لا يزال الأطفال الفلسطينيون في قطاع غزة يعانون من تبعات الإبادة الإسرائيلية التي دمّرت القطاع عامَين متواصلَين، بعد أن فرضت عليهم واقعًا أكبر من أعمارهم، وحمّلتهم مسؤوليات كثيرة تقابلها مأساة إنسانية، وسط بنية تحتية مدمرة.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
يأتي يوم الطفل الفلسطيني، الذي يصادف اليوم، وسط هذه الظروف القاسية وغير الإنسانية، إذ يقضي الصغار أوقاتًا طويلة لتأمين الطعام ومياه الشرب والحطب اللازم للتدفئة، ومستلزمات الحياة اليومية.
يعود إحياء يوم الطفل الفلسطيني إلى 5 نيسان/ أبريل 1995، حين أعلن الرئيس الراحل، ياسر عرفات، خلال المؤتمر الأول للطفل الفلسطيني، التزامه باتفاقية حقوق الطفل الدولية.
وفي كلمته بالمؤتمر، أعلن عرفات الخامس من نيسان/ أبريل من كل عام يومًا للطفل الفلسطيني.
يبدأ الأطفال الفلسطينيون يومهم بمهمات تأمين المياه، وجمع الحطب، والمساعدة في إشعال النار لإعداد الطعام، بدلًا من حمل حقائبهم المدرسية، وذلك في زوايا الخيام المهترئة، وعلى أطراف مخيّمات النزوح الممتدّة في قطاع غزة.
هنا، لم تعد الطفولة كما يعرفها العالم، بل تحولت إلى رحلة يومية للبقاء، إذ يسعى الأطفال لتأمين احتياجات أسرهم الأساسية في ظل غياب أبسط الخدمات.
"أحلم بالعودة للمدرسة"
تقول الطفلة رهف وادي (13 عامًا)، بصوت يختلط فيه التعب مع الأمل، "نذهب يوميًا لتعبئة المياه، ونبحث عن الطعام في التكايا بخانيونس، بسبب الظروف الصعبة التي نعيشها".
وتضيف، بعد أن تمكنت من الحصول على وجبة طعام متواضعة من إحدى التكيات، "نخرج يوميًا للبحث عن الطعام والمياه، ننجح أحيانًا ونفشل أحيانًا أخرى".

وعن تبعات الإبادة الإسرائيلية، تقول "حُرمنا من التعليم ومن كل شيء.. حلمي أن تنتهي الحرب، ونعود إلى مقاعد الدراسة، ونعيش مثل باقي أطفال العالم”.
وفي مشهد أكثر قسوة، تعيش الطفلة ريماس (12 عامًا) داخل خيمة نُصبت في محيط مقبرة بمدينة خانيونس، حيث تحيط بها القبور من كل جانب.
وهناك تلعب مع شقيقاتها بقطع بسيطة قرب جدار المقبرة، وتقول، "نعيش في خيمة داخل المقابر، ونحلم أن نعود إلى منزلنا وأن نعيش بحرية".

مشتاقةً إلى مقاعد الدراسة، تقول ريماس "حرمتنا الحرب من الدراسة، ونعاني يوميًا من جهود تعبئة المياه والبحث عن الطعام".
وبلغة البراءة تتساءل الطفلة المرهقة، "ما ذنبنا أن نعيش في خوف وقلق؟".
وتضيف أن حياتها اليومية باتت تدور بين مساعدة عائلتها في جلب المياه، والوقوف في طوابير طويلة للحصول على الطعام، في ظل غياب أي مظاهر للحياة الطبيعية.
انتشار الأمراض والحشرات
وداخل أحد مراكز الإيواء التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، "أونروا"، لم تعد المدارس مكانًا للتعليم، بل تحولت إلى مأوى مكتظ بالنازحين، حيث تعيش الطفلة رغد قديح (11 عامًا) داخل خيمة نُصبت في ساحة مدرسة بخانيونس.
تروي رغد بمرارة كيف تبدلت حياتها، تقول "كنا نعيش في بيت جميل، وكانت المدرسة مكانًا للتعلم واللعب، أما اليوم فأصبحت مكانًا للنزوح".

وتضيف متحدثة عن مأساتها، "نعاني من انتشار الأمراض والحشرات والقوارض، والمياه التي نستخدمها غير نظيفة".
وتشير إلى انتشار أمراض معدية مثل التهاب الكبد الوبائي والأمراض الجلدية، في ظل بيئة غير صحية، وغياب الإمكانيات الطبية اللازمة.
وتختتم رهف حديثها قائلة "نأمل أن تنتهي الحرب ونعيش بسلام". فيما تختصر ريماس الحكاية بعبارة موجعة، "نريد أن نعيش مثل باقي أطفال العالم".
معطيات رسمية
ووفق معطيات جهاز الإحصاء الفلسطيني، الأحد، فإن "العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة كشف عن استهداف ممنهج لمستقبل جيل كامل، فقد بلغ عدد القتلى 72 ألفًا و289 شهيدًا، بينهم 21 ألفًا و283 طفلًا، أي ما نسبته حوالي 30% من إجمالي الضحايا حتى نهاية العام 2025".

ووفق المعطيات "استشهد 450 رضيعًا، و1029 طفلًا لم يتمّوا عامهم الأول، إضافة إلى 5031 طفلًا دون سن الخامسة، ما يعكس إبادة حقيقية لجيل لم تبدأ حياته بعد".
وأوضح الجهاز أن "أساليب القتل لم تقتصر على الصواريخ فحسب، بل جاء تحالف الحصار والجوع والبرد ليخطف أرواح الأطفال، إذ توفي 157 طفلًا بسبب الجوع، فيما قضى 25 آخرون نتيجة الصقيع في خيام النازحين".
أمّا على صعيد الإصابات، فقد أظهرت المعطيات أن الأطفال يعانون كارثة صحية مزدوجة، حيث بلغ عدد الجرحى 172 ألفًا و40 مصابًا، من بينهم ما لا يقل عن 44 ألفًا و486 طفلًا، أي ما يعادل 26% من إجمالي الجرحى.
وفيما يتعلق بآثار الحرب الجسدية المدمرة، أوضحت المعطيات أن 10 آلاف و500 طفل يعانون إصابات غيّرت مجرى حياتهم، وأكثر من 1000 حالة بتر للأطراف، وسط انهيار كامل للمنظومة الصحية، ونقص حاد في الأجهزة المساعدة، فيما يواجه نحو 4 آلاف طفل خطر الموت ما لم يؤمّن لهم إجلاء طبي عاجل.

ووفق المعطيات، فقد 58 ألف طفل في قطاع غزة أحد والديهم أو كليهما نتيجة العدوان الإسرائيلي.
وعلى صعيد البنية التحتية، ذكر جهاز الإحصاء أن العدوان الإسرائيلي دمر 179 مدرسة حكومية، إضافة إلى تعرض 100 مدرسة تابعة لـ"أونروا" إلى قصف وتخريب؛ ما أدى إلى حرمان 700 ألف طالب وطالبة من حقهم الأساسي في التعليم للعام الدراسي 2025/2026.
كما حُرم حوالي 39 ألف طالب وطالبة من حقهم في تقديم امتحان شهادة الثانوية العامة، للعام الدراسي 2024/2025.




