الفلسطينيون في السياسات الصهيونية من الإنكار إلى الاقتلاع

الفلسطينيون في السياسات الصهيونية من الإنكار إلى الاقتلاع

لفقت الصهيونية أسطورة فراغ فلسطين من شعبها، بهدف التسهيل والتمهيد لمشروعها الاستيطاني الإجلائي الإحلالي. لذلك جهد الفكر الصهيوني في استنباط الخطط والمشاريع الهادفة إلى تفريغ فلسطين من أهلها، وقد توجت هذه الخطط بالخطة «دالت»، التي تمكنت العصابات الصهيونية المسلحة، سنة 1948، بموجبها من طرد غالبية الشعب الفلسطيني، الذي أصبح لاجئا خارج دياره، ومشتتا في أربع رياح الأرض. احتلت فكرة اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وترحيلهم إلى الأقطار المجاورة، مكانة بارزة لدى القيادة الصهيونية، وقيادة الييشوف. ولدى مراجعة الوثائق والأدبيات الصهيونية المتاحة تتبين مكانة فكرة الترحيل في الفكر والتخطيط والعمل الصهيوني، كحل لـ«المسألة العربية» في فلسطين. استدعت فكرة الاستيلاء على الأرض، بالضرورة، فكرة الترحيل لذلك لم يكن ترحيل الفلسطينيين مجرد فكرة ثانوية في أذهان «الآباء المؤسسين» من النخبة الصهيونية السياسية، بل ثمة الكثير من الشواهد التي تشير إلى أن هؤلاء الآباء المؤسسين، وفي معرض الإفصاح عن خططهم المستقبلية للعمل ولمشاريع الاستيطان العملانية في المجالس الداخلية للحركة الصهيونية، كانوا يفكرون في تهجير واقتلاع وترحيل فلاحي فلسطين بانتظام، وإعادة توطينهم في البلدان المجاورة، لتمهيد الطريق أمام قيام المشروع الصهيوني. وقد تزامن نشوء فكرة الترحيل مع نشوء المستوطنات الأولى في فلسطين، ونشوء الصهيونية السياسية، بل يذهب بعض المؤرخين إلى أبعد من ذلك، وإلى القرن السابع عشر تحديداً، عندما قدم البريطاني ادوارد ميتفورد، عام 1845، مذكرة إلى الحكومة البريطانية يطلب فيها إعادة توطين اليهود في فلسطين بأي ثمن، وإقامة دولة خاصة بهم تحت الحماية البريطانية». وكان ميتفورد من أوائل «الصهاينة الأغيار»، الذين تعرضوا لقضية الوجود البشري الفلسطيني، فاقترح إجلاء الفلسطينيين وتوطينهم في أجزاء أخرى من الدولة العثمانية.

لكن فكرة الترحيل، لدى الصهاينة الأوائل، كانت في البداية كانت تصاغ بعبارات هادئة، وكان يجري التنبيه إلى ضرورة إخفاءها لأن الوقت كان لا يزال مبكرا على ذلك في حال ارتفعت نبرة الترحيل. وخلال عشرينيات القرن الماضي، انتهج حزب أحدوت هعفوداه، وهو التجمع الصهيوني السائد في الييشوف، سياسة «تجنب أية إشارة إلى المسألة العربية في بيانات الحزب وتصريحاته السياسية» خاصة، أنه في تلك الفترة أخذت المقاومة الفلسطينية للهجرة اليهودية والاستيطان الصهيوني بالتصاعد.

وفي فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، أصبح النهج القائل بوجوب ترحيل الفلسطينيين خارج «الدولة اليهودية»، ركيزة أساسية استندت إليها خطط الترحيل الصهيونية. كما ظهرت أصوات مثل روتشيلد وجابوتنسكي، نادت بترحيل الفلسطينيين إلى العراق، وليس إلى سوريا وشرق الأردن، حيث اعتبرت هذه المناطق جزءا من «أرض إسرائيل».

