04/02/2026 - 23:06

حكاية قرية الجاعونة

ذكر الرحالة المغربي، عبد الله العويني أنّه وصل في 6 صفر سنة 1357ﻫ/ 1938م من سورية إلى فلسطين، ومرّ بقرية جاعون اليهودية، وقال عنها: "حولها زروع، وغرس كثير، وعمائر، وبها جمرك فلسطين..."

حكاية قرية الجاعونة

الجاعونة

كانت قرية الجاعونة تقع على السفح الشرقي لجبل كنعان، على ارتفاع 450 مترًا فوق سطح البحر، وعلى بُعد 5.1 كم إلى الشرق من مدينة صفد.

في عام 1875م، اشترى إليعيزر روكاح ورفاقه من صفد نصف أراضي الجاعونة من إقطاعيين، فسكن المستوطنون في الجاعونة نفسها، حتى سمحت لهم الدولة العثمانية بإقامة حي خاص بهم، أطلقوا عليه اسم: "جي أوني"، وذلك في عام 1878م. وقد عُرف هذا الحي باسم جاعون اليهودية، لكنّ المستوطنين الجدد لم يثبتوا، فصارت ملكية الأراضي للبارون روتشيلد. وفي سنة 1882م، أُقيمت على أرض الجاعونة مستعمرة "روش بينا"، أي: (حجر الزاوية بحسب الترجمة العربية الحرفية) في الاستيطان اليهودي في فلسطين؛ كونها أمّ المستوطنات.

ذكر الرحالة المغربي، عبد الله العويني أنّه وصل في 6 صفر سنة 1357ﻫ/ 1938م من سورية إلى فلسطين، ومرّ بقرية جاعون اليهودية، وقال عنها: "حولها زروع، وغرس كثير، وعمائر، وبها جمرك فلسطين، ولا أنسى ما قاساه الركّاب أصحاب الأغراض من شدّة التفتيش...".

وبلغت مساحة الأراضي المتبقية في أيدي العرب عام 1945م: 831 دونمًا، زُرع منها 172 دونمًا بالبساتين المروية، و171 دونمًا بالزيتون، وما تبقى بالحبوب.

إلى الغرب من الجاعونة توجد عين تسمى: "عين أبو خليل"، وهي عين ماء عذبة، وغزيرة كانت تسدّ احتياجات السكان، وقطعان الماشية، وكانت عليها في بداية العهد العثماني طاحونة مائية لطحن الحبوب.

السكان:

بلغ عدد سكان الجاعونة في عام 1596م: 139 نسمة، وفي سنة 1871م: 145 نسمة، وفي عام 1922م بلغوا: 626 نسمة، وفي عام 1931م ارتفع عددهم إلى: 799 شخصًا لهم 149 بيتًا، وفي عام 1945 بلغوا: 1150 مسلمًا، وفي عام 1948م: قُدّر عددهم بـ: 1334 نسمة. هذا الإحصاء لا يشمل سكان مستوطنة "روش بينا". (المصدر: سالنامة ولاية سورية، ص 429).

أهم العائلات التي سكنت القرية:

تميم: يُرجّح أنّ أصلهم من الخليل، من آل التميمي، وكانوا ثلث سكان الجاعونة. تزعّمهم في عهد الانتداب المختار الثاني سليمان تميم، ثمّ ابنه حسين، الذي شَغَل منصب المختار بعد مقتل والده سنة 1937.

العمايري: يقال إنّ أصلهم من قرية لوبية، وكانوا ثلث سكان الجاعونة، ولهم ثلث أراضيها، تزعّمهم في عهد الانتداب شحادة العبد. وفي عام 1936م، كان موسى الشحادة المختار الأول للقرية، إلى هذه العائلة ينتمي الممثل عبد المنعم العمايري، الذي يعيش في سورية، وأصله من الجاعونة.

جلبوط: أصلهم من صفد، كانوا ربع السكان، برز منهم محمود جلبوط، وابنه علي محمود جلبوط.

كذلك عاشت في القرية العائلات التالية: دخل الله، ودراج، وكوسا، وأبو اسنينه، وأبو عيد، وسلامة، والأصبح، والجاعوني، والقادري، وزنغرية، وسالم، وحليحل، والكردي.

