غزة: خوف ومعنويات عالية

غزة: خوف ومعنويات عالية

التهبت سماء غزة لأيام ثمانية، الوقت فيها يمر بطيئًا، ولا تسمع إلا أصوات القصف. وتغرس طائرات الاستطلاع والطائرات الحربية والمدفعية والزوارق الموت والدمار في كل جانب.

انفجار تلو  الانفجار... ترتفع الأرقام ويزداد عدد الشهداء والجرحى كل ساعة، أرقامنا نكتبها من دماء، عائلات قتلت بأكملها بدون أي شعور من القاتل بتأنيب ضمير، كعائلة الدلو وغيرها.

في غزة أب يفقد ابنه محمد في حرب 2008 ليرزقه الله بعدها بتوأم ليسمي الأول على اسم شقيقه الأكبر الشهيد محمد والثاني صهيب لتأتي حرب مجرمة في 2012 وتغتال الأب وابنيه محمد وصهيب ...

د.مجدي نعيم، لم ير ابنه عبد الرحمن ذو العامين منذ بدء العدوان الهمجي على غزة ولكن وبعد ثماني أيام يراه أخيرًا ليكون شهيدًا نتيجة قصف على برج نعمة، يقبل ابنه الصغير قبلة الوداع ويضمه لصدره لآخر مرة ويضع له الكفن ثم يحمله بهدوء لثلاجة الموتى ويعود فورًا بعد ذلك ليكمل عمله في إسعاف مرضى الحرب.

هذه أرض العزة قاهرة الغزاة، اعتادت التضحية وتقديم الأرواح فداء للوطن فها هي تقدم 170 شهيدًا من الأطفال والنساء والرجال وأكثر من 1200 جريح جلهم من الأطفال والنساء نتاج هذا العدوان الهمجي.

غزة تألمت وعانت الكثير في الحرب الأخيرة لكنها لم تسمح للمعتدي أن يخرج سالمًا منها، وصمدت صمودا أسطوريا دون تململ، نعم كان يشعر الناس بالخوف، لكن الأمل بغد أفضل، ورد المقاومة، كانا يمدانهم بالصمود.

يقول الأهالي إنّ المقاومة استطاعت أن تحقق توازن رعب وأن تؤذي المعتدي وتخيفه فقلبت المعادلة، وجعلت الاحتلال يتكبّد الكثير من الخسائر، فصواريخ المقاومة وصلت في اليوم الثالث لتل أبيب لتصيب سكانها بجزء من الرعب الذي حاول الاحتلال أن يذيقه لأبناء غزة.

إن مشاهد انطلاق صفارات الإنذار في المدن الإسرائيلية وهرولة الإسرائيليين للاحتماء في الملاجئ، لا سيما في المناطق البعيدة التي لم تطلها صواريخ المقاومة من قبل، منحت شحنة معنوية وإرادة صمود لدى أهالي غزّة. صمدت غزة وهي تتابع وصول الصواريخ إلى تل أبيب هذه المدينة التي لم يكن يتوقع الاحتلال أن تصل إليها صواريخ المقاومة والتي كان دوما متباهيًا بأنها المدينة التي لن يصل إليها أي هجوم.

يشعر الأهالي أنهم أذاقوا الاحتلال جزءا من الألم الذي يمطرهم به، ويسخرون من القبة الحديدية التي باتوا يسمونها قبة كرتونية.

وتؤكد الأمهات في غزّة إنهن مصرّات على الصمود، وتقول أم أحد الشهداء إن قتلوا إبني لن أتخلىّ عن المقاومة، وإن هدموا بيوتنا سنبني غيرها ولكن لن تتوقف المقاومة على أرض غزة.

قاسية جدًا هي الحرب. قد ينتهي القتل والدمار والإرهاب لكن آلام الحرب تبقى جرحًا نازف في أعماق كل من عاشها، كم موجع حين تقبل ابنك الشهيد وأنت تعلم أنك لن تراه مجددا أو حين تقول لأمك أو أبيك وداعا وأنت في أمس الحاجة لهم، مؤلم حقًا حين تنظر لبيتك الذي اختزن كل ذكرياتك وهو يصبح ركامًا أمام عينيك والأصعب أن تبقى حائرًا منتظرًا للموت مع كل لحظة وأن يرحل الآمان من عينيك بعيدًا إلى عالم الأحلام. هذه هي مجرد وقفات لا بد أن يمر بها كل من عاش مرارة الحرب...

لم تكن هذه الحرب هي الأولى على غزّة، ومع ذلك الحرب هي الحرب، لا أحد يعتادها، تبقى وحشية وقاسية، الوقت فيها يمر بطيئًا جدًا. كثيرون سقطوا شهداء بينهم عدد كبير من النساء والأطفال الذين لا زالت آهاتهم وصرختهم الأخيرة تدوّي وصداها يفطر القلوب.
حصاد المواجهة

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018