عاصفة فيروس كورونا في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة

عاصفة فيروس كورونا في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة
أمام باب العامود في القدس المحتلة (خاصّة بـ"عرب 48")

تضاءلت منذ اندلاع جائحة فيروس كورونا العالمية أعداد اليهود القادمين من القدس الغربية إلى الجزء الشرقي المحتل منذ عام 1967، وأغلقت المطاعم والمقاهي ومحلات الهدايا التذكارية "السوفنير" المنتشرة على جانبي الطريق الواصل بين باب الخليل وحتى الحائط الغربي للمسجد الأقصى المبارك، المسمى بحائط البراق، الذي يشكل امتدادا لسور المدينة.

كذلك فقد اختفت أيضا ظاهرة أفواج السائحين الذين يتجمعون في ساحة كنيسة القيامة، ومراحل درب الآلام، من باب الأسباط وحتى كنيسة القيامة، الذي سار به السيد المسيح، بعد أن حكم عليه بالإعدام صلبا من قبل الوالي الروماني.

المقاهي والمطاعم ومحلات الخضار والفواكه وأكشاك البائعين في الأحياء المجاورة كلها مغلقة تماما، في ساعات الصباح والمساء، والمارة يُعدون بالآحاد، يرتدي بعضهم الكمامات، يمشون بخطوات سريعة، وكأن الموت يطاردهم، واختفت قوات حرس الحدود الذين يحتلون عادة النقاط الحيوية من مدينة القدس، في الوقت ذاته، بقي عشرات الآلاف من المقدسيين رهن الحبس المنزلي الطوعي، ومنهم تجار وموظفون وعمال ورش البناء والمصانع.

وفي عيادة صندوق مرضى "مكابي"، في حي راس العامود، شرق المدينة، أٌلصقت الإعلانات في كل مكان مطالبة المرضى الذين يعانون من ارتفاع في درجة الحرارة والسعال الشديد بعدم الدخول إلى العيادة، ووضعت برامج طبابة عن بعد، من خلال تطبيقات خاصة في الهواتف النقالة، كذلك فعلت البنوك والمدارس، وفي صيدلية في باب الساهرة، تقول الصيدلانية: إننا نصرف الدواء للمرضى الذين يشترون أدوية شهرية لمدة شهرين بدلا من شهر واحد.

وفي جفعات رام بالقدس الغربية، كان عدد زوار الحديقة النباتية محدودا ببضعة أشخاص، رجل يدفع عربة فيها طفل، وعدد من الأولاد، وبعض العاملين في الحديقة. وتوقف القطار الذي يتنقل بين أرجاء الحديقة لعدم وجود الزوار.

إنه فيروس "كورونا" الذي يهدد جميع البشر، ولا يميز بين فلسطيني مقيم في المدينة، ومستوطن إسرائيلي يحتل بيتا عربيا داخلها، أو جندي من قوات حرس الحدود مدجج بالسلاح يجوب شوارعها لحماية الأمن.

وإن كان العلماء في دول كثيرة ينشغلون الآن في إنتاج مصل لاحتواء الفيروس المخيف، إلّا أنّ العالم لم ينتج حتى هذه اللحظة أي دواء ناجع لعلاج العنصرية والقوانين الجائرة التي نجم عنها هدم مئات من بيوت المقدسيين بحجج البناء دون ترخيص، وحطم أحلام الكثيرين منهم، وعزلهم عن بقية الأراضي الفلسطينية بجدار يمتد جنوبا حتى مستوطنة غوش عتصيون، جنوب بيت لحم وشمالا حتى مستوطنة بسغات زئيف وشرقا حتى مستوطنة معاليه أدوميم ملتهما أكثر من 150 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية.

مدينة أخرى تاريخية وروحانية محاصرة كمدينة القدس، أطلق عليها ووهان الصغيرة، لأنها شهدت أولى الإصابات في فلسطين، هي مدينة بيت لحم، المحاصرة بالحواجز العسكرية وجدار الفصل العنصري والمستوطنات، وهي مدينة تتميز بعزلتها المشددة، ويرتدي رجال الشرطة الفلسطينية بدلات خاصة، لحمايتهم من الفيروس، ويغطون وجوههم، بأقنعة، فيبدون وكأنهم رجال فضاء.

وتحولت مدينة أريحا، المنتجع الشتوي الدافئ، الجاذب لعشاق الهواء النقي إلى مدينة أشباح، لأن الزوار توقفوا عن المجيء إليها. وفي شارع المنتزهات، كانت المطاعم الفاخرة خالية من الزبائن، ولم أسجل في دفتر ملاحظاتي إلا صوت المغني الشهير بوب ديلن وهو يغني بصوت شجي من سيارة عابرة كاسرا الصمت بأغنيته: "دعني أموت على خطوات أقدامي".

ويعيش قطاع غزة أيضا، أياما موجعة من نوع آخر. إذ لم يعد ذلك القطاع المعزول، الذي يزعم الزاعمون أنه خال من فيروس"كورونا"، فقطاع غزة ضعيف ومأزوم بانتشار الفيروس أو بدونه، ولكنه "ليس معصوما من إمكانية تفشي هذا الفيروس". هذا ليس كلامي، ولكنه كلام المدون الباحث مصطفى إبراهيم.

مدن أخرى في الضفة الغربية كالخليل في الجنوب، ورام الله في الوسط ونابلس وطولكرم وقلقيلية في الشمال، جميعها محاصرة بالأسوار والأبراج والحواجز العسكرية وفيروس "كورونا"، وهي مدن تئن من الحرمان ونقص الحرية والرفاه الاقتصادي، وتفقد بريقها الديني والتاريخي، وعلى رأسها مدينة القدس التي تعيش أياما ثقيلة في ظل الكساد الاقتصادي والخوف من انتشار الفيروس بل إن كلمة ثقيلة لا تصف حال مواطنيها بدقة، لكنها أصبحت مدينة "فارغة وفزعة وحزينة" وفق ما كتب الإعلامي ناصر عطا في "فيسبوك". وبث صور فيديو لحارة النصارى وساحة كنيسة القيامة ومنطقة باب العامود التي تكون عادة مكتظة بأهل المدينة وضواحيها والزوار من الداخل والسواح الأجانب، قبل هبوب عواصف "كورونا" في معظم دول العالم.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"