مؤسسات في القرية:

كان في الجاعونة، في العهد العثماني، مدرسة للبنين، استمرت في عملها في عهد الانتداب. وفي عام 1942م-1943م المدرسي، كان أعلى صف فيها هو الرابع الابتدائي.

وكان في قرية الجاعونة مسجد كبير، إمامه الشيخ رجا عبد الحليم، و30 دونمًا موقوفة على الجامع، يُصرف ريعها عليه.

الاسم:

قامت القرية على موقع أثري قديم، إضافة إلى وجود خُرَبٍ أثرية في جوارها، مثل: خربة قطانة، وخربة اللويزة، وخربة المنطار، وما زال كثير من المعالم ماثلًا للعيان.

في اللغة الآرامية، الواو والنون في أواخر الكلمات تدل على التصغير، وعلى اسم المكان، وعليه فإنّ أصل الاسم جاعون من الفعل جعو، والجعو هو الجعة، أي الشراب المصنوع من الشعير والحنطة، وهو مُسكر، والجعو كذلك الطين.

الجاعونة في دفتر ضريبة عثماني:

كانت قرية الجاعونة في بداية العهد العثماني تابعة لناحية جيرة من لواء صفد، وفي دفتر ضريبة اسمه: "دفتر مفصل لواء صفد لسنة 1005ﻫ/1596م"، وردت مقادير الضريبة المجبية من قرية الجاعونة بالعملة المسماة: "آقجة"، موزعة كما يلي:

- عدد الخانات (عدد دافعي الضريبة من المتزوجين): 27

- عدد المجرد (عدد دافعي الضريبة من العزبان): 4

- نسبة الضريبة: 25%.

- مقدار الضريبة:

  • حنطة: 1950 آقجه.
  • شعير: 350 آقجه.
  • مال صيفي وخراج زيتون: 364 آقجه.
  • "بادهوا" ورسوم عروس: 100 آقجه."
  • ماعز ونحل: 38 آقجه.
  • طاحون: 30 آقجه.

- يكون (أي مجموع الضريبة): 2832 آقجه.

- كيفية جمع الضريبة: 22 قيراطًا "زعامت"، وقيراطان وقف.

اِستنادًا إلى ما ورد أعلاه، يمكننا أن نقرر أنّ عدد سكان الجاعونة كان 139 نسمة. اعتمد هؤلاء في معيشتهم على زراعة الحنطة (القمح)، والشعير، وعلى السمسم، والزيتون، وعلى قليل من الماعز. وكان في القرية طاحونة لطحن القمح، تعمل بالقوة المائية. "البادهوا"، ورسوم عروس هو: حاصل الجرم، والجنايات، ورسوم الزواج. أما كيفية جمع الضريبة، فكان 22 قيراطًا يجبيها زعيم محلي، وقيراطان من نصيب الوقف.

الجاعونة في عهد ثورة (1936م-1938م):

ذكرت براخا حيبس في كتابها عن: "حوادث الثورة"، أنّه في 6 أيار/ مايو 1936م، سُرقت كمية كبيرة من السلاح العسكري في "روش بينا"، ما يدل على أنّ الثوار نشطوا في منطقة الجاعونة منذ بداية الثورة. وأوردت صحيفة فلسطين، الصادرة يوم الأحد 12 تموز/ يوليو 1936م، تقريرًا لمراسلها في عكا تحت عنوان: "قوى إلى صفد والقرى العربية"، جاء فيه: "مرت قوة بالمدينة في طريقها إلى صفد، إذ قيل إنّ عصابات انتشرت حول جبل كنعان والجاعونة، وأُرسلت قوة من البوليس إلى قرية الرامة، وزادت الحكومة أفراد البوليس الإضافي، ووزعتهم على القرى في هذا القضاء".

تأديب مختار الجاعونة:

نشرت جريدة فلسطين، في 28 آب/ أغسطس 1936م، تحت عنوان: "تأديب مختار" ما يلي: "جاء سليمان تميم، وهو مختار من قرية الجاعونة، إلى البلدة، فظنّ الأولاد أنّه قادم لتقديم خدمة للحكومة كخدماته السابقات، فقاموا بمظاهرة ضدّه، وصفّروا له، وعفّروه بالتراب، وغيره، فجاء نَفَران من البوليس الإنجليزي، ونفر عربي، وأنقذوه من هذا المأزق، وذهبوا به إلى الحي اليهودي، ومن هناك أركبوه سيارة يهودية لتعود به إلى الجاعونة. ولما علم الأولاد بالأمر، ذهبوا إلى موقع "أبي قميص"، وسدّوا مفرق الطريق بالحجارة، فلما جاءت السيارة التي كانت تقله مع اثنين من اليهود، رماها الأولاد بالحجارة حتى تكسر زجاجها، وودعّوه بالصفير، والشتائم".

