بعض الملاحظات عن قضية إطلاق النار على أشرف أبو رحمة../ المحامية سونيا بولس

بعض الملاحظات عن قضية إطلاق النار على أشرف أبو رحمة../ المحامية سونيا بولس

في مطلع الشهر الحالي أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية المدعي العام للجيش الإسرائيلي، في قرار إستثنائي، بتشديد بنود لائحة الإتهام المقدمة ضد قائد كتيبة الذي اتهم هو وجندي اخر في كتيبته بإطلاق النار على الشاب الفلسطيني أشرف أبو رحمة في نعلين وهو مكبل الأيدي ومغمض العينيين. حيث عبرت المحكمة عن إستهجانها ورفضها القاطع لقرار المدعي العام للجيش الذي إكتفى بتوجيه تهمة „التصرف غير اللائق” لقائد الكتيبة عن دورة في جريمة إطلاق النار على أشرف أبو رحمة.

لم تكن هذه المرة الوحيدة التي يتهم بها جنود الإحتلال بإستهداف المدنيين والتنكيل بهم، وهذه ليست المرة الأولى التي يتم من خلالها التوجه للمحكمة العليا للمطالبة بفتح تحقيق جنائي في مقتل أو إصابة مدنيين. لكن في المرات السابقة لم تكن التوجهات للمحكمة العليا في هذه النجاعة، حيث لم تتخذ المحكمة موقفا حادا من سلطات الجيش كما فعلت في هذا الملف.

ما الذي تغير إذا؟

يمكن الإشارة الى ثلاثة عوامل تفسر الموقف غير المألوف للمحكمة العليا وهي لا تدل على تغيير حقيقي أو جذري في نهجها.

العامل الأول يتعلق بتوثيق إطلاق النار على أشرف أبو رحمة وهو مكبل الأيدي ومعصوب العينين. توثيق الحادثة بعدسة الفيديو لم يترك أي مجال للشك بأن ما حدث كان جريمة إستهداف مقصود والحاق أذى بشخص لا حول له ولا قوة. لو لم يتم توثيق هذه الجريمة وبقي الأمر متعلقا بشهادة شهود عيان لكانت النتيجة مختلفة. كان الأمر سيتحول لمواجهة بين شهادات „متضاربة” بين الشهود من الفلسطينيين ونشطاء السلام من جهة وبين جنود الإحتلال من جهة اخرى. هذا „التضارب” كان سيحسم حتما لصالح الفريق الثاني.

العامل الثاني هو طبيعة جريمة إطلاق النار التي مكنت المحكمة من شجبها وبشدة لكن من خلال التعامل معها على أنها إثم فردي أرتكبه مجند ومرؤوسه لا تعكس نهجا عاما لجيش الإحتلال برمته. لو كانت القضية تتعلق بممارسات فلا يمكن التعامل معها كتصرفات فردية لبعض المجندين، بل هي تعكس حتما سياسة عامة للجيش، كإمطار جنوب لبنان بقنابل عنقودية في الساعات الأخيرة من حرب تموز، كانت النتيجة ستكون مغايرة ومن الصعب التخيل بأن المحكمة الإسرائيلية كانت ستتخذ موقفا في هذا الوضوح والحدة.

العامل الثالث هو تخوف المحكمة العليا من ملاحقة مرتكبي هذه الجريمة في محاكم أجنبية لأن إلحاق الأذى الجسدي بشكل متعمد بمدنيين أو بمن تم أسرهم هو جريمة حرب يعاقب عليها القانون الجنائي الدولي، ويمكن ملاحقة مرتكبيها أينما تواجدوا حتى لو إستهدفت الجريمة مدنيا واحدا فقط.

إن غالبية الإنتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي لا يمكن التعامل معها كأخطاء فردية لبعض المجندين بل هي ممارسات أو سياسات يتم تبنيها على أعلى مستويات قيادة الجيش. كما أن غالبية الإنتهاكات التي يرتكبها جنود الإحتلال وسلطات الجيش لا توثق، أو بالأحرى لا يمكن رصدها بهذا الوضوح الذي لا يبقي مجالا للشك بأن ما أرتكب هو مخالفة جسيمة للقانون الإنساني الدولي وجريمة حرب.

