أحمد خضير، مزارع فلسطيني من القطاع دمر الاحتلال 100 دونم يملكها في بيت لاهيا خلال حرب الإبادة، يطلق مبادرة لمكافحة الغلاء الناجم عن شحّ الموارد بسبب تقييد الاحتلال دخول المساعدات الإغاثية، عبر زراعة بذور الخيار وأشتال الطماطم، مستبشرًا بأن تنبت له بعد أسابيع قليلة محصولًا طيبًا.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
أبادت الحرب الإسرائيلية 100 دونم زراعي كان يمتلكها أحمد خضير في بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع، لا يزال غير قادر على الوصول إليها لاحتلال الجيش الإسرائيلي لها حتى الآن.
وأطلق المزارع خضير مبادرة لزراعة 10 دونمات (ألف متر مربع) من الخضروات في منطقة "التوام"، في محاولة لإحياء الإنتاج المحلي، وسط انهيار للقطاع الزراعي بفعل الحرب.
يقول خضير إن مبادرته "تأتي في ظل اعتماد شبه كامل لسكان القطاع على استيراد الخضروات، نتيجة تدمير الأراضي الزراعية وانعدام القدرة على الإنتاج المحلي".
ويضيف"نسعى لإيجاد بارقة أمل تعيد الزراعة إلى غزة، وتوفير الخضروات بأسعار مقبولة للناس".
إسرائيل تحتلّ الأراضي وتدمّرها لكنّها لا تستطيع تدمير الأمل
قبل الحرب، كان خضير يزرع الفراولة ومختلف أنواع الخضروات في أرضه، إلا أن الإبادة الجماعية غيرت كل شيء.
ويقول "توقفنا عن الزراعة بالكامل، وجُرّفت أراضينا كما معظم أراضي شمال القطاع، وأصبحت غير صالحة للزراعة، فضلًا عن وقوعها وراء ما يسمى بالخط الأصفر الذي ما زال تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي".
و"الخط الأصفر" هو خط وهمي انسحب إليه الجيش الإسرائيلي داخل غزة في إطار اتفاق وقف إطلاق النار، يفصل هذا الخط بين مناطق سيطرة الاحتلال الكاملة شرقًا، التي تبلغ نحو 53% من مساحة القطاع، والمناطق التي يسمح للفلسطينيين بالتواجد فيها غربًا.
ويضيف خضير، أن هذا الواقع "دفعه إلى التفكير بإطلاق مبادرة تعيد الحياة ولو جزئيًا إلى الأرض، قائلًا "قررنا البدء من جديد رغم كل الصعوبات".
نجاح المبادرة الزراعية في غزة قد تسبّب خفض الأسعار
تعتمد مبادرة خضير على استئجار قطعة أرض بمساحة 10 دونمات، بمشاركة 5 من إخوته وصديق لهم، إذ بدأوا بزراعة الخيار والطماطم والباذنجان، إلى جانب أي بذور أو أشتال متوفرة.
ويشير خضير إلى أن الدافع الأساسي وراء المبادرة هو "الحاجة والبطالة" التي يعاني منها هو وشركاؤه منذ بداية الحرب، إضافة إلى الارتفاع الكبير في أسعار الخضروات.
ويضيف "الناس اليوم بالكاد يستطيعون شراء الخضار، وإذا نجحت مثل هذه المبادرات وتكررت، ستنخفض الأسعار بشكل طبيعي".
ويعتمد السكان في غزة على استيراد الخضروات بشكل كامل من خلال المعابر التي تتحكم إسرائيل فيها، التي تنتهج سياسة التقطير في إدخال المواد الغذائية والأساسية عبرها.
التحديات التي تواجه المبادرة
رغم بساطة الفكرة، تواجه المبادرة تحديات كبيرة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص الموارد. ويوضح خضير أن "تكاليف الزراعة اليوم باهظة جدًا؛ من وقود لتشغيل آبار المياه، إلى الأسمدة والمبيدات والبذور، وكذلك أدوات الحرث والريّ".