تبرع عائلة العمايرة للمنكوبين:

نشرت جريدة فلسطين، في عددها الصادر في 28 آب/ أغسطس 1936م، تحت عنوان: "تبرع مشكور" ما يلي: " وقدمت عائلة العمايري بالجاعونة لمنكوبي صفد 14 جنيهًا، و550 ملًّا جمعها عميدها شحادة العبد، وأرسلها إلى صفد بواسطة السيد حسين القوصي". ويُذكر أنّ هؤلاء المنكوبين نُكبوا بعد نسف سلطات الانتداب لبيوتهم، جرّاء دعمهم للثورة.

معركة الجاعونة:

ذكر عيسى السفري في كتابه: "فلسطين بين الانتداب والصهيونية" أنّه في 9 أيلول من عام 1936م، أطلق الثوار العرب النار على سيارة بوليس بريطاني بالقرب من الجاعونة، فقتلوا جميع من فيها، وكان عددهم أربعة أفراد، وأحرقوا السيارة، وغنموا مدفعًا رشاشًا، وبنادق، ومسدسات، وذخيرة كبيرة. وحالًا وصلت قوات الحكومة مع الطائرات، وقد ثبت الثوار، وعددهم ثلاثون رجلًا، ثباتًا باسلًا حتى أرخى الليل سدوله، فانسحبوا بعد أن أوقعت بهم الطائرات بعض الإصابات.

برقية تأييد لفك الإضراب العام:

يبدو أنّه كان في الجاعونة مختاران، إذ نشرت جريدة فلسطين، في 15 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1936م، تحت عنوان: "برقية من مختارَي قرية الجاعونة- القدس في 14 تشرين الأول/ أكتوبر:

تلقى سماحة رئيس اللجنة العربية العليا البرقية التالية:

لبّينا نداء ملوكنا، وأمرائنا، ونداءكم بالعودة إلى العمل، مستندين إلى عهد ملوكنا بالمساعدة. مختار موسى شحادة، مختار سليمان تميم".

يبدو أنّ المختار سليمان تميم كان يميل إلى التعايش مع اليهود بسلام، ففي عام 1937م تمت تصفيته، فعُيّن ابنه حسين مكانه مختارًا.

استشهاد القائد عبد الله الأصبح:

انخرط عدد من أبناء الجاعونة في صفوف الثورة الفلسطينية منذ نشوبها، ومن بين هؤلاء برز المجاهد عبد الله الأصبح، الذي شارك في الثورة السورية، ثم عاد إلى فلسطين ليلتحق بحركة الشيخ عز الدين القسام. في عام 1936م، كان عبد الله أحد قادة الثورة البارزين في منطقة الجليل. شارك في عشرات المعارك ضد الإنجليز، وفي 27 نيسان/ أبريل من عام 1938م، اشتبك الأصبح مع البريطانيين في معركة قرب خربة رخصون، بين سحماتا، وسَبَلان فسقط شهيدًا، ودُفن في قرية سعسع.

عمل إلى جانب عبد الله الأصبح العديد من أبناء الجاعونة، نذكر منهم: يوسف الحاج حسن، ومحمود الخليل، وعبد الله الحوراني، وصلاح حسين، ومحمد زيتوني، ومحمود الموسى، ومحمود أبو اسنينه، ومحمد الحسين. وقد استشهد أربعة من أبناء هذه القرية في معارك مع الإنجليز.

التنافس على المخترة:

في 31/3/1947م، تقدم المدعو علي محمود جلبوط إلى حاكم لواء الجليل في الناصرة، بطلب تعيينه مختارًا على قرية الجاعونة، وفيه يسرد تاريخ المخترة في القرية، وفي ما يلي نص الطلب (كما ورد في الأرشيف):

"سعادة حاكم لواء الجليل في الناصرة المحترم

المستدعي: علي محمود جلبوط

المعروض: طلب مخترة.

