الرواية الإسرائيلية لاغتيال المهندس يحيى عياش

الرواية الإسرائيلية لاغتيال المهندس يحيى عياش

اغتيل يحيى عياش (المهندس) أثناء مكالمة هاتفية مع والده في الخامس من كانون الثاني/ يناير عام 1996. وفي حينه كانت أجهزة الأمن الإسرائيلية تعتبره 'المطلوب رقم 1'. وكان عياش في حينه في شقة سرية في بيت لاهيا في قطاع غزة، وتمكن جهاز الأمن العام (الشاباك) من الوصول إليه بعد مطاردة متواصلة بدأت في الضفة الغربية قبل ذلك بأربع سنوات، واستغرقت آلاف ساعات العمل، استخدم فيها مختلف الأدوات لجمع المعلومات الاستخبارية والعملانية.

وبعد مرور عشرين عاما على اغتياله، نشرت مجلة 'ISRAEL DEFENSE' تقريرا يتضمن الرواية الإسرائيلية لعملية الاغتيال.

ويتضح من الرواية أن أجهزة الأمن الإسرائيلية اعتمدت في تنفيذ عملية الاغتيال على ثلاثة عناصر أساسية: اجتماعي ومسلكي واقتصادي.

ويتضح ، في إطار العنصر الاجتماعي، أن زوجة عياش انتقلت من الضفة الغربية إلى قطاع غزة وبات يلتقي بها بشكل دائم بينما كانت تحت الرقابة المشددة للشاباك. ومسلكيا تبين أن عياش اعتمد روتينا على غير عادته في الاتصال الأسبوعي بوالده، وكذلك بزوجته في الضفة الغربية قبل انتقالها إلى قطاع غزة. كما لجأ الشاباك إلى استغلال العامل الاقتصادي في إسقاط شخص كان له دور في تنفيذ عملية الاغتيال.

يعتبر، بحسب التقرير، عضو الكنيست، آفي ديختر، ورئيس منطقة الجنوب في الشاباك، عملية اغتيال المهندس، قبل 20 عاما، على أنها كانت شبه مستحيلة، وأنه لهذا السبب تجدر العودة إلى العملية التي نفذت بواسطة تفجير عبوة ناسفة من الجو كانت مزروعة في هاتف خليوي.

كما يعتبر اغتيال عياش أحد الاغتيالات الموضعية الأولى في سنوات التسعينيات، والذي جاء نتيجة عملية مركبة جدا ومحكمة وغير عادية قادها الشاباك بمساعدة باقي الأجهزة الأمنية، وكان رئيس الشاباك في حينه كرمي غيلون، الذي استقال بعد وقت قصير من العملية في أعقاب اغتيال رئيس الحكومة يتسحاك رابين. وكان يعكوف بيري سابقه في المنصب قد بدأ بمتابعة عياش. وكان وزير الأمن الحالي موشي يعالون يشغل في حينه منصب رئيس الاستخبارات العسكرية التي كانت شريكا فعالا في الدائرة الاستخبارية العملانية، إضافة إلى سلاح الجو.

يشار إلى أن عياش من مواليد قرية رافات، جنوب غرب مدينة نابلس في الضفة الغربية، ودرس هندسة الكهرباء في جامعة بير زيت، وحصل على لقب مهندس هناك. وفي مطلع سنوات التسعينيات كان من مؤسسي كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة حماس.

تقول الرواية الإسرائيلية إن الشاباك بدأ بمتابعته منذ العام 1992، في أعقاب إحباط عملية تفجير مركبة مفخخة في 'رمات إفعال' قام عياش بتحضيرها. واتهم عياش في حينه بأنه الذي بادر وخطط ونفذ عمليات انتحارية كثيرة في تلك الأيام، وأعد المواد المتفجرة التي استخدمت فيها. وبين السنوات 1993 – 1994 خطط عياش سلسلة من العمليات، بدأت بعملية انتحارية في 'محولا'، وعمليات أخرى في العفولة والخضيرة و'بيت ليد' والحافلة على خط 5 في شارع 'ديزنغوف' في تل أبيب، وعمليات أخرى كثيرة.

وسرعان ما أصبح عياش المطلوب الأبرز لأجهزة أمن الاحتلال، ولكنها فشلت مرارا وتكرارا في الوصول إليه. وكان يدرك أنه مطلوب، ولذلك واظب، بمساعدة معاونين، على البقاء في حراك دائم، ومن المرجح أنه لم ينم أكثر من ليلة واحدة في نفس المكان. وفي عدة أحيان كاد يتمكن الشاباك من اعتقاله. ولاحقا، وبهدف تقليص فرص اعتقاله، انتقل من الضفة الغربية إلى قطاع غزة. ومن المرجح أنه انتقل إلى هناك بواسطة شاحنة لنقل الخضار.

