"إلى أين نذهب؟".. 1.9 مليون نازح في غزة: الخيام تضيق والمخاوف تتسع

يقول الأخرس، النازح من مدينة رفح جنوب القطاع: "موجة الاستهدافات الأخيرة دفعتنا للتفكير مجددا في النزوح، لكن إلى أين نذهب؟ لا نملك حتى الإمكانات للانتقال مرة أخرى، وأصبح الخروج من هذا المكان أشد علينا مما كانت الحرب عليه قبل إعلان

صورة توضيحية (Getty images)

داخل خيمة مهترئة غربي مدينة خان يونس، يجلس الحاج أبو السعيد الأخرس (60 عاما) متكئا على حصيرة بالية، مسترجعا رحلة نزوح طويلة بدأت مع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ولم تنته حتى اليوم.

ويمثل الأخرس، الذي اضطر وعائلته إلى النزوح سبع مرات منذ اندلاع الحرب، نموذجا لحالة يعيشها نحو 1.9 مليون فلسطيني في قطاع غزة، وسط مخاوف متزايدة من موجات تهجير جديدة مع إعلان الاحتلال نيته توسيع سيطرته العسكرية على أجزاء إضافية من القطاع.

يقول الأخرس، النازح من مدينة رفح جنوب القطاع: "موجة الاستهدافات الأخيرة دفعتنا للتفكير مجددا في النزوح، لكن إلى أين نذهب؟ لا نملك حتى الإمكانات للانتقال مرة أخرى، وأصبح الخروج من هذا المكان أشد علينا مما كانت الحرب عليه قبل إعلان وقف النار".

وتجسد هذه الشهادة حال مئات آلاف الأسر التي وجدت نفسها أسيرة الخيام ومراكز الإيواء المؤقتة، في ظل استمرار القصف وتراجع فرص العودة إلى مناطقها الأصلية.

وبحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية حتى 20 أيار/ مايو 2026، ارتفعت حصيلة العدوان إلى 72,773 شهيدا و172,723 جريحا، بينهم 881 شهيدا منذ ما يعرف بوقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025.

وفي السياق ذاته، تشير معطيات الأمم المتحدة إلى أن 1.9 مليون شخص من أصل 2.4 مليون نسمة في قطاع غزة تعرضوا للنزوح مرة واحدة على الأقل، فيما لا يزال نحو 900 ألف شخص بحاجة إلى مساعدات إيواء عاجلة.

وفي أحد مخيمات النزوح، تتحدث ريهام أبو ديب (40 عاما)، وهي أم لأربعة أطفال، عن حلم العودة الذي بات يتلاشى يوما بعد يوم.

وتقول: "كنا ننتظر العودة إلى بني سهيلا، لكن الحديث عن زيادة السيطرة الإسرائيلية جعل الأمل منعدما. مضى أكثر من عامين ونحن بعيدون عن بيوتنا، ولا نعرف إن كنا سنعود أم أصبحنا بلا دار إلى الأبد".

وتصف أبو ديب الظروف المعيشية داخل المخيمات بأنها تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة، قائلة: "لا ماء كافيا، ولا طعاما، ولا تعليما لأطفالنا، ولا خدمات صحية أو فرص عمل، ونعيش بين الحشرات والقوارض وتحت القصف".

وتتضاعف هواجس السكان مع ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو شريط عازل أقامه الاحتلال عقب إعلان وقف إطلاق النار، وبات يشمل نحو 60% من مساحة قطاع غزة بعد توسعات متتالية، ما أدى إلى حصر غالبية السكان في مساحة جغرافية آخذة في التقلص.

ويعتبر كثير من الغزيين أن هذا الخط يرسخ واقعا جديدا على الأرض، خاصة مع استمرار تقدمه غربا وتدمير المنازل والأراضي الزراعية الواقعة في مساره.

وفي هذا الإطار، شدد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، في 29 أيار/ مايو الجاري، على أن "غزة بنسبة 100% يجب أن تكون ملكا للشعب الفلسطيني"، داعيا إسرائيل إلى سحب قواتها مما يسمى "الخط الأصفر".

ومن بين النازحين أيضا، تروي حنان حامد (47 عاما)، التي نزحت من شمال القطاع إلى جنوبه، تفاصيل حياة تصفها بأنها "عيش في المجهول".

وتقول: "لا نعرف ما الذي ينتظرنا، ولا إلى أين نتجه، ولا متى ينتهي هذا الكابوس. فقدنا الأمان والبيت والأحبة، وبعد كل هذه السنوات يتحدثون عن عودة الحرب، لكنها في الحقيقة لم تتوقف أصلا".

وترى حامد أن الضغوط الاقتصادية والنفسية والاجتماعية المتراكمة تجاوزت قدرة العائلات على التحمل، وأسهمت في تفكك الكثير من الأسر وتدمير أنماط حياتها الطبيعية.

أما في مواصي خان يونس، فيسرد أبو أنس ضهير (55 عاما) مشاهد عايشها خلال الأيام الماضية مع استمرار القصف الإسرائيلي.

ويقول: "الشظايا والحجارة الناتجة عن القصف تتساقط على الخيام، فتشعل فيها النيران وتصيب النازحين وتروع الأطفال والنساء. الجميع يركض ويصرخ ولا يعرف أين يحتمي من الصواريخ".

ويضيف: "رأيت أشلاء ومصابين ودماء في كل مكان. يتحدثون عن عودة الحرب، لكنها لم تتوقف يوما بالنسبة لنا، بل استمرت بأشكال مختلفة".

ولا تتوقف معاناة النازحين عند المخاوف الأمنية فحسب، إذ تتفاقم الأزمة الإنسانية داخل المخيمات مع تراجع المساعدات الغذائية ونقص المياه وتدهور الأوضاع الصحية والبيئية.

وتفيد تقديرات ميدانية بأن آلاف الأسر فقدت أحد أهم مصادر غذائها بعد تقليص عدد من المؤسسات الدولية برامج الإغاثة. وكانت منظمة المطبخ المركزي العالمي قد أعلنت منتصف أيار/ مايو الجاري خفض إمداداتها ووجباتها الساخنة بنسبة تصل إلى 80% في مناطق واسعة من القطاع.

وفي تحذير حديث، أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن نقص التمويل بات يعيق بشكل كامل العمليات الإغاثية الأساسية في الأرض الفلسطينية المحتلة.

ووفقا للنداء العاجل لعام 2026، تسعى الأمم المتحدة إلى تأمين أربعة مليارات دولار لتقديم المساعدة لنحو ثلاثة ملايين فلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، إلا أنها لم تتلق سوى 12% من المبلغ المطلوب، ما أدى إلى فجوة تمويلية كبيرة أثرت على البرامج الإنسانية.

كما أكدت "أوتشا" أن تراجع التمويل، إلى جانب انهيار القطاع الخاص، أدى إلى محدودية توفر الأغذية المغذية والميسورة التكلفة، فيما باتت أسرة من كل خمس أسر في قطاع غزة تكتفي بوجبة واحدة يوميا، بينما تضطر أمهات كثيرات إلى تقليص حصصهن الغذائية لتوفير الطعام لأطفالهن.

وفي ظل استمرار الحصار الإسرائيلي وتقييد دخول المساعدات الإنسانية، تبقى المخاوف من اتساع العمليات العسكرية وفرض مزيد من الوقائع الميدانية هاجسا يوميا يلاحق سكان القطاع، الذين يجدون أنفسهم عالقين بين الخيام و"الخط الأصفر"، بانتظار مستقبل لا تزال ملامحه مجهولة.