وتظهر الوثائق الإسرائيلية خطط الييشوف للترحيل منذ 1930؛ فعند البحث الصهيوني المحموم عن «حل جذري» لـ«مسألة الأرض»، و«المشكلة الديموغرافية» العربية معا، خطا وايزمن أثناء توليه قيادة المنظمة الصهيونية وعضوية الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية، خطوة أخرى باتجاه الترحيل أثناء محادثاته مع مسؤولين ووزراء بريطانيين، تمثلت باقتراح يدعو إلى ترحيل المزارعين الفلسطينيين الذين بلغ عددهم 30.000عائلة إلى شرق الأردن. وجاء هذا الاقتراح على خلفية الاشتباكات بين الفلسطينيين والمهاجرين اليهود، خاصة، بعدما حددت لجنة «شو» للتحقيق في تقريرها المقدم في آذار/ مارس 1930، أسباب تصاعد الاضطرابات في صفوف الفلسطينيين، وألقت الضوء على جدية وضع يؤدي نمو الاستيطان فيه إلى نزع الملكية حتما عن جماهير الفلاحين الفلسطينيين، وازدياد أعداد الذين لا أرض لهم. وفي لقاء خاص مع د. داموند شيلز وايزمن وزير المستعمرات البريطاني،بتاريخ 4 آذار/ مارس 1930، أبدى وايزمن «ترحيبا حارا باقتراح شيلز القائل أن ترحيل عرب فلسطين أمر مستحب». وطور وايزمن الاقتراح المتعلق بترحيل العرب إلى شرق الأردن والعراق، بعد يومين من اجتماعه إلى شيلز، وأثناء اجتماعه إلى وزير المستعمرات البريطاني اللورد باسفيلد. وحسب ما جاء في رواية وايزمن قال باسفيلد: «من الواجب أن تستقر الأوضاع في البلد»، وأضاف: «لعل شرق الأردن يمثل حلا».
وفي هذه الفترة أيضا، دعت الصهيونية إلى المجابهة بين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود بهدف الوصول إلى الترحيل. ويرى الأستاذ نور الدين مصالحة أنه من خلال هذا التوجه تم بناء منظمة الهاغانا العسكرية التابعة لليشوف، حيث اقتنعت القيادة الصهيونية بأن الحل الصهيوني الأساسي لـ«المشكلة الديموغرافية العربية»، لا يتحقق إلا من القوة العسكرية ومن خلق الحقائق الاقتصادية والعسكرية والاستيطانية في فلسطين؛ ما أكده بن- غوريون سنة 1936 في اجتماع اللجنة المركزية لحزب ماباي بالقول:
«... ليس ثمة من فرصة للوصول إلى تفاهم مع العرب إلا إذا وصلنا نحن أولا لتفاهم مع الانكليز بحيث نصبح القوة العظمى في فلسطين. ما الذي يرغم العرب على الوصول إلى اتفاق مشترك معنا؟ ... الحقائق... فقط بعد نجاحنا في إقامة حقيقة يهودية كبرى في هذا البلد... عندها فقط سيلبى الشرط المسبق للمفاوضة مع العرب».

أما مؤسسة ليليا ياسو الإيطالية، فقد رأت من خلال مراجعة الوثائق الصهيونية، أن الحركة الصهيونية اعتبرت، في غزوها الاستيطاني لفلسطين منذ بداية القرن الماضي «أن إعداد أتباعها نفسيا لفكرة استعمال العنف والتدرب على الأسلحة، والالتزام بالحصول عليها أمر لا مناص منه... وأن نظرة الصهيونية إلى العسكرة، لا تهدف إلى تجنيد أتباعها فحسب، بل تشمل كل يهودي في فلسطين. فقد عملت الصهيونية على تشجيع التدريب على الأسلحة وإقامة الفرق المتخصصة في القتال، وسهلت ولادة مجموعات جديدة وصلت إلى أعلى درجات التخصص العسكري... وأن تلك المجموعات المسلحة، لم تكن على أهبة الاستعداد، للتدخل السريع ضد الفلسطينيين فحسب، بل ضد أي طرف تسوّل له نفسه أن يعرقل مسيرة الأهداف الصهيونية، حتى ولو كان يهودياً.

منذ سنة 1937 أخذت القيادة الصهيونية بالإعلان عن خططها واقتراحاتها الداعية إلى ترحيل الفلسطينيين، بعدما شعر الييشوف بالقوة والثقة بالنفس نتيجة ازدياد رسوخه عددا وقوة عسكرية من جهة، وتلقيه دعم حكومة الانتداب والجيش البريطاني من جهة أخرى. ما أدى إلى تطور مقترحات الترحيل الصهيونية إلى خطط ومشاريع متكاملة ومفصلة. فقد بينت مناقشات أعضاء الهيئة التنفيذية للحركة الصهيونية، منذ منتصف سنة 1936 أن غالبيتهم تساند، من حيث المبدأ، تبني سياسة غير معلنة وسرية يُروّج لها بصورة لبقة في المحادثات مع أعضاء اللجنة الملكية؛ وهو ماعبر عنه بن- غوريون بالقول: «... إذا كان من المسموح به نقل عربي من الجليل إلى يهودا، فلماذا يستحيل نقل عربي من الخليل إلى شرق الأردن، الذي هو أقرب بكثير؟ ثمة مساحات شاسعة من الأرض هناك ونحن هنا مكتظون... حتى المندوب السامي يوافق على الترحيل إلى شرق الأردن شرط أن نوفر الأرض والمال للفلاحين. وإذا وافقت لجنة بيل وحكومة لندن على ذلك فسنلغي مشكلة الأرض من جدول الأعمال.» وبذلك يتضح عزم بن- غوريون اقتراح ترحيل الفلسطينيين في المفاوضات المرتقبة مع اللجنة الملكية.
تضمن تقرير اللجنة الملكية دلائل قوية بأن اقتراح ترحيل الفلسطينيين الذي قدمته اللجنة الملكية، هو في الأصل اقتراح زعماء الوكالة اليهودية، وأنهم نقلوه سرا إلى اللجنة. وثمة دليل مباشر بالإضافة إلى كلام بن- غوريون المذكور وهو عبارة عن ملاحظة دونها شرتوك (وزير الخارجية الإسرائيلية لاحقاً) في يومياته السياسية بتاريخ 12/6/ 1937، ويقول فيها إن القنصل الأميركي العام في القدس، جورج وادزورث، بلغه خلال حفل عشاء أنه سمع من المسؤولين البريطانيين أن الحكومة البريطانية تميل نحو التقسيم. وتابع شرتوك: «تكلمنا في موضوع التقسيم فيما يختص بشرق الأردن. وقال وادزروث إنه يعلم بأن الاقتراح التي تضمنته المذكرة، التي قدمناها إلى اللجنة الملكية قد خلف انطباعا قويا لدى الحكومة البريطانية، وهو الاقتراح بشأن ترحيل العرب عن غرب أرض إسرائيل إلى شرق الأردن، بغية إخلاء المكان لمستوطنين يهود جدد. فقد كان رأيهم أن الاقتراح هو فعلا خطة إيجابية.» وبذلك وصل الصهاينة إلى هدفهم بكسب تأييد بريطانيا لموضوع الترحيل، وهو الأمر الذي لم يكن صعبا، لأن التواطؤ البريطاني مع الأهداف الصهيونية كان واضحا.