بدأت عملية مطاردة عياش في العام 1992، وفي تشرين أول/ أكتوبر عام 1994، وبعد عملية انتحارية في شارع 'ديزنغوف' في تل أبيب، حصلت قفزة نوعية في عملية المطاردة، حيث طلب رئيس الحكومة في حينه، يتسحاك رابين، تسريع الجهود لاغتياله، وشدد على أهمية العملية وعلى عامل السرعة في تنفيذها. وفي أعقاب هذه التعليمات تم تعزيز الجهود، وأخذت مهمة الاغتيال منحى آخر، وبات كل جندي إسرائيلي يعرف صورة يحيى عياش، ولكن دون تحقيق نتائج.

ورغم انتقاله من الضفة الغربية إلى قطاع غزة في مطلع العام 1995، واصل عياش إعداد وإطلاق العمليات، في حين واصل التشديد على قواعد الحذر، وتغيير مكان تواجده. واهتم معاونوه، من حركة حماس، بتلبية احتياجاته، وبضمنها اللوجستية، إضافة إلى أماكن اختباء. وواصل هو بنفسه إعداد العبوات الناسفة، وإطلاق ناشطي حماس لتنفيذ عمليات انتحارية داخل إسرائيل. وتعتبره إسرائيل مسؤولا، بشكل شخصي، عن مقتل عشرات الإسرائيليين وإصابة المئات.

ويتابع التقرير أنه في مرحلة معينة قرر الشاباك استغلال نقطة ضعف جدية تم اكتشافها خلال الجهود الاستخبارية المتواصلة، والإشارة هنا إلى زوجته وطفله الصغير، اللذين بقيا في الضفة الغربية، حيث كان عياش يجري معهما اتصالات هاتفية. وبعد متابعة متواصلة، اتضح للشاباك أن زوجته تنوي الانتقال إلى قطاع غزة كي تكون قريبة من زوجها. وسمح لها الشاباك بالانتقال. وفي آذار/مارس من العام 1995 تم اكتشاف مكانها في بيت لاهيا.

ويقر ديختر بأن كل الجهود والوسائل لجمع المعلومات الاستخبارية التي قام الشاباك بتفعيلها لم تثمر شهورا طويلة، فقد كان عياش 'يختفي من الرادار'، ولذلك تقرر الانتقال من الوسائل 'الخاملة' إلى 'الفعالة'. وكانت فرضية الانطلاق تقول إن عياش يعمل في مكان غير بعيد عن زوجته، خاصة وأنها أنجبت المولدود الثاني في نهاية العام 1995.

وتقول الرواية الإسرائيلية إن الجهود تركزت على منزل في بيت لاهيا، في محاولة لمعرفة كل من يمكن أن يكون له علاقة مع عياش. والإشارة هنا إلى متابعة استخبارية متواصلة ومعقدة وذكية وبطيئة، اشتملت على عمليات مسح لمجمل المعلومات، بما فيها معلومات عن ناشطي حماس الذين يعيشون في المنطقة. وكانت هناك عدة علامات تشير إلى ناشط في حماس باسم أسامة حماد، والذي كانت له معرفة سابقة بعياش أثناء دراستهما في جامعة بير زيت.

وتضيف الرواية أن متابعة حماد كشفت أن عياش اعتاد الوصول إلى شقة صديقه في بيت لاهيا كي يلتقي زوجته وطفليه. كما بينت متابعة الاتصالات أن عياش واصل إجراء مكالمة هاتفية مع والده بشكل أسبوعي من بيت حماد. ولاحقا تم استغلال هذه المعطيات بشكل عملاني لتنفيذ عملية الاغتيال.

وبعد اكتشاف أمر المعاون، حماد، كان على الشاباك اتخاذ قرار بشأن تنفيذ عملية الاغتيال، وإيجاد أنجع طريق إلى المعاون. وتقرر تجنيد قريب لأسامة حماد، ويدعى كامل حماد، وهو مقاول ورجل أعمال بارز في قطاع غزة، وعمل في إسرائيل. وأنشأ الشاباك علاقات مع كامل حماد، وبدأ بإعداد السيناريو لتنفيذ عملية الاغتيال.

في البداية، بحسب التقرير، أجبر الشاباك المقاول حماد على أن يدرك أن عليه أن يتعاون معهم إذا أراد أن يستمر في التحرك بحرية في إسرائيل ومواصلة أعماله فيها. وفي هذا الإطار طلب منه أن يقوم بتشغيل قريبه أسامة حماد، ولاحقا أن يقوم بتسيلمه جهاز هاتف خليوي.

