كيف يُحقَّق الشّاباك بحثاً عن قطعة حديد صغيره !!... / نبيل دكور*

كيف يُحقَّق الشّاباك بحثاً عن قطعة حديد صغيره !!... / نبيل دكور*

"محقق الشاباك: الزعماء العرب قلقون على كراسيهم، لا يفكرون إلا في مصلحتهم الشخصية. أولاد إسماعيل هنيّه يدرسون في الخارج. زوجة أبو عمار كانت في فرنسا مع أبنته عندما كان الشعب الفلسطيني في المعركه.
المعتقل: أنت على حق ولكن ما علاقتي بما تقول.
محقق الشاباك: أنك نتاج السياسة العربية حيث كل فرد يفكر بنفسه فقط وليس هناك أحد يفكر بالشعب."
وفي اليوم التالي للتحقيق:
محقق الشاباك: لقد طال التحقيق معك رغم أن كل ما نريده ليس إلاّ قطعة حديد صغيره- مُسدّس. أنك شبيه بالأمة العربية. لقد أراد اليهود السلام مع العرب عام 1947 وكل ما أرادوه هو قطعة أرض ليعيشوا عليها بسلام لكن العرب رفضوا ذلك. في حرب عام 1948 احتل اليهود أراضي أخرى وأرادوا السلام مقابل الأرض ولكن العرب رفضوا. وفي سنة 1956 أحتل اليهود سيناء وأعادوها بعد أسبوع إلى مصر من أجل العيش بسلام لا غير.
المعتقل: لم أعلم ذلك.
محقق الشاباك: هناك الكثير كما يظهر لم تدركه في حياتك لأن الزعماء لا يريدون أن يعرف الشعب الحقيقة. بعد ذلك كانت حرب 1967 حيث قمنا باحتلال أراض أخرى واستمرت الحرب خمسة سنين قتل خلالها الكثيرون في سيناء. وفي النهاية وافقت مصر على السلام واعدنا لها كل أراضيها حتى أّخر شبر منها أما باقي الدول العربية فرفضت السلام. بعد الانتفاضة الأولى وافقنا الانسحاب حتى حدود 67 مقابل سلام بينما رفض الفلسطينيون ذلك وفتحوا بحرب جديدة. حاليا نحن نرفض التراجع لحدود 67.
المعتقل: أنا لا افهم ما علاقتي بما تقول.

محقق الشاباك: أنت جزء من الأمه العربية وأنت تتصرف كجميع العرب. انك نتاج التربية العربية. كان بإمكاننا إنهاء التحقيق منذ زمن وبنيّه حسنه وبشكل محترم لكنك ترفض ذلك. الوضع يزداد تورطا وها هي والدتك قد جُلِبت للتحقيق وقد أسمعناك اعتراف أخيك عليك.
المعتقل: ليس بوسعي ان أعمل شيئا ولست من جَلَبهم للتحقيق.
محقق الشاباك: أنت لم تَجلب والدتك وأخاك للتحقيق لكن هناك أسباب أدّت إلى ذلك ولكن لو أنك تصرّفت وتعاملـت معنا باحترام وتفاهم لكنّا أنهينا التحقيق من قبل ولما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.
المعتقل: لا أستطيع مساعدتهم بشيء."

ما ورد سابقا، ليس إلاّ ترجمه حرفيه لمقتطفات مقتبسه من مُذكّرات تحقيق مُطوّله، دونها مُحقّقو الشاباك، مع شاب فلسطيني في العشرين من عمره، أًُعتُقل للاشتباه بعلاقته بمقتل حارسين لمصنع إسرائيلي رمياً بالرصاص بالقرب من بلدته حيث خضع خلال اعتقاله لتحقيق مُكثّف من قبل الشباك لمدة مئة وخمسة عشر يوما تعرض أثناء ذلك لأسوء وسائل تحقيق ومورست بحقه أقسى ضروب الضغط الجسدي والنفسي.

كان قد تسنى لي الاطلاع وقراءة مذكرات التحقيق على كل مراحله بعدما كُلّفت من قبل "اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل" والتي اعمل كأحد محامي طاقمها القانوني، مهمة رفع ألتماس للمحكمة العليا لمطالبة المستشار القضائي للحكومة تحويل القضية للتحقيق الجنائي ومحاكمة محققي الشاباك لارتكابهم جريمة تعذيب بحق الشاب أثناء التحقيق معه نتيجة استخدامهم التعذيب وضروب ضغط قاسيه وغير إنسانيه ومُهينه، نَذكُر منها: تكبيل الأيدي إلى الخلف من وراء مسند كرسي التحقيق على مدار كل ساعات النهار; التحقيق مع المعتقل وهو في هذه الوضعية لمدة أسابيع; السماح للمعتقل أن يخلد للنوم في ساعات متأخرة ليلاً لأوقات قصيرة على فرشه رقيقه وقذرة، داخل زنزانة ضيقه مضاءة ليلا ونهارا بنور باهت مُتعب للنظر; اللّطم والضرب على الرأس والجبين; الشّتم والتهديد واستعمال كلمات وألفاظ نابيه يصعب على الورق تحمل حبرها; اعتقال الوالدة والأخوة كوسيلة ضغط; والأبشع من هذا كله اصطحابه بشكل مفاجئ معصب العينين ومكتوف الأيدي إلى مركز سري ومجهول بعيدا عن سجنه وضربه بشكل مبرح بالمسدسات والأرجل، من قبل أشخاص لم يرهم من قبل، حتى درجة الإغماء وفقدان الوعي ونتيجة لذلك نقل إلى المستشفى لتلقي العلاج .

