السماح للاجئين بالعمل في لبنان: تغيير للأفضل أم تكريس للظلم

السماح للاجئين بالعمل في لبنان: تغيير للأفضل أم تكريس للظلم

واجه اجراء المجلس النيابي اللبناني أمس تعديلا على قانون العمل يمنح اللاجئين الفلسطينيين حق العمل في كل القطاعات المسموح بها للاجانب، موجة من ردود الفعل الفلسطينية بين مرحبة ومنتقدة رات فيه منقوصاً وغير مكتمل.

فمن جانبها أعلنت حركة المقاومة الاسلامية – حماس في بيان لها أن "هذه الخطوة لا بد أن يتبعها خطوات أخرى حيث ما يزال اللاجئ الفلسطيني محروم من مزاولة المهن الحرة، ومن حقه في الضمان الاجتماعي والصحي وحقه في تملك شقة سكنية".

وطالبت الحركة "الأشقاء المسؤولين في لبنان بسرعة العمل على إقرار كامل الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين، لتأمين عيشهم الكريم مع أشقائهم من أبناء الشعب اللبناني". كما أكدت أن "تلك الحقوق الإنسانية إنما هي ضرورة لحفظ كرامة الإنسان الفلسطيني، كما هي عامل أساس لمواجهة مشاريع التوطين والتهجير ولتعزيز صمود اللاجئين من أجل العودة إلى وطنهم فلسطين".

وقال المسؤول السياسي لحركة "حماس" في لبنان، علي بركة، إنّ قرار مجلس النواب اللبناني لقانون العمل الخاص باللاجئين الفلسطينيين، بمثابة خطوة ناقصة وغير كافية ولا تلبي مطالب أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان، بل إنها تكرس حرمانهم من العمل في المهن الحرة، كالطب والهندسة، والصيدلة والمحاسبة، والمحاماة والصحافة؛ حيث تفرض حصول العامل الفلسطيني على إجازة عمل قبل مزاولته أية مهنة في لبنان.

وطالب بركة في تصريح صحافي الأربعاء الكتل البرلمانية والقوى والأحزاب اللبنانية بالقيام بخطوات أخرى تجيز للاجئ الفلسطيني العمل في القطاع الخاص بكل مجالاته؛ بما فيها المهن الحرة، دون الحصول على إجازة عمل، أسوة بالعامل اللبناني الشقيق، مع الاستفادة من تقديمات الضمان الاجتماعي والصحي وتعويضات نهاية الخدمة وطوارئ العمل.

وأعرب بركة عن أسفه لعدم إقرار حق التملك، مجددًا المطالبة بإقرار هذا الحق أسوة بالرعايا العرب، وباعتباره حقًا إنسانيًّا، في ظل تناقص عدد المخيمات الفلسطينية بعد تدمير مخيمات تل الزعتر والنبطية وجسر الباشا ونهر البارد، وكذلك تزايد عدد اللاجئين من 120 ألف نسمة عام 1948 إلى 450 ألف نسمة عام 2010.

وقال بركة في تصريحه: "إننا نعتبر اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لم يحصلوا على حقوقهم المدنية والإنسانية بإقرار قانون العمل المجزوء، ونطالب الكتل البرلمانية والقوى السياسية اللبنانية بإعادة النظر في أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، والعمل على تصحيح الخلل القائم الذي يحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية؛ فإقرار الحقوق المدنية والإنسانية لا يتعارض مع حق العودة ورفض التوطين".

بدوره اعتبر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية احمد مجدلاني اليوم قرار مجلس النواب اللبناني بمنح حقوق مدنية للاجيئن خطوة بالاتجاه الصحيح ويمنح الفرصة للتخفيف عن معاناة اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون أوضاعا صعبة. وقال مجدلاني في بيان صحافي ان القرار يعكس الروح الايجابية التي انطلقت منذ تشكيل لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني في عام 2005.

وشدد على ان الوجود الفلسطيني في لبنان مؤقت وان أية حقوق اجتماعية واقتصادية وانسانية يحصل عليها الفلسطيني لا تدخل في اطار النقاش السياسي فيما يتعلق بموضوع توطين الفلسطينيين والمخاوف التي تثار بين اونة واخرى حول هذا الموضوع.