ويؤكد ديختر في هذا السياق أنه تم تسليم أسامة حماد الجهاز بهدف أن يعتاد الأخير على استخدامه. وبعد فترة معينة، وبعد أن بدأ استخدام الجهاز، واعتاد أسامة حماد على استخدامه، طلب الشاباك من كامل حماد إعادة الجهاز، وقام طاقم فني بزرع 50 غراما من المواد المتفجرة في داخل الجهاز.

وعندما حانت الفرصة، في نهاية كانون الأول/ ديسمبر 1995، جرت المحاولة الأولى، وذلك بعد أن قام الشاباك بـ'معالجة' الهاتف المنزلي لأسامة حماد وتعطيله لإجبار عياش على استخدام الهاتف الخليوي. وكان والد المهندس يعرف رقم الهاتف الخليوي لحماد، فقام بالاتصال به. في هذه اللحظة قام عنصر الشاباك المفعل للجهاز بضغط زر تفعيل الإشارة الإلكترونية بواسطة طائرة، ولكن المكالمة الهاتفية استمرت، ولم تنفجر العبوة الناسفة.

ويضيف التقرير أنه طلب من المقاول – المتعاون مع الشاباك، والذي لم يكن يدرك أو يعرف الدور المصيري له في العملية، أن يحضر الجهاز من أسامة حماد بذريعة إجراء فحص تقني. وعندها تبين أن هناك مشكلة معقدة، حيث أنه ليس من السهل تسلم جهاز يحتوي على عبوة ناسفة قد تنفجر في أي لحظة. ولكنها لم تنفجر، وتمكنت وحدات التكنولوجيا في الشاباك من تحديد مصدر الخلل الذي نجم عن سلك مقطوع.

وأعيد الجهاز لكامل حماد، وقام الأخير بدوره بتسليمه لأسامة حماد. وفي الخامس من كانون الأول/ يناير من العام 1996، نشأت فرصة أخرى للشاباك، حيث وصل عياش إلى منزل حماد، وتم تعطيل الاتصال السلكي في المنزل، وبطريقة ما دفع والد عياش إلى إجراء اتصال مرة أخرى بالهاتف الخليوي.

لم يكد عياش ينطق سوى بجملة واحدة، وعندها تمكن الشاباك من تحديد هوية المتحدث، ليتم ضغط زر التفجير قبل أن يسود الهدوء، حيث انفجرت العبوة الناسفة، وأصيب عياش في رأسه إصابة قاتلة.

وبحسب التقرير، ورغم أن الحديث عن عملية قام بها الشاباك، إلا أنها كانت ثمرة تعاون عملاني استخباري مع سلاح الجو والاستخبارات العسكرية.

وبعد نحو عشرين عاما، يقول ديختر إن نجاح عملية الاغتيال كان شبه مستحيل، حيث أنه بعد سنوات وشهور من البحث كان هناك إحساس بأن احتمالات النجاح ضئيلة جدا، ولكن تم جمع المعلومات ببطء لتنفيذ الهدف واستخدام التكنولوجيا في الفكرة العملانية.

يشار إلى أنه بعد تنفيذ عملية الاغتيال اعتقلت السلطة الفلسطينية أسامة حماد وكثيرين من أبناء عائلة 'المتعاون غصبا عنه'، كامل حماد.

اقرأ/ي أيضًا | 3 شروط مصرية لتطبيع العلاقات مع حماس؟

ويشير التقرير إلى أن حياة رجل الأعمال كامل حماد، الذي كان يمكث في إسرائيل أثناء عملية الاغتيال، قد تغيرت، كباقي المتعاونين الذين لم يعد يرجو الاحتلال منهم أية فائدة. فقد أدانته حركة حماس والسلطة الفلسطينية بالخيانة والتعاون مع الاحتلال، وفقد كل ثروته وممتلكاته في قطاع غزة. ولاحقا، وفي إطار خطة تأهيل للشاباك، سافر إلى الولايات المتحدة، إلا أنه اضطر إلى العودة. ويقول أحد الأمنيين الإسرائيليين السابقين إنه التقى به صدفة في المجمع التجاري 'أيالون' في 'رمات غان'، وأنه ادعى أنه تم التغرير به وبالنتيجة دفع ثمنا كبيرا، في حين تنكر الشاباك لالتزاماته تجاهه.

اقرأ/ي أيضًا | باراك رفض اغتيال عماد مغنية بالعام 2000