إن أساليب التحقيق والطرق التي يستخدمها الشاباك للنيل من إرادة المعتقل ولانتزاع الاعترافات منه، على اختلاف أنواعها وخصائصها وعلى الرغم لما يطرأ عليها من تجديدات من مرة إلى أُخرى، إلاّ أنها بمعظمها إن لم يكن بمجملها لم تعد مجهولة ويدركها جيدا ليس فقط جمهور الأسرى والمعتقلين بل كل ذي صله بالنشاط التنظيمي أو السياسي وبالذات من يعمل مهنيا أو ميدانيا في حقوق الأسرى والمعتقلين المعرفين كـ"الأمنيين".

من تجربتنا في التعامل مع الملفات الأمنية نستدل أن ممارسات وأساليب الشاباك في التحقيق تختلف من حيث شدتها وكثافتها وتوقيتها من حاله إلى أخرى، الشيء الذي يتعلق أولاً وعلى الأغلب بخصوصية القضية وحجمها ومدى خطورتها ومن ثم بدرجة صمود وصلابة المعتقل. ففي القضايا ذات درجه الخطورة العالية أمنيا ، لوحظت ممارسات لأساليب شديدة ومكثفه وفي الحالات التي صمد فيها المعتقل وأستطاع أن يتحمل عناء التحقيق، الشيء الذي يؤدي عادة لإطالة مدة التحقيق أكثر فأكثر، تم استخدام طرق وأساليب جديدة غير مألوفة. لذلك تشهد الملفات التي لم يحرز التحقيق أهدافه وبالتالي طال بها التحقيق، ممارسات لأساليب وطرق تحقيق مختلفة لم تستخدم في حالات وملفات أخرى، يبتكرها رجال الشاباك بهدف التركيز أكثر على الناحية المعنوية والنفسية للمعتقل.

هذا ما قد جرى فعلا في حالة موكلنا الذي أُعتُقِل للاشتباه بتورُّطه بقضية تعتبر خطيرة نسبيا من وجهة النظر الإسرائيلية حيث أنها متعلقة بمقتل حراس إسرائيليين رميا بالرصاص على يد فلسطينيين ولم يقبض عليهم. فرغم كل ما مورس بحق الشاب أثناء التحقيق من عنف ومن ضروب معامله قاسيه ومهينه وغير أنسانيه كما ذكرنا سابقا بالإضافة إلى ما تعرّض له من محاولات للإيقاع به إلا أنه رفض الاعتراف بما أراد المحققون ان يعترف به ولم يفصح بشيء أو يؤكد أو ينفي صحة ما بحوزتهم من معلومات.

أن لم يكن الغرض من وراء كل ذلك النيل من أرادة المعتقل وانتزاع اعتراف منه من خلال الضغط عليه معنويا ونفسيا بعد أن فشلوا جسديا فما المقصود أذاً بأقوال المحقق كما جاءت مقتبسه في مستهل مقالتنا !! إن التحقيق مع الشاب يدور حول مسدس- قد تكون له علاقة بقتل الحارسين - أُتُهِم الشاب بحيازته وتخبئته وهو يرفض الاعتراف بذلك فما علاقة الزعماء العرب بهذا !! ما علاقة كون أولاد إسماعيل هنية يدرسون خارج البلاد أو كون زوجة ابو عمار في فرنسا أثناء المعارك بما يجري في التحقيق !! ما القصد من وراء ذكر كل ذلك ولماذا في هذا التوقيت من التحقيق !! لماذا أضطر المحقق أن يسرد تاريخ ومراحل الصراع العربي الإسرائيلي من وجهة نظره!! ماذا يقصد المحقق ب"ألتربيه العربية" !! لماذا كل هذا الاهتمام المفاجئ من قبل المحقق بمشاعر والدة الشاب وأخيه وما لحقهم بأذى بسببه !!.
غريب أمر هذا المحقق، ما الحاجة لطرق أبواب كل هذه المسائل مع انه لا يبحث ألاّ عن مجرد قطعة حديد صغيرهّ!!.


انتهى


* محام يعمل في اللجنة ألعامه لمناهضة التعذيب وناشط في الدفاع عن حقوق المعتقلين والأسرى الفلسطينيين