وأوضح مجدلاني ان مصادقة مجلس النواب اللبناني على اقتراح القانون الرامي لتعديل المادة 59 من قانون العمل اللبناني الصادر سنة 1946 لمنح اللاجئين الفلسطينيين في لبنان اجازات عمل تسهل لهم ممارسة بعض المهن والحرف فوق الاراضي اللبنانية التزاما من لبنان بما اقره مجلس وزراء الخارجية العرب الذي عقد عام 1965 في مؤتمر الدار البيضاء. وأكد أن السماح للفلسطيني بالعمل من شأنه ان يخفف ان لم يكن يقضي على ظاهرة البطالة والفقر المتفشية في التجمعات الفلسطينية في لبنان وان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية هي اولا واخيرا تسهم في تعزيز الاقتصاد اللبناني وخاصة ان هناك قوة عمل فلسطينية جاهزة وقادرة ومدربة من الممكن أن تسهم في تنمية الاقتصاد الوطني اللبناني.

وأشار الى متابعة هذه الخطوة والبناء عليها باتجاه اقرار رزمة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بما يساهم في تخيف العبء والمعاناة عن اللاجئين الفلسطنيين.

الجبهة الديمقراطية: لا يشكل الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين في لبنان


واعتبرت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين القرار اللبناني لا يشكل الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين في لبنان. وذكرت الجبهة في بيان لها ان القانون عبارة عن تجميل لسياسة الحرمان المتواصلة من قبل الدولة اللبنانية رغم عشرات المذكرات التي أرسلت الى المسؤوليين اللبنانيين.
وأوضحت ان القانون الجديد أبقى على الحالة التمييزية من خلال اجازة العمل وتجاهل حقوق العاملين في المهن الحرة بدون اي مسوغ قانوني اضافة الى تجاهله الحقوق الاخرى كحق التملك وغيرها من الحقوق التي ما زالت تشكل عاملا ضاغطا على الفلسطينيين في لبنان.

"فتح": خطوة في الاتجاه الصحيح...

أما حركة حركة فتح فقالت في بيانها: "ان القرار اللبناني ياتي بعد معاناة طويلة بسبب وجود هذا العائق الذي شكل تمييزا ضد الفلسطينيين وحرمهم من المعاملة بالمثل". واعتبرت ان القرار يمنح فرصة خفيف المعاناة التي يتعرض لها اللاجئ الفلسطيني في لبنان ويشكل خطوة بالاتجاه الصحيح ويفتح الطريق امام باقي الحقوق وخاصة حق التملك الذي يحرم منه اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

واكدت الحركة في بيانها ان "الوجود الفلسطيني في لبنان مؤقت لحين ايجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين استنادا الى قرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار 194 الذي يؤكد على حق العودة".

من جانبه، اعتبر نافذ غنيم عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني القرار اللبناني هام، ويخدم مصالح أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان, بالاضافة انه سيساعد كافة الفئات الاجتماعية من العيش بكرامة.

وقال غنيم: "ان هذا القرار منقوص، حيث كان من المفترض أن يكتمل بقرار واضح يقضي بحق تملك الفلسطينيين في لبنان، من اجل تامين حياتهم والشعور بالطمأنينة على مستقبل أبنائهم المهدد بسبب التقلبات السياسية"، مشيرا إلى أن مبررات البعض بعدم منح الفلسطينيين حق التملك في لبنان أو أي بلد عربي أخر غير منطقي، بحجة انه يساهم في إضعاف انتمائهم إلى وطنهم الأم فلسطين كما يدعي البعض.

واضاف أن كل الفلسطينيين أينما كانوا ينتمون إلى وطنهم فلسطين مهما نالوا من مكاسب في الخارج، وان حقهم في العودة للوطن لا يمكن أن تبدده أعظم الحقوق المكتسبة في أي دولة بالخارج، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن هذا الانتماء يتعزز لدى أبناء الشعب الفلسطيني من خلال إحساسهم بان هناك ما يجذبهم للعودة داخل الوطن لا العكس.