سيدي: أنا المستدعي أعرض لجنابكم بما أنه من مدّة سبقت كان يوجد في بلدتنا مختار يُدعى حسين سليمان، ثم أن هذا المختار قد مرض وعمل وكالة غير رسمية لعمه فارس حسن تميم، ثم بعد ذلك قد توفي المختار الرسمي فكان فارس حسن تميم عمه قد وكّل رسميًا وحينما شعرت البلد في ترسيم هذا الشخص المدعو فارس قد رسم مختار، وشعرت بأعماله الشاذة فقد تقدمت بجملة شكايات ضده لدائرة قائمقام صفد.

سيدي: إن بلدتنا كان يوجد فيها مختارين (مختاران) من زمن سبق، وكل واحد منهم يمثل قسم من البلد، وأخيرًا ثبت مختار واحد بأسباب عواض(عوارض) الوقت.

سيدي: إن الأكثرية الساحقة في بلدتنا طلبت انتخابي بأن أكون مختارًا في القرية، وقد كانت جملة مضابط موقعة من عائلة دخلله (دخل الله) وجلبوط والبعض من العمايري وأبو اسنينه ودراج مع العلم بأنه لم يبق من يمثل المختار الحالي سوى البعض من أقربائه وهم عائلة التميم والبعض الآخر من العمايري ومع كل هذا كان، كما ذُكِر، لا يقل من(عن) عشرة مضابط في خصوص المخترة في طلب تعيين مختار من هؤلاء الناس وجملة شكايات أي حقوقية بالنسبة لأعماله ولم يراين (يُرِنا) جواب، وإني أحيطك علمًا بأنه كان قد قدّم طلبين من دائرة بوليس روشبينا بتوقيع ضباط المركز يطلبون من قائمقام صفد تعيين مختار ولو يجعل في البلد مختارين حيث يحق لهذه القرية بأن يكون مختارين فيها حيث أنها مؤلفة من (1800) نسمة.

سيدي: وإذ إن أردت أن تحقق صحة أقوالي فإن من المقدرة بأن تكشف على دوسية هذه القرية ومنها تتأكد هذه الأقوال، ولذلك جئنا لسعادتكم في استدعائي هذا طالبين النظر في عين الرحمة وتلبي طلبي واقبلوا فائق الاحترام سيدي.

المستدعي علي محمود جلبوط

(وثيقة من أرشيف خزينة الدولة- القدس ملف: מ/27/5/2679)

الجاعونة في حرب 1948:

عندما انسحب الإنجليز قاموا بإخلاء مركز شرطة الجاعونة، والمعسكرات الموجودة في المنطقة. وفي 26 نيسان 1948م، جُهزتْ قوة مختلطة من عناصر "إيتسيل"، و"هاغاناه" للقيام بعملية مشتركة لاحتلال مركز الشرطة، ومعسكر "فيلون" المجاور لها. ومخافة انتقام أهل "روش بينا"، بدأ قسم من سكان الجاعونة بالنزوح شمالًا، ما أدى إلى زيادة الذعر في صفوف سكان صفد. أما من قرروا البقاء في القرية، فإنّهم أُجبروا في 9 أيار 1948م على النزوح إلى بلدات مجاورة، واعتُبِروا حاضرين غائبين. كان ذلك ضمن عملية "يفتاح".

وعلى الرغم من احتلال الجاعونة، فقد بقي بعض سكانها فيها حتى حزيران 1949م على الأقل، عندما طُردوا منها بالقوة مع سكان قريتين أخريين. ويروي "بني موريس" أنّ شاحنات الجيش الإسرائيلي أحاطت، في منتصف ليلة 5 حزيران، بالقرى الثلاث، وأرغمت السكان على الصعود إلى الشاحنات بوحشية، مع الرفس، والشتائم، والإهانات، ثم أفرغتهم منها على سفح تل أجرد بالقرب من قرية عكبرة، التي تبعد نحو 5 كم إلى الجنوب الغربي. وذكر "بني موريس"، نقلًا عن مصادر إسرائيلية، أنّ اللاجئين من الجاعونة مكثوا أعوامًا عدة في عكبرة... في أوضاع مهينة من الازدحام السكاني، لكن لا يُعلَم على جهة الدقة متى أُخليت الجاعونة تمامًا من سكانها.

يعيش معظم المهجرين اليوم في مخيمات الشتات، بخاصة في لبنان.

التعليقات