رفض الفلسطينيون بالإجماع مقترحات اللجنة الملكية بخصوص التقسيم والترحيل. عندها اتضح للزعماء الصهاينة أن الفلسطينيين لن يوافقوا بأية حال على ترك أراضيهم مهما كانت المغريات «ثمة 300.000 عربي تقريبا سيعيشون في ظل الحكم اليهودي. وليس من السهل إنجاز تبادل للسكان... ولا اقتلاع عرب بيت دجن وزرنوقة من منازلهم وبساتين حمضياتهم... وحتى لو أرادوا اقتلاع السكان العرب قسراَ، فهذا سيؤدي إلى سفك للدماء إلى الحد الذي تصبح فيه الثورة العربية القائمة في البلد غير ذات شأن بالمقارنة». لكن الصهاينة استمروا في البحث عن سبل تحقيق سياستهم الترحيلية «دعنا لا نثير أسئلة صعبة حينما نبحث في خطة التقسيم: لماذا يستحيل شراء الأرض في أرض إسرائيل ولماذا يصعب ترحيل العرب عن أماكنهم، إلخ». «إن ترحيل العرب... قد يتم عن طريق اتفاقية. ومن دون الاتفاقية فالأمر مستحيل تماما. وليس لها أن تكون بالضرورة اتفاقية مع كل فرد عربي، بل عليها أن تكون اتفاقية مع حكومة أخرى».

لكن بن- غوريون علق أهمية بالغة على الترحيل القسري، حيث دون في يومياته بتاريخ 12تموز/ يوليو 1937: «إن ترحيل العرب قسرا عن الأودية التابعة للدولة اليهودية المقترحة يمنحنا شيئا لم يكن لنا قط عندما وقفنا على أقدامنا خلال أيام الهيكل الأول والهيكل الثاني؛ أي أن يكون الجليل خاليا من السكان العرب».
ورأى بن غوريون أنه إذا مارس الصهاينة الضغط على سلطات الانتداب من أجل تنفيذ الترحيل القسري، فليس ثمة ما يحول دون تنفيذ خطة ترحيل مماثلة. «علينا أن نثابر للوصول إلى هذه النتيجة كما فعلنا عندما انتزعنا وعد بلفور... علينا أن نحضر أنفسنا للقيام بالترحيل».

كما جاء في كتابات جوزيف هيللر «كفاح من أجل الدولة اليهودية» و«السياسة الصهيونية بين عامي 1936-1948»، المنشورة من قبل معهد الدراسات لدراسة «التاريخ اليهودي» بعنوان «سلمان شازار ثالث رئيس لـ«دولة إسرائيل»، جاء في هذه الكتب مجموعة من الوثائق تتعلق بالمناقشات، التي كانت تدور بين الصهاينة في تلك السنين الحاسمة. ويشير هيللر إلى المواقف التالية: «لقد كان شغل الحركة الصهيونية الشاغل إقامة دولة يهودية فوق كل التراب الفلسطيني.. وإن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب ترحيل السكان العرب المحليين».
وهكذا تطورت فكرة الترحيل عبر مقترحات وخطط مبرمجة منذ سنة 1937 إلى أن أصبحت خططا عملية توجت بخطة «دالت»، ومن ثم أصبحت سياسة واقعية منذ سنة 1948، وما بعدها.



* الباحثة من مهجري ترشيحا ومقيمة في دمشق، مختصة بالدفاع عن قضايا اللاجئين وحق العودة، افتتحت مؤخرا داراً للنشر مؤخراً . وأنشأت لجنة نسائية لدعم حق العودةعنوان موقعها هو:www.womencsprr.org