و شدد غنيم على أهمية أن يُقدم النموذج الأمثل في الحكم داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، القائم على الحرية والديمقراطية والعدالة لاجتماعية وسيادة القانون والمساواة، الأمر الذي سيعزز انتماء كل فلسطيني للوطن، ويشعره بالمواطنة الحقيقية والانتماء للأرض والهوية، والافتخار بجنسيته الفلسطينية، معتبرا أن النموذج الذي يقدم الآن فلسطينيا هو نموذج مذل ومهين ومنفر، حيث حالة الانقسام الداخلي والمناكفات السياسية التي تذبح المواطنين وتدمر مصالحهم، وتأخذ بالقضية الوطنية إلى مهاوي الردى.

واعتبر غنيم أن التطور في الموقف اللبناني باتخاذ القرار الأخير جاء نتيجة للحالة الفلسطينية، وكذلك للجهود الدبلوماسية الفلسطينية، ونتيجة لتطور الموقف اللبناني تجاه الفلسطينيين داخل المخيمات، والإحساس بان الضغط الذي تواجهه المخيمات يولد ظواهر تؤثر سلبا في الحالة اللبنانية.

وعلى الصعيد الإعلامي، فقد أشادت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية بالقرار اللبناني ووصفته بالخطوة الأولى فى وضع نهاية لسنوات من التمييز الذى قيد حق الفلسطينيين فى الحصول على فرص عمل مواتية وأجبرهم على العمل فى وظائف متدنية.

وقالت نيويورك تايمز إن القانون تم إصداره بعد مداولات وجدل استمرا لعدة أشهر فى البرلمان اللبناني، الذى بقراره هذا ألقى الضوء على واحدة من أخطر القضايا فى الشرق الأوسط والمتمثلة فى مصير اللاجئين الفلسطينيين.

أما صحيفة "السفير" اللبنانية، فقد نشرت تقريراً على صدر صفحتها الأولى تحت عنوان: تواطؤ «بالإجماع» على حقوق الفلسطينيين: «قوننة» الغبن لبــنان يـدخــل عصــر الـنـفـط­ ... ومجـلــس وزراء «مكـهــرب» الـيـــوم.

وأستهلت الصحيفة تقريرها: صحيح ان إقرار قانون التنقيب عن النفط في جلسة مجلس النواب، أمس، هو إنجاز نوعي وتاريخي من حيث المبدأ، لا بد من استكماله بخطوات تنفيذية حتى يصبح حسيا و«سائلا»، لكن الصحيح ايضا ان ما أقر للفلسطينيين بالنسبة الى حق العمل لم يكن عمليا سوى ذر للرماد في العيون، ولم يتعد حدود التمويه اللفظي الذي يعكس التوازنات اللبنانية الممجوجة، من دون ان يلبي المتطلبات الفعلية والملحة للاجئين.

لقد خضع هذا الملف، كما غيره، لـ«قواعد الاشتباك» الداخلية التي تفرض في العادة توافقات وتسويات غالبا ما تلحق الغبن بالذين يُفترض ان تنصفهم. وهكذا فإن «الضرورات» أفضت الى امتصاص اندفاعة المتحمسين للحقوق المدنية والانسانية ونجحت في تجويفها من مضامينها الحقيقية واختزالها ببعض الفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وبالتالي فإن شيئا جوهريا لن يتغير في الواقع المر الذي يرزح تحت وطأته اللاجئون منذ عقود، وأغلب الظن ان معظم هؤلاء لن يشعروا صباح اليوم او غد او بعده بأن تبدلا قد طرأ على حياتهم.

وأضافت: وحقيقة الامر ان حق التملك بقي خارج البحث، وان هوامش العمل امام اللاجئ الفلسطيني ظلت ضيقة، وان التقديمات التي منحت له هي في الاساس جزء من المترتبات او الواجبات المستحقة على رب العمل في علاقته مع الأجير، سواء في ما يتصل منها بتعويض نهاية الخدمة او طوارئ العمل. كما ان التقطير او التقنين في منح الحقوق يتعارض مع حقيقة ان الحقوق الانسانية والاجتماعية هي كل لا يتجزأ، لكونها في طبيعتها متكاملة ومتصلة ببعضها البعض، وأي تجزئة لها ستؤثرعلى فعاليتها ومفاعيلها.