنك فلسطين. ينشر المقالات الثقافيّة والنصوص الأدبيّة في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة. صدرت له مجموعتان شعريّتان بعنوان 'سفر ينصت للعائلة' (2014)، و"نهايات غادرها الأبطال والقتلة" (2017)، عن الدار الأهليّة للنشر والتوزيع

تعليقات Facebook