لا يزال أسرى غزة في سجون إسرائيل، يعيشون تحت وطأة جرائم التعذيب، والمعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية، ولا تزال شهاداتهم وإفاداتهم هي الأشد والأقسى، وتزداد فظاعة التفاصيل وثقلها على الأسرى مع مرور المزيد من الوقت، بحسب ما قالت هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير الفلسطيني، اليوم الثلاثاء.
وبعد مرور نحو 600 يوم من الحرب على غزة، أفادت الهيئة ونادي الأسير في بيان مشترك، اليوم، بأنه خلال الشهر الجاري، نفذت الطواقم القانونية عدة زيارات لمجموعة من معتقلي غزة شملت المعتقلين في معسكري "سديه تيمان" و"عوفر"، وذلك امتدادا لسلسلة زيارات جرت على مدار الشهور الماضية.
وقد عكست إفاداتهم مجددا جرائم التعذيب الممنهجة، ومستوى غير مسبوق من سوء المعاملة، وأساليب الإذلال الحاطة بالكرامة الإنسانية، ومحاولتهم المستمرة لترسيخ هذه الجرائم، وتطويع كل ما هو داخل المعسكرات لتعذيب الأسرى وقهرهم.
وفي معسكر "سديه تيمان" الذي شكّل ولا يزال عنوانا لجرائم التعذيب الممنهجة إلى جانب معسكر "عوفر" الذي لا يقل مستوى الجرائم فيه عما يجري في معسكر "سديه تيمان"، ومعسكرات وسجون أخرى يحتجز الاحتلال فيها معتقلي غزة؛ تحدث عدد من الأسرى عن تفاصيل ما واجهوه خلال مرحلة الاعتقال الأولى، وتحديدا خلال فترة التحقيق، وما رافقها من أساليب تعذيب نفسي وجسدي، إلى جانب تأكيدهم مجددا على الظروف الاعتقالية المأساوية، التي تهدف بشكل أساس إلى سلبهم إنسانيتهم، والحط بكرامتهم.
"جردوني من ملابسي قبل التحقيق وصوروني عبر الهاتف"
وقال الأسير (ي.س): "اعتُقلتُ في تاريخ 27-12-2024، من مستشفى كمال عدوان، وتم نقلي إلى سجن في القدس، لمدة 24 يوما، طوال هذه الأيام كنا مقيدين، تعرضت للتحقيق لمدة 20 يوما، ثم جرى التحقيق معي لثلاث مرات إضافية، كل مرة كانت تستمر لـ4 ساعات، تم تهديدي بتحقيق (الديسكو)".
وأضاف أنه "بعد مرور شهرين على اعتقالي تم إحضاري إلى محكمة عبر الهاتف، وتم تمديد اعتقالي حتى إشعار آخر، مدة الجلسة فقط 3 دقائق فقط، علما بأنه قبل التحقيق معي تم تجريدي من ملابسي -بشكل كامل- وصوروني عبر الهاتف، ونحن محتجزون في ظروف قاسية جدا، فلا توجد أوانٍ للأكل، منذ أن حضرت إلى معسكر (سديه تيمان) بدلت ملابسي مرة واحدة".
عمليات التنكيل والتعذيب "مرهونة بمزاج جنود الاحتلال"
وقال الأسير (م. د)، المعتقل منذ شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، "كنت مع عائلتي عند الاعتقال إلى جانب نحو 180 شخصا، تم احتجازنا في بناية إلى جانب الحاجز الذي يُعرف بحاجز (الإدارة المدنية)، وبعدها جرى نقلنا إلى معسكر سديه تيمان، وأنا لا أزال منذ يوم اعتقالي في المعسكر".
وأضاف: "في بداية الاعتقال تم التحقيق معي على مدار أيام منها 18 ساعة بشكل متواصل، خلالها تعرضت للضرب باستمرار، ثم خضعت لتحقيق (الديسكو) لمدة 24 ساعة، بعد 35 يوما على اعتقالي تم إحضاري إلى جلسة محكمة عبر الهاتف، وأمر القاضي باستمرار اعتقالي حتى انتهاء الحرب".
أما على صعيد الواقع الاعتقالي اليوم داخل المعسكر، فقد أفاد المعتقل (م.د)، بأن كل 25 معتقلا يتم احتجازهم في "بركس"، ويُجبر المعتقلون على الجلوس طوال الوقت، ويُمنع الحديث في ما بينهم، والمعسكر مزود بكاميرات، والاعتداءات والمعاملة المهينة والمذلة، لا تتوقف، وقد تختلف وتيرتها بحسب مزاج جنود الاحتلال، فكل شيء مرهون هنا بمزاج الجنود، بما في ذلك خروج المعتقلين إلى ما تسمى (الفورة).