ويبيّن أن الحصول على البذور أصبح مهمة شاقة، قائلًا "نشتري البذور بصعوبة وبأسعار مرتفعة جدًا، فبذرة الخيار الواحدة لا تتوفر بأقل من 3 شواقل (دولار واحد)، في ارتفاع يساوي 10 أضعاف ثمنها قبل الحرب".
كما تعاني البذور المتوفرة من تدني الجودة في بعض الأحيان بسبب قدمها، نتيجة طول فترة الحرب وتعطّل سلاسل التوريد.
ويوجّه خضير نداءً إلى المؤسسات المحلية والدولية لدعم المبادرات الزراعية، قائلًا "نحتاج إلى دعم حقيقي، سواء بتوفير الوقود أو الأسمدة أو المعدات اللازمة للزراعة والريّ؛ حتى نتمكن من الاستمرار".
ويؤكد أن نجاح هذه المبادرات "لا يقتصر على تحسين دخل المزارعين، بل يساهم أيضًا في استعادة جزء من الأمن الغذائي في غزة".
واقع زراعي متدهور
وتشير بيانات رسمية أن المساحة الإجمالية للأراضي الزراعية في قطاع غزة تبلغ نحو 180 ألف دونم، أي ما يقارب نصف مساحة القطاع، إلا أن معظمها يقع حاليًا في مناطق تحتلّها إسرائيل.
وبهذا الصدد، يقول لؤي رجب مدير العلاقات العامة والإعلام بوزارة الزراعة في غزة، إن المساحات المزروعة حاليًا لا تتجاوز 5% من إجمالي الأراضي الزراعية، في ظل تدمير واسع طال هذا القطاع الحيوي.
ويوضح رجب أن "قرابة 87% من الأراضي الزراعية جُرّفت أو تضررت خلال حرب الإبادة، في حين ما زال قرابة 62% من الأراضي تحتلها إسرائيل".
ويشير إلى أن "مناطق كانت تعد من أهم الرقع الزراعية في غزة، مثل منطقة المواصي جنوبًا، تحولت إلى مناطق مكتظة بالنازحين".
ويتابع رجب "قبل الإبادة الجماعية الإسرائيلية كان قطاع الزراعة في غزة يحقق اكتفاء ذاتيًا في مختلف أصناف الخضروات، بل ويصدر يوميًا نحو 300 طن، ما وفّر دخلًا يوميًا يقدر بمليون شيكل للمزارعين، أما اليوم، فقد بات معظم السكان يعتمدون على الخضروات المستوردة مرتفعة الثمن".
كما "كان يعمل في القطاع الزراعي نحو 55 ألف شخص، يعيش معظمهم اليوم في ظروف نزوح صعبة بعد فقدان مصادر رزقهم"، وفق رجب.
بين الخطر والأمل
ورغم المخاطر الأمنية المستمرة، بما في ذلك إطلاق النار والقذائف شبه اليومي من الجيش الإسرائيلي، يواصل خضير وشركاؤه العمل في أرضهم، ويقول "نحن نعمل في ظروف خطيرة، لكننا مضطرون إلى الاستمرار وتحدي الواقع".
ويختم حديثه بالقول "نتمنى نجاح هذه المبادرة، ونأمل أن ينسحب الجيش إلى ما وراء ما يسمى بالخط الأصفر حتى نتمكن من العودة إلى أراضينا وإعادة إعمارها... نحن نتوكل على الله.. ونأمل التوفيق".
وفي ظل هذا الواقع الصعب، تبقى المبادرات الفردية مثل مبادرة أحمد خضير بارقة أمل صغيرة، لكنها تحمل في طياتها إمكانية إحياء قطاع زراعي كان يومًا شريانًا مركزيًا للحياة والرزق في قطاع غزة.
اقرأ/ي أيضًا | 2.5 مليون طفل بالضفة وغزة يعيشون النزوح والجوع