لا يمكن رصد إعتداء أو هجوم واسع النطاق على المدنيين، والحرب ما زالت دائرة، بنفس الوضوح الذي رصدت به جريمة إطلاق النار على أشرف أبو رحمة. إسرائيل تستغل هذا الوضع وتحاول أن تبرر إستهدافها للمدنيين من خلال الإدعاء بانهم ليسوا من المدنيين أصلا أو من خلال القاء اللوم على أفراد مسلحين وإتهامهم بالتواجد بين مدنيين وغيرها من الإدعاءات التي سرعان ما تنكشف هشاشتها أمام تحقيقات تجريها مؤسسات حقوقية أو لجان تحقيق دولية، كما حصل في مخيم جنين وحرب تموز على لبنان والعدوان الأخير على غزة.

وبما أن غالبية الإنتهاكات الإسرائيلية لا ينطبق عليها العامل الأول والعامل الثاني اللذان سهلا إمكانية تدخل المحكمة العليا وإصدارها لقرار واضح يشجب ممارسات جنود الإحتلال، فهل يصبح التوجه لمحاكم أجنبية هو الحل الأكثر نجاعة لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب؟

الجواب على هذا السؤال في السياق الإسرائيلي ليس مشجعا، على الأقل في هذه المرحلة. القانون الجنائي الدولي وهو فرع من القانون الدولي خاضع هو أيضا لمصالح الدول، العظمى منها على وجه التحديد.

صحيح أن المحاكم في العديد من الدول التي تمارس ولاية قضائية عالمية على جرائم الحرب هي محاكم مستقلة كما هو الحال في بلجيكا وإسبانيا، لكن إستقلاليتها تبقى محدودة فيما يتعلق بمقاضاة مجرمي حرب أجانب، وهي غير قادرة على مباشرة عملها في هذا المجال دون تخويل صريح بصورة قوانين يسنها البرلمان.

وعندما تتعرض بعض الدول لضغوطات خارجية وتهديدات بالمس بمصالحها الحيوية إذا تمت ملاحقة مجرمي حرب، تتعارض ملاحقتهم مع مصالح دول عظمى، فقد تنجح هذه الضغوطات، ويتم بالفعل تعديل القوانين التي تعنى بملاحقة مجرمي الحرب الأجانب لتجنب الصدام مع دول أخرى أو للحفاظ على مصالح مشتركة بينها.

هذا بالضبط ما حصل في بلجيكا عندما كانت هنالك محاولات لمحاكمة شارون عن دوره في مجزرة صبرا وشتيلا، وتخوفات من ملاحقة جنود أمريكيين يخدمون في حلف "ناتو" لانتهاكات ارتكبوها خلال خدمتهم.

إسرائيل والولايات المتحدة بذلتا جهودا دبلوماسية كبيرة للضغط على بلجيكا بالتراجع ووصلت هذه الضغوطات الى حد التهديد بإغلاق مقر ناتو في بلجيكا إذا لم يتم تعديل القوانين البلجيكية. وفي النهاية رضخت بلجيكا لهذه الضغوطات وقامت بتقليص صلاحية محاكمها بملاحقة مجرمي حرب أجانب من خلال إشتراط تقديم دعاوى بشروط عدة كوجود المجرم على أرض بلجيكا.

في المقابل لا تمارس الحكومات العربية والسلطة الفلسطينية أية ضعوطات في الإتجاة المعاكس للضغط على الدول الأوروبية بممارسة واجبها في ملاحقة مجرمي الحرب أينما تواجدوا، وهو واجب ينص عليه القانون الدولي.

ويبدو أن ملف جرائم الحرب التي ارتكبت بحق الشعوب العربية لا يعني هذه الحكومات أصلا. إن ترديد الشعارات الفارغة حول الجرائم التي ارتكبت في لبنان وغزة وغيرهما لا معنى له بإنعدام مشروع واضح لملاحقة مرتكبي هذه الجرائم. في هذه الأجواء لا يمكن التعويل كثيرا على الدول الأوروبية وغيرها لإحقاق العدالة عندما لا تحمل قيادات الدول العربية مشروعا واضحا في هذا الصدد.