وأشار إلى أنه منذ 90 يوما لم يُسمح له بتغيير ملابسه الخارجية، ومنذ 30 يوما يرتدي ملابسه الداخلية، وكل 5-6 معتقلين يستخدمون (المنشفة) نفسها عند الاستحمام، ومدته دقيقتان.
"(الفورة) فرصة لجنود الاحتلال للتنكيل بالأسرى"
أما الأسير (أ.ر) فقال: "اعتُقلتُ في تاريخ 27-12-2024، من على ’الممر الآمن’، تم احتجازنا في مكان قريب، قضينا ليلة كاملة تحت البرد الشديد في مكان مكشوف، وأُجبرنا على ارتداء أرواب (كورونا) البيضاء، وتعرّضنا للضرب المبرح طوال مدة نقلنا من مكان الاعتقال حتى وصولنا إلى معسكر سديه تيمان، وحتى اليوم ورغم مرور كل هذه المدة ما زلت أعاني آلاما في الكتف والغضروف، وأتوسل لهم من أجل إعطائي مسكنا، دون استجابة".
وذكر أنه "بعد 40 يوما على اعتقالي عُقدت لي محكمة عبر الهاتف، وتم تمديد اعتقالي لمدة غير محدودة، وأرتدي الملابس ذاتها منذ أكثر من شهر، ومدة الاستحمام المسموح بها فقط دقيقتان، وطوال النهار نجبر على أن نبقى جالسين على (الأبراش)، ولا يُسمح لنا بالحديث، وتوجد كاميرات مراقبة على مدار الساعة، ويُمنع علينا رفع رؤوسنا خلال الخروج إلى (الفورة)، ومن يرفع رأسه يتعرض للإهانة والتنكيل".
أما الأسير (م.و) فقال: "اعتُقلتُ في 29/12/2024، وأعاني إصابة في البطن، وقد نُقلت إلى معسكر (سديه تيمان) وأنا مصاب، وتعرضت للضرب المبرح رغم إصابتي، واليوم أعاني أوجاعا دائمة.
"41 يوما بقيت معصوب العينين ومقيد اليدين"
كما قال الأسير (ي.ن): "اعتُقلتُ في 27/12/2024، بقيت ثلاثة أيام وأنا عارٍ دون ملابس، ثم أحضروا لنا روب (الكورونا)، جرى نقلنا إلى القدس وبقيت هناك محتجزا لمدة 41 يوما، خلالها بقيت معصوب العينين، ومقيد اليدين".
وتابع: "تعرضت للضرب، ولا زلت أعاني أوجاعا صعبة، وانتفاخا في ساقي اليسرى، ونتيجة لذلك لا أستطيع الخروج إلى (الفورة)، وأعتمد على الأسرى في تلبية احتياجاتي".
"منذ خمسة أشهر لم أبدّل ملابسي"
وقال الأسير (أ.ل): "اعتُقلتُ في شهر تشرين الثاني 2024، وتعرضت لمعاملة صعبة وغير إنسانية، وعند إخراجنا إلى ساحة الفورة، يجبروننا على خفض رؤوسنا والخروج على شكل (قطار)، ومنذ خمسة أشهر لم أبدل ملابسي، وخلال مدة الشتاء كانوا يستخدمون الماء البارد في تعذيبنا من خلال إجبارنا على الاستحمام به، إذ ينتهجون سياسة العقاب الجماعي، كما يتعمدون تعذيب بعض الأسرى أمامنا، لترهيبنا".
وأضاف الأسير ذاته أنه "على صعيد الاحتياجات الأساسية للأسرى، نحن محرومون من توفير الحد الأدنى منها كفراشي الأسنان، وحتى معجون الأسنان، تزود كل غرفة بلفة ورق واحدة للمرحاض في اليوم، لا توجد أوانٍ بل يتم وضع لقيمات الطعام في أيدينا دون أوانٍ".
وأكدت هيئة الأسرى ونادي الأسير، أن هذه الإفادات تعكس نهج منظومة السجون والمعسكرات في استمرار استهداف الأسرى والمعتقلين، كامتداد لجريمة الإبادة والعدوان الشامل على شعبنا.
يشار إلى أن عدد أسرى غزة الذين استشهدوا بعد الإبادة في سجون الاحتلال ومعسكراته، 44، وهم من بين 70 أسيرا استُشهدوا في سجون الاحتلال بعد الإبادة، ولا يزال العشرات من شهداء غزة رهن جريمة الإخفاء القسري.
يذكر أن آخر معطى أعلنته إدارة سجون الاحتلال عن معتقلي غزة المصنفين "بالمقاتل غير الشرعي"، كان 1846 معتقلا، وهذا المعطى لا يشمل كل أعداد معتقلي غزة المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال.